|
القاهرة 28 أبريل 2026 الساعة 01:14 م

تحقيق وإعداد: مصطفى علي عمار
"مشروعي الثقافي لم يكتمل بعد".. هكذا كان يردد الشاعر والناقد الكبير أشرف البولاقي في أيامه الأخيرة، وكأنه كان يستشعر دنوّ الأجل. وفي مساء الخميس (23 أبريل 2026)، فُجعت الأوساط الثقافية في مصر برحيل "ابن قنا" وحارس الوجدان الصعيدي، عن عمر ناهز 58 عامًا، بعد صراع قصير مع المرض، ليوارى الثرى في مسقط رأسه بقرية برديس التابعة لمحافظة سوهاج.
لم يكن البولاقي (المولود في أغسطس 1968) مجرد موظف على رأس إدارة الثقافة العامة بفرع قنا، بل كان "دينامو" لا يهدأ، ومثقفاً حقيقياً آمن بأن الفعل الثقافي يجب أن ينزل إلى الناس ولا ينتظر صعودهم إليه. على مدار عقدين، نحت الرجل اسمه كواحد من أهم الفاعلين في الهامش الثقافي، تاركاً خلفه إرثاً يربو على 30 كتاباً تنوعت بين الشعر، النقد، الدراسات الشعبية، وحتى السخرية.
من دواوينه التي شكلت بصمته "جسدي وأشياء تقلقني كثيراً" و"عارياً في انتظار المجاز"، وصولاً إلى مشروعه الأهم في توثيق التراث الشعبي "العدودة في صعيد مصر"، ظل البولاقي منحازاً لقنا وأهلها، يوثق لمبدعيها قبل أن يكتب عن نفسه. ورغم أنه ربما لم ينل حظه الأوفى من التكريم الرسمي في حياته، إلا أن غيابه ترك فراغاً كبيراً في المشهد الثقافي الجنوبي.
و"حاشا أن أؤذيك في كلمة". كانت هذه الجملة النبيلة هي التوقيع الأخير للبولاقي في رسالة بعث بها لأحد أصدقائه قبل رحيله بأيام. مات وفي قلبه حرصٌ بالغ على مشاعر الآخرين، تاركاً وراءه تساؤلات حول مصير مشروعه الذي لم يكتمل.
وتفتح مجلة "مصر المحروسة " ملفا تدعو فيه المهمتين بأدبه من الأدباء والمثقفين لنتعرف على رؤيتهم لمشروعه الإبداعي والنقدي.
-
ابتدر الكاتب الصحفي أسامة الألفي حديثه بلهجة يكسوها اللوم والعتاب، متسائلاً عن تلك "العادة" التي تلازم الوسط الثقافي في تذكر المبدعين بعد فوات الأوان.
يقول الألفي: «هل كان لزاماً أن يترجل فارسٌ مثل أشرف البولاقي عن جواد الحياة كي نحتفي به؟ وكم من فارس كلمة ترجل قبله ولم ندرك قيمته إلا حين صار ذكرى"؟.
ويرى الألفي أن تهميش المبدعين خلال حياتهم بات "ظاهرة مستشرية" في المشهد الثقافي المصري، إذ غالباً ما يُترك المبدع نهشاً لليأس والاكتئاب، حتى إذا ما رحل، انهمرت عليه أضواء التلميع وبكائيات التكريم، وهي حفاوة لو نال المبدع نصفها حياً لربما تغير مسار تجربته بالكامل. ويستدعي الألفي ذاكرة الفقد، مذكراً بحالات مشابهة لجمال حمدان الشاعر، وسيد الفيل، وفرج مجاهد، وصولاً إلى أشرف البولاقي الذي يبدو أن قدره كان تكرار هذه المأساة.
