|
القاهرة 25 أبريل 2026 الساعة 10:30 م

بقلم؛ د. ياسر بطيخ
اعتدت أن أدخل يومياً إلى حسابي على فيسبوك لأتصفح ما يكتبه بعض من أعدّهم أساتذتي ومعلّميّ، أولئك الذين أجد فيما يطرحونه من أفكار وكتابات ما يحرّك في ذهني سؤالاً أو يفتح أمامي باباً لم أكن أراه. وقد كان أشرف البولاقي أحد أبرز هؤلاء، صفحته لم تكن مجرد حساب على منصة تواصل، بل كانت أشبه بورشة تفكير مفتوحة، تدخل إليها فتجد سؤالاً ينتظرك أو فكرة تقلب لك ما كنت تظنه مستقراً.
ثم جاء ذلك اليوم الذي دخلت فيه كعادتي فوجدت الخبر الذي لم أكن أنتظره: رحل أشرف البولاقي.. وفجأة صار الحساب الذي كنت أتوقف عنده كل يوم صامتاً صمتاً من ذلك النوع الذي لا تدركه إلا حين تفقد صوتاً كنت تعرف أنه موجود فلا تجده.
غاب البولاقي بالطريقة نفسها التي عاش بها: دون صخب ودون استعراض، تاركاً كتباً وأسئلة ومساحة خالية لن يملأها أحد بالضبط كما كان يملؤها هو.
كان شاعراً يعرف أن اللغة أخطر من أن تكون زينة، وروائياً يسرد لا ليحكي فحسب، بل ليكشف ما نتواطأ جميعاً على تجاهله، وأديباً جعل الكتابة سؤالاً مفتوحاً لا إجابة مغلقة، ومفكراً لم يكن يرتاح لأي يقين حتى يسأله أولاً من أين جاء وكيف تحوّل إلى بداهة لا تُمسّ.
لم يكن يبحث عن خصومة مع أحد ولا عن معركة يُعرف بها، بل كان يشتغل بهدوء من يحفر في طبقات الوعي بأصابع صبورة، لا ليهدم، بل ليُري الناس من أي مادة بُنيت الجدران التي يظنونها أزلية.
وكان من ذلك الطراز النادر الذي يجمع بين حساسية الشاعر وصرامة الباحث، فتقرأ له فتشعر أن الفكرة العميقة لا يلزمها أن تكون جافة، وأن الجرأة لا تعني الفظاظة، وأن في الإمكان أن تكون قريباً من القارئ وأنت تأخذه إلى مناطق بعيدة لم يألفها. كتاباته كانت تتنفس، فيها نبض إنسان حقيقي يفكر بصوت مسموع ولا يتظاهر بأنه وصل إلى مكان لم يصل إليه.
واليوم حين أعود إلى ما تركه، أدرك أن هذا المشروع كان لا يزال ينمو ويتفتّح، وأن الموت قطع خيطاً كان صاحبه يغزله بعناية. لكن ما أنجزه يكفي ليبقى ويُقرأ ويُعاد إليه، لأنه من النوع الذي لا تستنفده قراءة واحدة ولا ينتهي بانتهاء صاحبه. وفي هذا المقال أحاول مجرد محاولة لقراءة مشروعه الفكري قراءة تليق بجديته ولا تختزله، أتتبع فيها خيوط اشتغاله ومنطلقاته ومنهجه وأدواته، لا من باب الرثاء الذي يكتفي بالمديح، بل من باب الإنصاف الذي يأخذ الفكر مأخذ الجد ويضعه في موضعه الحقيقي من خريطة الاشتغال النقدي العربي المعاصر.
لقد ترك البولاقي – رحمه الله - وراءه مشروعاً فكرياً لا يُختزل في كتاب واحد ولا ينحصر في قضية بعينها، بل يمتد على مساحة واسعة من الأسئلة التي تمس جوهر العلاقة بين الإنسان العربي، ونصوصه، ولغته، وتراثه.
