|
القاهرة 28 أبريل 2026 الساعة 01:22 م

كتبت: أميرة عز الدين
بعد الضربة الغادرة التي وجهها الكيان الصهيوني لمصر في 5 يونيو؛ أخذت حكومة الاحتلال في التخطيط للدعوة إلى تدويل سيناء واستقلالها عن الحكومة المصرية، كوسيلة لتثبيت نتائج الهزيمة سياسيًا بعد فرضها علينا عسكريًا، في تلك الفترة رفض جنودنا الاستسلام لفكرة الهزيمة وأرادوا أن يثبتوا للعالم أجمع أنهم لم يخوضوا حربًا حقيقية أو شريفة، فبدأت قيادتنا العسكرية -بعد شهور قليلة- في تنفيذ عمليات فدائية في قلب سيناء، مثل معركة رأس العش التي أوقفت تقدم المحتل نحو بورفؤاد، وإغراق المدمرة إيلات التي كانت ضربة قاصمة ومربكة للعدو، وقد عرفت تلك العمليات تاريخيًا باسم حرب الاستنزاف.
ولتنفيذ فكرتهم؛ بدأ الصهاينة في تلك الفترة في محاولة استمالة شيوخ القبائل البدوية للموافقة على التدويل كمستفيد أول بحكم أنهم سكان الأرض الأصليين، واستخدموا سياستهم الأزلية "فرق تسد" لإقناعهم أن الحكومة المصرية لم تعدَّ البدو يومًا مصريين حقيقيين وأنها لم تهتم لأرض سيناء إلا بعد هزيمتها في 67، ولكي يتمكنوا من النفاذ داخل المجتمع السيناوي وقتها كان عليهم التعامل مع الشيخ سالم الهِرش؛ شيخ قبيلة البياضية وكبير القبائل أجمعها.
لم يمضِ الكثير من الوقت إلا وكان الصهاينة قد أقنعوا الشيخ سالم بفكرتهم بل وأصبح داعمًا وداعيًا لها، ومضى الأمر بين قبائل سيناء بين مؤيدٍ للفكرة وحالمٍ بالمكاسب التي زينتها لهم حكومة الكيان؛ ومعارضٍ يتهم الشيخ سالم بالخيانة والعمالة، خاصة وهو ابن الشيخ عليّ الهِرش الفدائي المناضل ضد الإنجليز في سابق العهد، لكن ما كان يجهله الجميع -المؤيد والمعارض- أن الأمر برمته كان يتم تحت أعين المخابرات العامة المصرية في سرية تامة متمثلة في الضابط محمد اليماني ابن قبيلة البياضية البار؛ والذي تولى العديد من عمليات الاستنزاف في قلب سيناء بمعاونة الشيخ سالم أيضًا!
سار كل شيء على ما يرام أمام الحكومة الإسرائيلية في ذلك الوقت، للدرجة التي أقنعت رئيسة الوزراء جولدا مائير ووزير الدفاع موشى ديان بقرب نجاحهم في تحقيق ذلك الهدف، ومع الاعتراف بسيناء كدولة مستقلة عن الحكومة المصرية يصبح من اليسير عليهم الانفراد بها.
وفي قلب صحراء سيناء وتحت رعاية حكومة الاحتلال؛ انعقد مؤتمر الحسنة لإعلان تدويل سيناء واستقلالها عن مصر في يوم 31 أكتوبر 1968، اجتمع شيوخ القبائل وعلى رأسهم الشيخ سالم مع ممثلي الحكومة والجيش الإسرائيلي وعلى رأسهم جولدا مائير وموشى ديان؛ أمام حشد من مراسلي وكالات الأنباء العالمية لإعلان الخبر، استقبلت مائير الشيخ سالم بترحاب شديد وكذلك فعل ديان؛ الذي أفسح له مجلسًا بجواره، وما هي إلا لحظات وكان الحاكم العسكري الإسرائيلي لشمال سيناء يقدم الشيخ سالم الهِرش لإلقاء كلمته!
تحدث الشيخ سالم عن سيناء؛ الأرض التي ولد عليها ويتمنى أن يضمه ترابها حين يموت، واستدار يمازح الحاكم العسكري وموشى ديان وسأل هل بعد التدويل يمكنه وضع صورته على الجنيه السيناوي؟ ضحك الصهاينة على مزاحه بالطبع؛ لكن المؤتمر انقلب فجأة رأسًا على عقب؛ وهب ديان واقفًا ليطيح بالمنصة التي أمامه بضربة من قدمه، بينما خرجت مائير غاضبة ومن خلفها الحاكم العسكري والهتافات باسم مصر تعلو لتسجل فضيحة سياسية مدوية للحكومة الإسرائيلية!
كل ذلك حدث في لمح البصر حين تابع الشيخ سالم كلمته قائلًا: "سيناء مصرية، قطعة من أرض مصر ولا نرضى بديلاً عن مصر وما أنتم إلا احتلال.. نرفض التدويل وأمر سيناء في يد مصر.. سيناء مصرية مئة في المئة ولا نملك فيها شبرًا واحدًا يمكننا التفريط فيه".
وكما نجحت المخابرات المصرية في إحراج الصهاينة عالميًا في المؤتمر الذي أعدوا له؛ نجح اليماني في تنفيذ خطة تهريب الشيخ سالم إلى الأردن هو وأسرته عبر خليج العقبة، ليعيش هناك عدة سنوات ويعود إلى سيناء بعد نصر أكتوبر المجيد؛ ويمضي ما تبقى من حياته على أرضها ويدفن في ثراها كما تمنى دائمًا.
وبعد خمسين من السنوات؛ جددت الحكومة المصرية العرفان ببطولة الشيخ سالم الهِرش وكرموا اسمه في الندوة التثقيفية للقوات المسلحة في ذكرى تحرير سيناء الـ 36، لتقف السيدة سلوى الهِرش حفيدته وتقص على العالم أجمع بطولة جدها التي يتوارثوها جيلًا بعد جيل.
لم تكن ملحمة الهِرش واليماني مجرد عملية استخباراتية ناجحة، بل كانت إعلانًا صريحًا بأن السيادة على الأرض لا تُشترى بالوعود الزائفة، وأن رجال سيناء كسائر المصريين؛ هم حراس التاريخ الذين خيبوا آمال الكيان وأعادوا كتابة الحكاية بمداد من الكرامة المصرية الخالصة.
|