وعن علاقته الإنسانية بالراحل، يروي الألفي أنها بدأت وتوطدت عبر فضاءات التواصل الاجتماعي، ولم يجمعهما لقاء مباشر سوى مرة واحدة في ندوة أدبية بالقاهرة. وعن انطباعه الأول يقول: «وجدتُ فيه مثقفاً استثنائياً، لم يرتهن لشهادة أكاديمية، بل صقل نفسه بالقراءة الجادة والدرس العميق، مدفوعاً بموهبة فطرية وسليقة سليمة. هذه العصامية حوّلته إلى أديب موسوعي، تتنوع عطاءاته بين الشعر العمودي والتفعيلة وقصيدة النثر، فضلاً عن الدراسات الشعبية والنقد والرواية».
ورغم أن المرض أجبر الألفي على ملازمة البيت، إلا أن خيط التواصل مع البولاقي لم ينقطع، حيث ظل الراحل مساهماً بقصائده ورؤاه النقدية في صفحة "سماء عربية" التي كان يشرف عليها الألفي بجريدة "الزمان".
ويختتم الألفي شهادته برؤية نقدية لمفهوم التكريم، مؤكداً أن الوفاء الحقيقي للبولاقي ولأمثاله لا يكون عبر سرادقات التأبين أو الندوات العابرة، بل بـ إزالة جفوة التهميش بين الآلة الإعلامية وأدباء الأقاليم، الذين يظلون "مظاليم الأدب" رغم ثراء تجاربهم، فالتكريم الحقيقي هو أن يجد المبدع صوته مسموعاً وهو ما يزال قادراً على العطاء".
-
ويأخذ أطراف الحديث الشاعر عبد الرحيم الماسخ ويقول:
المرة الوحيدة، كان يدير اللقاء بمهارة، وكنت مدعواً إلى قنا من قبل إدارة الثقافة العامة بصفتي محاضراً مركزياً، فتوجه بي في الميعاد إلى فرشوط بدلاً من نجع حمادي تنازلاً عند رغبة الكبار منهم. تم استقبالي هناك بحفاوة لا تليق بتواضعي الأليف مما زاد في اضطرابي. لم يكن أشرف صديقاً لي، لكنني كنت مطالعاً لبعض كتاباته المتنوعة، وقد رأيتها وصفاً لحالة دائمة الصمود في محاولة لترسيخ مشروع لم يكتمل بعد. رغم ذلك، ربما خدمه الحظ أكثر منا، فعمله بقطاع الثقافة مهد له طريق النشر في كثير من الأحيان، وبقينا نحن نحمل مخطوطات كتبنا على ظهورنا وندور بها على الأبواب حتى تساقط جل ما نحمل في وحل لا نكاد نراه من شدة العتمة. رحم الله أشرف البولاقي موظفاً مخلصاً للثقافة وأديباً موسوعياً أو يكاد، ظل واقفاً على صخرة العروج بالنص، وإن لم يوفق إلى تمام النفاذ، فيكفيه تكرار المحاولات حتى النهاية.
-
وينتقل بنا الكاتب والناقد الصعيدي د. سليمان جاد شعيب، حزينًا على ما أصاب الساحة الأدبية لفقد البولاقي، فيقول:
برحيل الأديب والناقد والشاعر الكبير أشرف البولاقي - رحمه الله تعالى وطيب ثراه ومثواه - قد خسرت الساحة الثقافية والأدبية واحدًا من أبرز الوجوه التي لامست ما يدور في دهاليز الثقافة المصرية والعربية، وشاهدًا على العصر. ولطالما كانت جل كتاباته وجولاته الثقافية عن الواقع الثقافي بقضه وقضيضه، مدافعًا عن حقوق وتطلعات نظرائه من الأدباء والمثقفين، شاهرًا قلمه لا يخشى في الحق لومة لائم. وكم من مرات حاول ونادى بأعلى صوته من أجل إصلاح المنظومة الثقافية، وأن يجد المثقف المصري الرعاية وعين الاهتمام، وظل حتى رحيله حارسًا أمينًا على الصرح الثقافي السامق في قنا، يقابل من يرتاده بروح طيبة، ويغمره بالود والبشاشة والترحاب، حريصًا على توطيد الوشائج والصلات بينه وبين أصدقائه ومحبيه في ربوع مصر والوطن العربي. وليس هذا غريبًا عليه، فقد استطاع أن يجذب إليه العديد من الأصدقاء والصديقات في كل بلد يرتحل مسافرًا إليه، فلا يشعر أبدًا باغتراب أو وحشة. وليس أدل على ذلك من عشرات الآلاف التي نعته وتألمت لرحيله، وتكاد لا تصدق بأنه مات وفي ذمة ورحاب الله، وهو الذي أثرى حياتنا الثقافية والأدبية إبداعًا وتأليفًا وحضورًا أدبيًا وإنسانيًا يدركه القاصي والداني، في الأمسيات الثقافية وفي المؤتمرات والمحافل الفكرية في ربوع البلاد جنوبها وشمالها، حتى المناطق الحدودية من الوطن كان لها منه نصيب في زيارتها والكتابة عنها وعن طبيعتها ومعاناتها، وتسليط الضوء على أدبائها المهمشين.