والمتأمل في مسيرة هذا المفكر يدرك أن دخوله إلى ميدان نقد الفكر الديني لم يكن اندفاعاً فجائياً ولا انحيازاً أيديولوجياً مسبقاً، بل جاء من مسار أوسع ينتمي إلى ما يمكن تسميته بالوعي النقدي التنويري، حيث تتقدم الأسئلة قبل الإجابات وتُعامَل المسلّمات بوصفها موضوعاً للفحص لا أساساً نهائياً للفهم. وقد تجلى هذا المسار في انشغاله المبكر بمفهوم النص ذاته، لا من زاوية دينية ضيقة، بل من حيث كونه محوراً بنيوياً تدور حوله الثقافة العربية برمّتها.
ففي كتابه "حضارة النص ونص الحضارة" حاول أن يفهم كيف تشكّلت مركزية النص في الوجدان العربي وكيف تحولت هذه المركزية بمرور الزمن إلى إطار صلب يحكم طرائق التفكير ويرسم حدود الممكن والمقبول فيه. وهذا المدخل يكشف أن انتقاله لاحقاً إلى النص الديني لم يكن انتقالاً من خارج الحقل، بل من داخله، عبر تفكيك الفكرة التي تجعل النص سلطة مهيمنة على الوعي.
ومن هذه النقطة التأسيسية اتجه البولاقي نحو النص الديني تحديداً بوصفه أكثر النصوص تأثيراً وأشدها حساسية، غير أنه لم يتعامل معه تعاملاً لاهوتياً تقليدياً ولم يتخذ منه موقف الخصم، بل قرأه بوصفه ظاهرة ثقافية وتاريخية تتشابك فيها خيوط اللغة بالسلطة ويتداخل فيها التأويل مع المصالح.
وقد تمحور اشتغاله حول ثلاثة مسارات متداخلة: تحليل مركزية النص وما يترتب عليها من هيمنة على أنماط التفكير، ومساءلة العلاقة بين اللغة والقداسة حيث رأى أن تقديس العربية تحوّل إلى آلية تحصّن الخطاب من النقد وتمنحه حصانة تمنع الاقتراب منه بأدوات العقل، وتفكيك آليات التلقي التي تحوّل التأويل إلى يقين مغلق، إذ نبّه إلى أن العلة لا تكمن دائماً في النص نفسه بل في البنية الذهنية التي تستقبله وتعيد إنتاجه في صورة حقائق مطلقة، حيث تلعب عوامل كالخوف من الاتهام وسلطة الجماعة دوراً حاسماً في تثبيت القراءات المغلقة. وهذه المسارات مجتمعة لم تكن معارضة للدين بقدر ما كانت محاولة لإعادة التفكير في كيفية فهمه وممارسته داخل الواقع.
ولم يكن هذا الاشتغال معزولاً عن سياقه الفكري، إذ تأثر البولاقي بمشاريع تنويرية سابقة كأعمال نصر حامد أبو زيد، لكنه لم يكتفِ باستعادة أسئلتها، بل أعاد طرحها ضمن واقع معاصر يراعي خصوصية السياق المصري والعربي. وهذا ما يفسر ربطه الدائم بين المفاهيم الدينية والظواهر المعاصرة في السياسة وبنية المجتمع وثقافة العنف والتمييز، إذ كان يرى أن الخطاب الديني لا يعمل في فراغ، بل يتغلغل في تفاصيل الحياة ويتحول إلى قوة فاعلة في تشكيل السلوك والتصور.
وقد توزّع هذا المشروع على أعمال تختلف في كثافتها ووظيفتها لكنها تلتقي في منبعها وغايتها. ففي صدارتها يأتي كتاب "المقدس والإنساني: اللغة والنبوة والقرآن" الصادر عام 2025، وهو ذروة نضجه الفكري التي تتكثف فيها أسئلته الكبرى وينتقل فيها من تفسير النص إلى تحليل الشروط التي تجعل التفسير ممكناً أصلاً، فلا يناقش النص بوصفه نصاً فحسب، بل بوصفه حدثاً لغوياً وتاريخياً محاطاً بطبقات من التصورات التي تراكمت حتى صارت جزءاً من بنيته المتخيّلة.
