|
القاهرة 25 أبريل 2026 الساعة 02:18 م

بقلم: محمد خضير
في لحظة بدت فيها الجغرافيا وكأنها تُعاد قراءتها بمنطق مجددا، جاءت رسالة الدكتورة جيهان زكى وزيرة الثقافة، إلى أهالي شلاتين كإعلان نوايا حقيقي، يعيد طرح سؤال مهم متجدد: هل يمكن للثقافة أن تكون أداة للعدالة؟
في السنوات الأخيرة، لم يعد الحديث عن العدالة مقتصرًا على الاقتصاد أو الخدمات الأساسية، بل امتد ليشمل ما يمكن تسميته بـ"العدالة الثقافية"، أي حق كل مواطن -أينما كان- في الوصول إلى المعرفة، والفن، والوعي.. وهنا تكتسب شلاتين، بوصفها واحدة من أطراف الخريطة، قيمة رمزية تتجاوز حدودها الجغرافية، لتصبح اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على تحقيق هذا المفهوم.
كما جاءت رسالة الدكتورة جيهان زكي، مهمة وحملت بين سطورها هذا الوعي؛ وعي بأن الثقافة ضرورة تنموية يجب أن تتحرك نحو الأطراف وتواصل مسيرتها.. ومن هنا، بالإضافة إلى أن الحديث عن "مسرح متنقل" أو "سينما متنقلة" يعد تعبيرًا عن فلسفة جديدة، تسعى إلى كسر مركزية الثقافة، ونقلها من حالة الانتظار إلى حالة الفعل.
اللافت في رسالة وزيرة الثقافة لأهالينا بمدينة شلاتين أنها لم تكتفِ بالتأكيد على تنفيذ التوجيهات الرئاسية، بل حاول أن يمنح هذه التوجيهات بُعدًا إنسانيًا، من خلال لغة قريبة من الناس، تستدعي مفردات الانتماء والهوية والتراث.. فحين تُخاطَب القبائل والعواقل بهذه الروح، يصبح الخطاب الثقافي شريكًا في بناء الثقة.
كما أن وزارة الثقافة تعلم التحدي الحقيقي لا يكمن في إطلاق المبادرات، بل في استدامتها. فالوحدات المتنقلة، مهما بلغت كفاءتها، تحتاج إلى رؤية طويلة المدى تضمن تحولها من حلول مؤقتة إلى جسور دائمة بين المركز والأطراف.. كما أن الرهان على الأطفال والشباب، بوصفهم هدفًا رئيسيًا لهذه البرامج، يفتح الباب أمام سؤال آخر: كيف يمكن تحويل التلقي الثقافي إلى فعل إبداعي يعبّر عن خصوصية هذه المناطق؟.
كما أن الحديث عن إطلاق تطبيق محلي لتنظيم الخدمات الثقافية يعكس محاولة جادة لمواكبة العصر، لكنه يطرح في الوقت ذاته ضرورة مراعاة الفروق الرقمية، وضمان أن تكون هذه الأدوات في متناول الجميع، لا أن تتحول إلى عائق جديد أمام الفئات الأكثر احتياجًا.. في جوهرها، تكشف هذه الرسالة عن إدراك متزايد بأن الثقافة يمكن أن تلعب دورًا محوريًا في تعزيز الانتماء الوطني، خاصة في المناطق الحدودية.. فحين يشعر المواطن أن الثقافة لا تصل إليه فقط بالخدمات الثقافية إلى العاصمة، بل أيضًا بالفكر والفن، تتعمق علاقته بالمكان، ويزيد الانتماء وتصبح الثقافة ممارسة وخدمة يومية.
وهنا نرى عزيزي القارئ أن "شلاتين" في أجندة وزيرة، ومرآة تعكس تحولات أوسع في فهم دور وزارة الثقافة داخل الدولة.. ومع استمرار هذه الرؤية وتتطورها، فقد نشهد تحولًا حقيقيًا، تصبح فيه الثقافة أحد أعمدة العدالة الثقافية المصرية.
وأخيرا وليس بآخر، تبقى القيمة الحقيقية لأي خطاب -مهما كان بليغًا- في قدرته على التحول إلى واقع، فالثقافة التي لا تصل، لا تغيّر، والوعود التي لا تُنفَّذ، تفقد معناها.. أما حين تلتقي الرؤية بالفعل، فهنا فقط يمكن القول أن الطريق إلى العدالة يستكمل محطاته.. من شلاتين.
|