-
يقول الأديب بهاء الدين حسن الذي وصفه بالرحال:
أشرف البولاقي من "بيتوتي" إلى رحّال، هل جربت واتصلت مرة بالشاعر أشرف البولاقي، وسألته: "إنت فين"؟
ربما لو كنت طرحت هذا السؤال على البولاقي منذ زمن مضى، لجاءت الإجابة: "في البيت".
فأشرف البولاقي الذي قضى أغلب سنوات عمره الفائتة بين عمله في الثقافة وبيته، منكباً على كتبه، غير أشرف البولاقي في الفترة الأخيرة من عمره، الذي دائماً ما تلقاه بحقيبة يده في الشارع، إما مسافراً أو عائداً من سفر.
فكنت إذا اتصلت به وسألته: "إنت فين؟"، يقول لك: "في مشوار".
قد يكون هذا المشوار في أسوان أو البحر الأحمر أو كفر الشيخ أو القاهرة، وربما يكون في قفط أو دشنا أو فرشوط أو نجع حمادي، حاملاً حقيبته التي هي بمثابة مكتبة متنقلة، للمشاركة في تكريم أو مناقشة أو ندوة، أو زيارة خاصة لبيت أحد أفراد قبيلة الشعر.
لم يعد أشرف البولاقي ذلك "البيتوتي" المحبوس بين الجدران والكتب، وتحول إلى رحّالة، دائماً على سفر، تعرفه الأرصفة والقطارات والمقاهي ومطاعم التيك أواي، وقاعات المنتديات والأمسيات ونوادي الأدب، ويحفظ مواعيد القطارات. تغير أشرف البولاقي بعد صدمة رحيل الشاعر الجنوبي محمود مغربي المفاجئ في 3 سبتمبر 2015. ربما جاء التغيير لوقفة وقفها البولاقي مع نفسه، أو لسؤال طرحه على نفسه، ذلك السؤال الذي يطرحه كل إنسان على نفسه عقب رحيل عزيز: لماذا كل هذه الصراعات؟
ومن هنا جاءت نقطة التحول في حياة البولاقي، فأحياناً تغير صدمة الموت الإنسان من حال إلى حال، وهذا غالباً هو ما جعل أشرف البولاقي يغير من طبائعه، وينظر إلى الناس والحياة بعين جديدة، عين المحبة، غير تلك العين الناقدة التي كان ينظر بها من قبل، والتي كانت سبباً في فرار الكثير من أفراد قبيلة الشعر من حوله، لا يحبون الاقتراب منه، والجلوس إليه، عملاً بمقولة: "يا نحلة لا تقرصيني ولا عاوز عسلك".
فبعد أن كان منكباً على ذاته وكتاباته، لا يجامل أو يصل الود، صار منفتحاً على الأصدقاء واصلاً للود، وتغير من شاعر حاد الطباع جاف التعامل، إلى شاعر ودود، يجامل الأصدقاء ويودهم، ويكتب عنهم ويتابع إصداراتهم، ولا مانع لديه من أن يذهب إلى أي مكان، وفي حقيبة يده بالونة، للمشاركة في تهنئة صديق بعيد ميلاده.