أما "حوار مع صديقي المؤمن: القرآن وأسئلة التلقي والتأويل" فيشتغل على العلاقة الحية بين النص والقارئ مستخدماً الحوار وسيلةً لنقل النقاش من فضاء التنظير إلى التجربة اليومية للفهم، فلا يضع نفسه في موقع من يمتلك الحقيقة، بل يبني مساحة تكشف أن ما يبدو يقيناً هو في الحقيقة نتاج مسار من الاختيارات والتأثيرات.
وفي حين يبقى "حضارة النص ونص الحضارة" المدخل التأسيسي الذي يكشف خلفيته النظرية، فإن "العلمانية وهموم المجتمع المدني" يمثل امتداداً تطبيقياً يختبر فيه أفكاره داخل واقع تتشابك فيه المرجعيات، ويأتي "حديث في الدين والجنس والأدب والسياسة" ليتتبع امتدادات الخطاب الديني في الحياة اليومية.
أما دراسته حول الخطاب الأشعري فتبرز أدواته في أجلى صورها، إذ كشف فيها أن مفاهيم كالإجماع والوحي في علاقته بالسنة ليست معطيات دينية خالصة، بل نتاج صراعات فكرية وسلطوية محددة.
وإذا جُمعت هذه الأعمال في مسار واحد تبيّن أن "المقدس والإنساني" يمثل نقطة تلاقٍ تتكامل فيها خبراته السابقة، بينما تبدو بقية الأعمال تمهيداً لهذه المرحلة أو امتداداً لها في اتجاهات مختلفة.
ولعل ما يمنح هذا المشروع تماسكه هو منهجه الذي لا يتحدد في قالب نظري صارم، بل يتكشّف من طريقة الاشتغال نفسها. وهو في جوهره منهج كشفي لا إدانة فيه ولا دفاع، يقوم على العودة إلى البنى العميقة للمفاهيم بدل الاكتفاء بمظاهرها، فكان يميل إلى العمل في الطبقات التحتية للفكر حيث تتحدد إمكانيات الفهم وحدوده.
ولذلك تجده حين يناقش قداسة اللغة لا يقول ببساطة إن الفكرة خاطئة ويستبدلها بأخرى، بل يتتبع كيف نشأت وكيف تحولت إلى مسلّمة وما ترتب عليها من آثار، وحين يحلل الخطاب الأشعري لا يسعى إلى استبداله بنسق جاهز، بل إلى إظهار البنية التي أنتجته والظروف التي منحته ثقله، فيضع القارئ أمام تعددية في الفهم بدل نتيجة واحدة مغلقة.
وعلى مستوى الأدوات، اعتمد على شبكة من الآليات المتداخلة: التفكيك المفهومي الذي يعيد مفاهيم كالقداسة والوحي والإجماع إلى سياقاتها التاريخية، وتحليل اللغة بوصفها حاملاً للهيمنة الرمزية لا وعاءً محايداً، وتفكيك عملية التلقي بتحويل النظر من النص إلى القارئ ومن المعنى المفترض إلى شروط إنتاجه، والربط السياقي الذي يعيد الأفكار إلى واقعها الاجتماعي والسياسي فتتحول إلى أدوات لفهم هذا الواقع لا مجرد موضوعات نظرية.
ولم يكن يكتب من موقع الإملاء، بل من موقع يفتح المجال لتعدد الأصوات ويستدعي مشاريع أخرى ويدخل معها في حوار أحياناً بالموافقة وأحياناً بالمراجعة، كما اختار التبسيط الواعي بوصفه آلية مقصودة لا تنازلاً، جزءاً من رؤية ترى أن الفكر لا يكتمل إلا إذا خرج من دوائر النخبة إلى المجال العام.
غير أنه رغم هذا الانفتاح المنهجي لا يمكن القول إنه كان بلا اتجاه، فقد كان هناك ميل واضح لديه نحو أفق تنويري يقوم على تحرير العقل من المسلّمات غير المفحوصة وإعادة ربط الفكر الديني بالسياق الإنساني والتاريخي.
لكن هذا الميل لم يتحول عنده إلى عقيدة صارمة، ويمكن القول إنه كان يعرف اتجاهاً أكثر مما يعرف حقيقة، اتجاهاً ينحاز إلى السؤال المفتوح لا إلى الجواب النهائي.
