|
القاهرة 28 أبريل 2026 الساعة 01:26 م

بقلم: ضحى محمد السلاب
في الأعمال الدرامية التقليدية، تبدأ الحكايات غالبًا من حدث صادم: جريمة، خيانة، أو كارثة تقلب الموازين دفعة واحدة. لكن في "حكاية نرجس"، لا شيء ينفجر فجأة. كل شيء يتآكل بهدوء. الفكرة التي ينطلق منها العمل تبدو بسيطة حدّ التلاشي: امرأة لا تنجب. غير أن هذه الفكرة، في سياق اجتماعي مشبع بالأحكام، تتحول إلى بذرة قلق تتشعب داخل النفس، وتعيد تشكيل إدراك الذات والعالم. هنا لا تكون المأساة في ما يحدث، بل في الطريقة التي يحدث بها: ببطء، بصمت، وبمنطق يبدو مقنعًا في كل خطوة، حتى يصل إلى ما لا يمكن تبريره.
"حكاية نرجس"، الذي عرض في النصف الثاني من رمضان 2026، هو من إخراج سامح علاء وتأليف عمار صبري، وبطولة كل من ريهام عبد الغفور وحمزة العيلي وأحمد عزمي وتامر نبيل وسماح أنور وبسنت أبو باشا ودنيا ماهر وإلهام وجدى، وقد حاز تفاعلا واسعا من الجمهور. ليس مجرد عمل درامي عن امرأة تواجه قسوة المجتمع، بل هو تفكيك عميق لكيف يمكن لفكرة واحدة، حين تتحول إلى معيار، أن تعيد كتابة مصير إنسان بالكامل. إنه عمل يتسلل إلى المناطق الرمادية، حيث لا يوجد شرّ مطلق أو براءة كاملة، بل شبكة معقدة من الضغوط والرغبات والاختيارات التي تتداخل حتى يصعب فصلها.
تحت وطأة النظرة المجتمعية القاسية، تنزلق نرجس في منحدر من الأكاذيب والجرائم؛ في محاولة يائسة لتشييد أسرة وهمية تمنحها الاستقرار، لتجد نفسها في مواجهة مصيرٍ مأساوي لم تكن تتوقعه.
عانت نرجس من عدم الإنجاب مما يدفعها ذلك لاختطاف طفل لتربيته وسط صراعات تعيشها نرجس مع أهلها ومع أهل زوجها.
بالزواج من حبيبها القديم «عوني»، الذي يجسد شخصيته الفنان حمزة العيلي، تبدأ الأحداث، إلا أن هذه البداية تصطدم برفض عائلته القاطع نتيجة شكهم في أنها تستغل إعاقة قدمه، التي أُصيب بها في مرحلة المراهقة إثر حادث قطار، لتحقيق أهدافها الخاصة. ولم يكونوا على دراية بأنها تخطط لذلك بالفعل، إذ أوهمته بأنه غير قادر على الإنجاب، وبأنها تحبه وترغب في تحقيق حلمهما بإنجاب طفل.
تجد البطلة نفسها محاصرة بنظرات الشك والرفض، مما يعمّق جراحها النفسية ويدفعها نحو حافة الانهيار. ومع تزايد حدة التنمر، تبدأ نرجس في سلوك مسارات مظلمة؛ إذ بدأت بكذبة صغيرة بادعاء الحمل، لكنها سرعان ما تطورت إلى جرائم خطف منظمة.
حاولت نرجس من خلال هذه الجرائم ملء فراغ الحرمان، وإقناع المجتمع بأنها امرأة «طبيعية»، متجاهلة العواقب الكارثية لأفعالها.
وعندما تفشل محاولاتهما في التبني لعدم قدرتهما المادية، تُقدم على خطف الطفل الأول التي أطلقت عليه اسم "يوسف" من سيدة تبيع البخور في الشارع. وبعد عدة سنوات، تختطف الطفل الثاني من أسرة فقيرة في إحدى القرى، مدعية أنها سيدة تُدعى «حنان» تعمل في الشؤون الاجتماعية، وتُجري بحثًا ميدانيًا عن الأسر الفقيرة التي لديها أطفال لتوفير مصدر دخل لهم.