-
وترثيه أمل عبد الله عابد رئيسة نادي أدب قصر ثقافة قنا وتقول:
رحل الشاعر أشرف البولاقي… وبقي صوته
لم يكن مجرد شاعرٍ عابرٍ في دروب الكلمات، بل كان وطناً صغيراً يسكن الحروف، وقلباً نابضاً بالصدق كلما ضاقت الحياة واتسعت القصيدة. رحل الجسد، لكن صوته ما زال يتردد في زوايا الوجدان، كأن الحروف تأبى أن تفارق صاحبها.
أيها الراحل في صمتٍ موجع، كيف استطعت أن تترك كل هذا الحضور خلفك؟ كيف غادرت وتركت القصائد معلقة بين السماء والأرض، تبحث عنك في كل بيتٍ، وفي كل قافية؟ لقد كنت تُشبه الشعر حين يصدق، وتُشبه الحياة حين تفيض بالمعنى.
نم قرير العين، فقد تركت من بعدك أثراً لا يُمحى، وكلماتٍ لا تموت. سيذكرك كل من قرأ لك، وكل من شعر أن حرفك كان يربت على قلبه دون أن يراك.
رحمك الله رحمةً واسعة، وجعل شعرك نوراً يؤنس وحدتك، وجعل مقامك في عليين، حيث لا فراق ولا ألم، بل بقاءٌ يليق بمن عاش للكلمة ومات وفي قلبه قصيدة.
-
وعن حضوره في المشهد الثقافي يصفه د. إبراهيم عطية بالمثقف المنحاز لبيئته ويقول:
كانت علاقتي بالشاعر الراحل أشرف البولاقي علاقة رفاقٍ يسيرون على درب الثقافة، نناضل معاً في بيئاتنا من أجل الدفاع عن دور المثقف في مجتمعه. وبالفعل، حقق حضوراً لافتاً بدوره الذي لعبه في صعيد مصر، وترك بصماتٍ واضحة كمصباح ينير الأماكن المظلمة بدوره كناشط ثقافي يدرك مسؤوليته. وفجأة انطفأ النور، لكنه لم يغب؛ فالضوء ما زال وهّاجاً من سيرته التي يرددها الناس.
هكذا تبدو المفارقة التي تحيط بسيرته: حضورٌ إنساني وثقافي كثيف، يقاوم الغياب، ويستمر في الذاكرة بوصفه واحداً من الأصوات التي أعادت تعريف العلاقة بين المثقف وبيئته، بين الكلمة وأرضها الأولى.
لم يكن البولاقي مجرد كاتبٍ يدوّن، بل كان فاعلاً ثقافياً بالمعنى الحيّ للكلمة. انحاز إلى الهامش، لا بوصفه موضوعاً للكتابة فقط، بل بوصفه موقعاً للوجود والمقاومة. في صعيد مصر، حيث تتشابك التقاليد مع التحولات، وتتعالق الذاكرة الجمعية مع أسئلة الحاضر، كان صوته يشتبك مع الواقع دون مواربة، كاشفاً طبقات الصمت، ومحرّضاً على التفكير.
تميّز مشروعه الثقافي بقدرة لافتة على الجمع بين الحسّ الإنساني العميق والوعي النقدي. لم يسعَ إلى التزيين البلاغي بقدر ما كان منشغلاً بصدق التجربة، ولذلك جاءت كتاباته مشحونة بطاقة شعورية عالية، لكنها في الوقت ذاته واعية ببنيتها، حريصة على مساءلة اللغة نفسها. كان يرى في الكتابة فعلاً أخلاقياً لا ينفصل عن مسؤولية المثقف تجاه مجتمعه.
