|
القاهرة 28 أبريل 2026 الساعة 01:14 م

كتبت: أميرة السمني
في كتابه "حكايات للتفكير"، الذي صدرت ترجمته عن المركز القومي للترجمة، يروي الكاتب والطبيب النفسي الأرجنتيني خورخي بوكاي حكايات رمزية تمتاز بأسلوب أدبي أنيق وبسيط، ورغم بساطتها الظاهرية، إلا أنها عميقة المعنى. من ضمن تلك الحكايات حكاية بعنوان "الحزن والغضب". يقدم خورخي الغضب والحزن كشخصين ذهبا إلى بحيرة سحرية، وخلع كل منهما ثوبه على الشاطىء ثم نزلا للسباحة. سرعان ما يمل الغضب وبطبيعته المندفعة المتعجلة دومًا لا يلاحظ الاختلاف بين ثوبه وثوب الحزن فيرتديه على عجل وينصرف.
أما الحزن بطبيعته المتمهلة فيصل إلى الشاطىء متأخرًا ببطء وكسل فلا يجد أمامه إلا رداء الغضب، فيرتديه لأنه لا يحب أن يراه أحد عاريًا. ومنذ ذلك الحين، كثيرًا ما قد نرى الغضب فلا نتعرف على حقيقته ولا ندرك أن جوهره هو الحزن ولكنه يختبئ وراء قناع.
يعجبني وصف بوكاي للحزن بأنه متباطئ يخرج على مهل، ولو كنت مكانه لقلت عنه أنه مراوغ أيضًا، فهو لا يكتفي بقناع الغضب فحسب، بل يرتدى أربعة أقنعة أخرى، أو قل: مراحل، كما تسميها إليزابيث كوبلر روس. وفقًا لنموذج إليزابيث كوبلر روس الخاص بالحزن، فإن الإنسان حين يمر بفقد أو خسارة ما يعبر عن حزنه من خلال خمس مراحل، وهي لا تخضع لترتيب معين، فربما يمر الإنسان بمرحلة ثم يعود إليها ثانية، وربما لا يمر بجميع المراحل.
المرحلة الأولى هي الإنكار، وفيها لا يستطيع الإنسان تقبل خسارته، وعندما يبدأ في تقبل حقيقة الفقد ويتساءل "لماذا وكيف" تبدأ مشاعره التي إنكارها بالظهور. والمرحلة الثانية هي الغضب، وفيها قد يشعر الإنسان بالغضب من نفسه في صورة إحساس بالذنب أو من الآخرين أو القدر والحياة. يمكن أن يكون الغضب غير منطقي، وهو يخبّئ تحته الألم وكل المشاعر التي لا يستطيع الشخص التعامل معها في هذا الوقت، كما يعكس مدى الحب الذي نكنه لمن فقدناه. في هذه المرحلة قد يشعر المرء بالعزلة لأن من حوله لا يتفهمون ما يشعر به وبالتالي قد يكبت شعوره بالغضب ولا يعبر عنه، غير أن روس ترى أنه من الأفضل أن لا نعبّئ الغضب بداخلنا بل أن نتفهمه وأن نشارك مشاعرنا مع من يهتمون بأمرنا ونبحث عن سبل لإخراج الشعور بالغضب من داخلنا دون أن نتسبب في أذى لأنفسنا أو الآخرين، ربما كان هذا بطرق بسيطة كالمشي أو ممارسة الرياضة.
المرحلة الثالثة هي المساومة، وفيها يدخل الإنسان متاهة "لو أن"، لو أنني فعلت كذا، لكان كذا، ويتمنى لو كان بوسعه فعل أي شيء لإيقاف ما يشعر به من ألم. المرحلة الرابعة هي الاكتئاب، وتنوه روس أن هذا الشعور ليس اكتئابًا مرضيًا وإنما شعور طبيعي لخسارة كبيرة، وفيها ينسحب الإنسان من الحياة ويشعر بالحزن العميق، ويشعر أن الحياة لا جدوى لها، ربما يبدو النهوض من الفراش أمرًا شاقًا كصعود الجبل. وتقول روس إن علينا أن نتقبل شعورنا بالحزن وألا نهرب منه أو نشعر أنه شعور خاطئ يجب إصلاحه على الفور. المرحلة الخامسة هي التقبل، وهي لا تعني أن نشعر أن كل شئ أصبح على ما يرام وأن الخسارة لا تعنى لنا شيئًا ولكنها تعني تقبل الواقع والتعايش معه ومن ثم الوصول إلى الشفاء.
وهكذا عزيري القارئ دعتني حكاية بوكاي للتفكير فطافت بذاكرتي مواقف عديدة ارتدى فيها الحزن رداء الغضب، عرفته في بعضها وأتقن الاختباء في بعض. ثم أوصلتني إلى نموذج ا?ليزابيث كوبلر روس الذي يقدم لنا فهمًا ا?عمق لنتحلى بنظرة ا?كثر تقبلًا وتعاطفًا مع أنفسنا والآخرين.
|