وفي النهاية، تنجح الشرطة في إلقاء القبض عليها، بناءً على البلاغات المقدمة من أسرة الطفل الثاني والتي أطلقت عليه اسم" يونس".
يقدّم المسلسل حالة درامية نادرة تنزاح عن نقطة البداية التقليدية في أعمال الجريمة؛ فلا جثة في المشهد الأول، ولا لغز بوليسي يُستدعى لحلّه، بل فكرة تبدو عادية إلى حدّ التلاشي: امرأة لا تنجب. لكن هذه “الفكرة” تتحول تدريجيًا إلى محرّك خفي يعيد تشكيل العالم النفسي والاجتماعي للشخصية، حتى تصبح الجريمة نتيجة منطقية، لا حدثًا شاذًا.
ذكاء المسلسل يكمن في أنه لا يتعامل مع الجريمة كصدمة، بل كحصيلة. نرجس لا تستيقظ فجأة لتصبح مجرمة، بل تنزلق نحو ذلك عبر سلسلة من التنازلات الصغيرة، التي تبدو في لحظتها مبرّرة أو حتى ضرورية. هذا البناء يقرّب العمل من دراما التحليل النفسي أكثر من كونه إثارة تقليدية.
الأخطر هنا أن الدافع ليس ماديًا ولا انتقاميًا، بل رمزي: الرغبة في الانتماء. نرجس لا تريد طفلًا بقدر ما تريد الاعتراف بها كامرأة “صالحة” وفق المعايير السائدة. وهنا تتحول الأمومة من تجربة إنسانية إلى شرط وجودي، ومن رغبة إلى واجب قسري.
-
العنف الناعم كغطاء للجريمة
يُعرّف العنف الناعم (Soft Violence) بأنه أفعال أو إشارات "غير مادية" وغير إجرامية ظاهريًا، لكنها تُلحق أذىً نفسيًا أو اجتماعيًا عميقًا. هذا النوع من العنف خفيّ، وغالبًا ما يكون مجهولًا من قِبل الممارِس والضحية معًا، حيث يتجلى في ممارسات وجدانية وثقافية وأخلاقية.
في هذا العمل، نرى عدة عوامل تضعه في هذا القالب: أولًا "الدافع العاطفي المغلف"، حيث يعتمد العنف الناعم على استخدام "العاطفة" أو "الحاجة الإنسانية" كغطاء لفعل مدمر. المرأة هنا لا تتحرك بدافع الكراهية أو الرغبة في القتل، بل بدافع "الأمومة المتخيلة"، وهذا التناقض هو جوهر العنف الناعم. ثانيًا "الخداع الرمزي"، حيث الخطف في هذه الحالة غالبًا ما يتم بالاستدراج، الابتسامة، أو إظهار الحنان للطفل لسحبه بعيدًا، وهو قمة "النعومة" الظاهرية التي تخفي خلفها "عنفًا" وجوديًا بانتزاع طفل من أصله. ثالثًا "الضغط الاجتماعي"، حيث إن "العنف الناعم" الحقيقي هو ضغط المجتمع على المرأة التي لا تنجب، مما يوصلها لدرجة من الانفجار النفسي تدفعها لارتكاب جريمة لتعويض نقص يراه المجتمع "عيبًا".
-
التحول من الضحية إلى الجلاد
شخصية “نرجس” في مسلسل *حكاية نرجس* تُبنى دراميًا بوصفها شخصية مركّبة تجمع بين الاضطراب النفسي والرمزية البصرية. استخدام الثعلبة في مظهرها لا يُقدَّم كتفصيل عشوائي، بل كأداة تعبير عن هشاشة داخلية وصراع نفسي محتمل، حيث يوظَّف الشكل الخارجي لإيصال فكرة فقدان التوازن أو المرور بصدمة عميقة. هذا التوظيف البصري يعكس أسلوبًا دراميًا يعتمد على ربط الحالة النفسية بالمظهر لإيصال دلالات سريعة للمشاهد، رغم أن هذا الربط قد يكون تبسيطيًا من منظور واقعي.