وفي سياق المشهد الثقافي في الصعيد، لعب البولاقي دوراً يتجاوز حدود النصوص إلى فضاء الفعل الثقافي المباشر. أسهم في تنشيط الحراك الأدبي، وفتح مساحات للحوار، واحتضان الأصوات الجديدة. لم يكن نجماً معزولاً، بل كان جزءاً من شبكة إنسانية وثقافية، يمدّها بالحيوية، ويمنحها شرعية الاستمرار.
لقد شكّل حضوره نوعاً من "الضمير الثقافي" المحلي، الذي يراقب وينتقد ويقترح. ومع رحيله، لا يخسر المشهد الثقافي كاتباً فحسب، بل يخسر طاقةً محركة كانت تدفع بالأسئلة إلى الأمام، وتعيد صياغة العلاقة بين المركز والهامش، بين الرسمي والهامشي، بين الثقافة بوصفها سلطة، والثقافة بوصفها فعل تحرر.
-
ويرثيه الشاعر نبيل الهواري قائلا:
فقد الوسط الثقافي وخسر شاعراً وأديباً كبيراً، كان مشروعاً ثقافياً وحده، وواجهة ثقافية ثرية. هل أكتب عن أشرف الأديب أم أشرف الإنسان؟ يكفي أنه عاش بسيطاً ومات بسيطاً، لم يؤذِ إنساناً، وكان الحب ديدنه. إن كتب شعراً تدفقت الأحاسيس من حناياه، وإن كتب سرداً أبدع وأقنع، وعشتَ في جوٍّ وعالم سحري، أكاد أقول إنه الثقافة المتكاملة. وكانت أياديه البيضاء على الصغير والكبير.
رحل أشرف البولاقي وترك للمكتبة العربية إرثاً ثقافياً استثنائياً ما بين شعر وسرد. لقد حزنت عليه كما حزن عليه الكثيرون من محبيه، وأكاد أشك أن يملأ مكانه أحد، فلقد كان متفرداً في طرحه، متمكناً من أدواته، واعياً لما يقول، مؤمناً بقضاياه ومدافعاً عنها بكل ما يملك. لم يغره منصب أو مكان، ولم يطمع في شيء وإن كان جديراً به عن استحقاق، بل هو الذي سيطر بأدبه وثقافته وفرض نفسه على الأماكن والمحافل الأدبية، بشهادة الجميع.
هل حقاً كنت سترحل
دون وداع
أم أنك غبت سريعاً
ورحلت بصمت الشرفاءْ؟
صفحتك اليوم على غير العادة بيضاءْ
أم أنك نمت ولم تكتب
حتى ولو كذباً؟
يا صاح سلاماً
يا أشرف هل هذي أخلاق الفرسانْ؟
أعلم أنك فارس هذا الميدانْ
فلماذا تحرمنا من صولاتك
من جولاتك
من هذا الإنسانْ؟
منذ قليل كنا نشرب شاياً
عند محطتنا
ــ أعرف أنك لا تعشق طعم القهوة ــ
لم أنسَ بأنك تحفظ
كل مواعيد الرحلات
ولكن قطار العودة جاء سريعاً
جداً جداً أسرع مما قدرنا
لقراءة هذي الضحكة
أو شرب الشاي
وكوبك ممتلئ ما زال بكل الخيرات
فاهنأ يا صاح بعيداً
إني أعجز أن أكتب
وأقول: سلام
دون لقاء آخر تفتح فيه حقيبتك
وتخرج منها بعض الحلوى
أو تفتح باباً للإبداع
لتخرس بعض الحمقى
لا ترحل يا صاح
فماذا سأكتب في العنوان؟
هل أكتب كان جميلاً
كان شجاعاً
أو أعظم فنان؟
لكني سأقول: سلام وسلام
لك مني ألف سلام
-
وينتقل بنا إلى جانب أخر الكاتب إمبارك إبراهيم القليعي ويحدثنا عن البولاقي الشاعر الإنسان فيقول:
هو واحد من شعراء قنا الكبار، ونستطيع أن نقول إنه الشاعر المتفاني في عمله، صاحب قلب كان يتسع للجميع. لم يُبدِ يوماً ضيقاً أو قلقاً من نقاش، سواء كان هو على حق فيه أو على غير ذلك. أشرف البولاقي هو ما كنا نطلق عليه "سيبويه قنا"، لأنه كان كذلك؛ لا يضاهيه إلا القليل، لكنه هو كان الأبرز والأكثر قدرة وفهماً لعالم النحو والصرف.