ولذلك يبدو مشروعه في مجمله أقرب إلى رحلة بحث مستمرة منه إلى بيان ختامي، فهو لا يقدم حقيقة بديلة بقدر ما يعيد ترتيب العلاقة مع الحقيقة نفسها بحيث لا تعود شيئاً يُسلَّم به، بل شيئاً يُعاد التفكير فيه باستمرار. وقد نجح في تحقيق توازن نادر بين عمق الطرح وبساطة التعبير وبين الصرامة المنهجية والانفتاح الحواري، فجعل من قراءة التراث وفهم المقدس تجربة واعية تضع الإنسان في قلب العملية المعرفية وتعيد صياغة علاقته بالنص واللغة والتاريخ، دون أن يسقط مشروعه في يقين بديل يحلّ محل الخطابات التي ظل يفككها طوال مسيرته.
وبعد هذه الجولة في مشروع أشرف البولاقي الفكري يبقى أن نقول إن الرجل قد رحل لكنه لم يغب، فقد ترك وراءه ما هو أبقى من الحضور الجسدي: ترك أسئلة حيّة تتنفس في صفحات كتبه وتمشي بين سطوره، أسئلة لا تهدأ ولا تستكين ولا ترضى بالإجابات الجاهزة، وهي بطبيعتها أسئلة لا يُسكتها غياب صاحبها بل تزداد إلحاحاً كلما ازداد الواقع حاجةً إلى من يجرؤ على طرحها.
لقد أدرك البولاقي مبكراً أن المعركة الحقيقية ليست مع نصٍّ بعينه ولا مع خطاب بذاته، بل مع تلك البنية الذهنية العميقة التي تحوّل التأويل إلى حقيقة مطلقة وتجعل من السؤال تهمة ومن الشك خيانة، فاختار أن يحفر بهدوء في طبقات الوعي العربي لا ليهدم ما بناه الآخرون بل ليكشف لهم الأساسات التي وقفوا عليها دون أن يتأملوها، وليقول لهم إن النظر فيما تحت الأقدام ليس ضعفاً بل هو الشرط الأول لأي خطوة واثقة إلى الأمام.
ولعل أصدق ما يمكن أن يُقال في حق هذا الرجل أنه لم يكن يبحث عن أتباع ولم يكن يؤسس لمذهب ولم يكن يسعى إلى أن يُقال عنه إنه صاحب الكلمة الأخيرة في أي قضية، بل كان يريد شيئاً أبسط من ذلك وأصعب منه في آن واحد: أن يتعلم الإنسان العربي كيف يفكر بنفسه لا كيف يردد ما فكّر فيه غيره، وأن يُعيد النظر في علاقته بنصوصه ولغته وتراثه لا من موقع العداء ولا من موقع التسليم بل من موقع الفهم الحر الذي لا يخشى السؤال ولا يستعجل الجواب.
وقد أدّى هذا الدور بأناقة فكرية نادرة جمعت بين عمق الباحث ورهافة الأديب وصبر المعلم الذي يعرف أن التنوير لا يكون بالصدام بل بالكشف، ولا يكون بالإسقاط بل بالتمكين.
رحم الله أشرف البولاقي رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته، فقد كان من أولئك الذين يغادرون الدنيا وهم أخف ما يكونون حملاً على الناس وأثقل ما يكونون أثراً في العقول. رحل وترك لنا مشروعاً لم يكتمل لكنه اكتمل بما يكفي ليكون مرجعاً ومنطلقاً، ورحل وترك لنا دعوة صامتة لأن نكمل ما بدأه لا بتكرار أسئلته بل بطرح أسئلتنا نحن بالجرأة ذاتها والصدق ذاته والتواضع ذاته أمام ما لا نعرفه.
وليس أقل ما يستحقه هذا الرجل من وفاء أن تُقرأ كتبه قراءة جادة لا قراءة رثاء، وأن يُعامَل فكره بالمعيار الذي كان هو نفسه يعامل به كل فكر: أن يُفحص ويُسأل ويُحاور، لا أن يُحنّط في إطار المديح ويوضع على رفّ التقديس الذي قضى عمره يحذّر منه.
|