غير أن اسم “نرجس” يحمل في حد ذاته دلالة رمزية تقوم على المفارقة؛ فهو اسم يوحي بالجمال والهدوء، لكنه يُمنح لشخصية تمارس أفعالًا عنيفة مثل خطف الأطفال، ما يخلق صدمة مقصودة ويعزز فكرة أن الشر قد يتخفّى خلف مظهر أو اسم مألوف. نقديًا، يمكن فهم سلوك الشخصية من خلال نماذج نفسية درامية مثل اضطراب التعلّق أو إعادة تمثيل الصدمات، حيث تتحول الخبرات المؤلمة أو الحرمان العاطفي إلى سلوك سيطرة وتعويض غير سوي، ما يضع نرجس في منطقة رمادية بين الضحية والجاني أكثر من كونها شخصية شريرة مطلقة.
أحد أكثر الجوانب تعقيدًا في الشخصية، كما تقدّمه ريهام عبد الغفور، هو أن نرجس ليست فقط ضحية مجتمع قاسٍ، بل أيضًا شريكة في إعادة إنتاج قسوته. المسلسل لا يكتفي بفضح الأحكام الاجتماعية، بل يذهب خطوة أبعد: كيف تتسرّب هذه الأحكام إلى داخل الأفراد، ليصبحوا أدواتها دون وعي.
لحظة معايرة نرجس لأختها التي لم تنجب ليست تفصيلة عابرة، بل نقطة كشف مركزية: هنا نرى التحوّل الكامل من موقع الضحية إلى موقع الجلاد. وكأن العمل يقول إن أخطر أشكال القمع ليست تلك المفروضة من الخارج، بل تلك التي نتبناها نحن وندافع عنها.
يتعامل المسلسل مع جسد نرجس بوصفه ساحة دلالية، لا مجرد عنصر بصري. تأخر الإنجاب، ثم فقدان الشعر، ليسا مجرد أحداث بيولوجية، بل إشارات إلى تفكك صورة “الأنوثة” كما يفرضها المجتمع.
فقدان الشعر تحديدًا يحمل بعدًا رمزيًا قويًا؛ إذ يرتبط في الثقافة السائدة بالجمال والاكتمال الأنثوي. ومع تآكله، لا تفقد نرجس جزءًا من مظهرها فقط، بل جزءًا من هويتها كما تم تلقينها. الجسد هنا لا ينهار بيولوجيًا فحسب، بل اجتماعيًا ونفسيًا.
-
بنية مزدوجة: بين الجريمة والدراما الاجتماعية
يقوم العمل على بنية درامية مزدوجة حيث يمكن النظر إلى العمل من زاوية دراما الإثارة والتشويق التي تقوم على جريمة يتم تتبع تصاعد أحداثها وصولًا إلى فعل الاختطاف، وكذلك من زاوية الدراما الاجتماعية التي تفكك آليات الضغط غير المرئي على النساء.
هذه الازدواجية ليست ضعفًا، بل مصدر ثراء. فالإثارة هنا لا تُستخدم للتسلية فقط، بل كأداة لكشف البنية العميقة للعلاقات الاجتماعية. كل تصعيد درامي يقابله تعمّق في طرح السؤال: من المسؤول حقًا؟ الفرد أم المنظومة؟
-
الإخراج والأداء: عمق بصري وانفجار داخلي
يعتمد إخراج سامح علاء على زاويا بصرية عميقة تظهر مدى الاختناق الداخلي للشخصية. بحيث تعكس الإضاءة الصفراء الباهتة في غالبية المشاهد بما يظهر عمق الشخصية بشكل متوازن و يعكس الواقعية في الأداء بشكل عام.
أما أداء ريهام عبد الغفور، فيرتكز على الصمت بقدر ما يرتكز على الحوار. نظراتها، ترددها، وانكساراتها الصغيرة، تشكّل شبكة معقدة من الإشارات التي تنقل تحولات الشخصية دون حاجة إلى تفسير مباشر. هذا الأداء يجعل المشاهد شريكًا في قراءة الحالة، لا مجرد متلقٍ لها.
"حكاية نرجس" يكاد يُبنى بصريًا ونفسيًا كما تُبنى لوحة فنية كلاسيكية، ويمكن تشبيهه—على مستوى الروح—بأعمال الفنان النرويجي إدفارد مونك، بينما تحمل ملامح وجه نرجس صدى واضحًا من لوحات رامبرانت. حيث يمكن قراءته كلوحة طويلة ممتدة عبر 15 حلقة، تُرسم ببطء شديد. كل مشهد يضيف طبقة لون جديدة، وكل صمت يضيف ظلًا أعمق. وفي مركز هذه اللوحة تقف نرجس: وجه نصفه في الضوء، ونصفه الآخر غارق في عتمة لا يراها أحد… لكنها تحدد كل شيء.