كان شاعراً صاحب قدرات هائلة على كتابة القصيدة العمودية، متمكناً منها، فستكون خاسراً إذا ما حاولت أن تبحث فيها عن خطأ نحوي كان أو عروضي. ثم اتجه إلى كتابة الشعر الحر أو ما يسمى بقصيدة التفعيلة، وقد أبدع فيها، وقصيدة "هند" كانت من أجمل وأبدع ما كتب أشرف البولاقي. ثم كتب قصيدة النثر بحرفية كبيرة، كما أن له إسهامات كبيرة في البحث الأدبي والنقد.
أشرف البولاقي الشاعر والناقد والباحث هو الواضح وضوح الشمس عند إبداء رأي له في عمل ما لأي مبدع، سواء كان مبدعاً متحققاً أو ما زال في بداياته. لا يهاب أحداً في رأيه، حتى وإن كان متحاملاً أو مادحاً، صاحب آراء صادمة.
-
وعن تأثيره في الصعيد يقول شاعر قوص عبد الله الهواري:
البولاقي داعم الثقافة في إقليم جنوب الصعيد الثقافي، كان الفقيد صديقا وأخا عزيزا.
عرفته مذ عرفت طريق الاحتراف، بعد أن وجهني الخال الراحل الأبنودي، الأب الروحي لي، وأصرّ على أن لا بد أن أحترف، وقدمني لكل المحافل الكبرى في قنا والقاهرة، وراجع دواويني.
ويرثيه بقصيدة فيقول:
هنا وهناك..
غصنٍ اتموج في الغنا
فـيرسم.. حضور الغياب
يبدر اغانيه
فيقرر خلود ف الكتاب
ولاشيء يمحيه
ولا انت اللّي عديت
ف دنيا تكفيك
لنسمة شوق تتمشى فيك
و لا تجافيك
وتوضّيك
يا الغالي
ولاغيرك فيك
اللّي خرج براك منك
سافر لآخر الموال
ما يشبهك قوال
موتك:هوحياتك
جهاتك
آخرك أولك
عزيز والدمع غالى
عليك لأنك الأكتر حنين
لصوتك
وتمشي يشبهك سكوتك
تحسّ إن الخلايق
ماتت بموتك
اشجارك
ضل ضعيف
ونقصك الأكمل
تتحول إلى الأجمل
تحنّ لحنينك وتحنانك
لأرضٍ لسة شايلة مكانك
تميلّ اغصانها يمّك
تلمّك
تصرخ . ب فمّك
أغانيها
حزنها وافي
-
وفي محبة البولاقي يرثيه الشاعر عبد الرحمن محمد أحمد بقصيدة وفيها إشارة لمعظم جوانب حياته ..
في محبة البولاقي
خالص
عزائي
للشعر في بلدنا
والفن والإبداع
للعلم والتفكير
اللي انطفى
كان
جدع
فارس طويل الباع
كان شعره ثورة قلب
يشبه رصاصة وفاس
رصاصة تقتل جهل
وناقوس يصحي الناس
لا عنه
ضلت شمس
ولا عنده
صهلل ليل
ولا شفته
أسرج خيل
لباغي
أو خنّاس
عربي
بليغ اللغة
أديب
فصيح البيان
في المحنة
ضهر وسند
في اليسر
صاحب ورد
خبير
في علم النقد
شرب التراث
واتملا
بحضارة الإنسان
وياما كات رؤيته
يترد ليها ميزان
حين قالوا
عنا رحل
قلوب ثقافة
اتغمت
على ضي
كان لها جيش
وفي نيلها
عاش بستان.
|