-
وجه نرجس: ضوء رامبرانت وظلاله
أما ملامح نرجس، كما تجسدها ريهام عبد الغفور، فهي أقرب إلى لوحات الفنان الهولندي رامبرانت، خاصة بورتريهاته التي تعتمد على التباين الحاد بين الضوء والظل.
وجهها ليس جميلًا بالمعنى التقليدي داخل العمل، بل “مكشوف”. الضوء يسقط غالبًا على جزء واحد من وجهها، كاشفًا هشاشتها، بينما يغرق الجزء الآخر في الظل، حيث تتراكم الأفكار غير المعلنة: الخوف، الرغبة، والذنب. في لوحات رامبرانت، لا يُسعى إلى إبراز الجمال المثالي بقدر ما يُكشف عن أثر الزمن والتجربة على الوجوه، وهو ما نراه في ملامح نرجس حيث مزيج من القوة والهشاشة، النور والظل، والضوء لا يُخفي العيوب بل يمنحها معنى أعمق.
-
بين مونك ورامبرانت: أين تقف نرجس؟
ما بين العمل ككل فسنرى عالم مونك "قلق وجودي وضغط نفسي خانق"، أما وجه نرجس يحمل نفس ملامح لوحة بورتريه رامبرانت "حيث إنسان مكشوف أمام ذاته". وهذا التزاوج مهم، لأنه يعكس طبيعة العمل نفسه: العالم قاسٍ وصاخب في داخله، لكن التعبير عنه يأتي هادئًا، ثقيلًا، وصامتًا.
-
يضع العمل المشاهد أمام مرآة متعددة الزوايا
في جوهره، لا يدين المسلسل نرجس بقدر ما يدين السياق الذي صنعها. الجريمة هنا ليست خروجًا عن القاعدة، بل نتيجة مقلقة للامتثال لها. وهذا ما يمنح العمل قوته: أنه لا يقدّم إجابات مريحة، بل يضع المشاهد أمام سؤال
كم من الجرائم اليومية نرتكبها، بشكل مباشر أو غير مباشر، حين نحوّل حياة الآخرين إلى معايير يجب أن تُستوفى؟ فحكاية نرجس ليس فقط حكاية امرأة، بل حكاية مجتمع يراقب يحاكم، ثم يتفاجأ حين تنكسر ضحاياه بطريقة لا يمكن احتواؤها.
في النهاية، يتركنا مسلسل "حكاية نرجس" أمام مرآة متعددة الزوايا، تعكس ليس فقط حكاية نرجس، بل أيضًا بنية أوسع من الأحكام التي نعيش داخلها ونشارك في ترسيخها أحيانًا دون أن ندرك. الجريمة هنا لا تبدو كاستثناء، بل كاحتمال كامن في قلب الامتثال نفسه، حين تتحول المعايير الاجتماعية إلى سلطة داخلية لا تُناقش.
هكذا يغادر المشاهد العمل مثقلًا بأسئلة أكثر مما هو محمّل بإجابات: أين تنتهي مسؤولية الفرد، وأين تبدأ مسؤولية المجتمع؟
-
دكتور على أسعد وطفه , بيداغوجيا الرمز والعنف الرمزي في منظور بيير بورديو
علي أسعد وطفة 12 سبتمبر، 2020.*بتصرف
-
لوحة الصرخة، 1893، للفنان إدفارد مونك .
-
موقع الطريق الثقافي 28 يناير 2026 البورترهات الذاتية لرامبرانت.. تألق الشباب وفقر الشيخوخة , أناستا سيا كيربالوف , ترجمة خنساء العيداني
4- موقع جريدة الدستور ريهام عبد الغفور: نرجس استنزفتني نفسيًا.. والانتحار كان صرخة إنسانية ,أخيرة(خاص) , دعاء عبد المقصود, السبت 28/مارس/2026 - 02:20 م








|