|
القاهرة 23 أبريل 2026 الساعة 03:24 م

بقلم| د. سارة صلاح شطا
عندما نشاهد عرضا مسرحيا، فإن أول ما يلفت أنظارنا هو الأزياء التي يرتديها الممثلون على خشبة المسرح. لكن هناك نوع خاص من الأزياء يتجاوز كونه مجرد ملابس، ليتحول إلى أعمال نحتية حقيقية تتفاعل مع حركة الجسد وتصنع عالماً بصرياً فريداً، وتأخذ المشاهد في رحلة بين الحلم والواقع.
لم تبدأ فكرة الأزياء النحتية في عصرنا الحديث، بل تمتد جذورها إلى قرون مضت. ففي المسرح الإغريقي القديم، كان الممثلون يرتدون أزياءً تضمنت حشوات للجسم وأقنعة ضخمة، تعمدت إلى تضخيم القوام ومنحه أبعاداً نحتية غير طبيعية، تساعد المشاهدين في المدرجات البعيدة على تمييز الشخصية وفهم ملامحها .هذه المحاولات المبكرة أسست لفكرة أساسية: الزي المسرحي ليس مجرد غطاء للجسد، بل هو امتداد تشكيلي له القدرة على إعادة بناء تشكيل جسد الممثل في هيئة جديدة على الخشبة.
• الحداثة وجماليات الحرف العربي
في العصر الحديث، تطورت هذه الفكرة بشكل كبير. اعتمد مصممو الأزياء على مبادئ الفن التجميعي الذي ظهر مع بداية القرن العشرين، حيث يقوم على بناء وتجميع الخامات المختلفة في العمل الفني. واستوحى كثيرون جماليات الخط العربي في ابتكار تصاميم نحتية تتناغم مع العروض المسرحية والغنائية والسينمائية، لما تتمتع به الحروف العربية من مرونة تسمح بتشكيلها بأشكال هندسية وانسيابية مبتكرة.
• قوانين تحكم "الكتلة المتحركة"
يخضع التشكيل النحتي للأزياء المسرحية لجملة من المبادئ والقوانين الجمالية التي تحكم عمله. يأتي في مقدمتها قانون التشكيل والهندسة، حيث يُعاد تشكيل وبناء هيئة الجسد البشري في أشكال هندسية أو انسيابية ليظهر جسد الممثل ككتل نحتية ، مما يخلق صورة جديدة تتجاوز حدود الجسم الطبيعية. يليه قانون التوازن البصري، حيث يعيد المصمم النظر في العلاقة بين الكتلة والفراغ واللون، ليخلق تناغماً يشد انتباه المشاهد ويسهل عليه فهم حركة الممثل بكونه جزءا من بنية سينوغرافيا العرض المسرحي. ومن أهم القوانين أيضاً قانون التفاعل مع الحركة، الذي ينص على أن الزي النحتي لا يمكن فصله عن حركة الجسد؛ فهو يصنع صورة متحركة ومتغيرة مع كل خطوة وإيماءة.
• ما وراء القماش
تتنوع الخامات المستخدمة في صناعة الأزياء النحتية بشكل كبير، فإلى جانب الأقمشة التقليدية، يستخدم المصممون خامات غير مألوفة مثل البلاستيك، والخشب، والسيراميك، والمواد المعاد تدويرها، بل وحتى الورق العادي الذي يتحول إلى قطع فنية مدهشة. هذه الخامات تمنح المصمم حرية أكبر في التشكيل، وتساعده على ابتكار أشكال معقدة يصعب تحقيقها بالطرق التقليدية.
• أجساد من ورق ونور
تزخر الساحة المسرحية العالمية بأمثلة رائعة على الأزياء النحتية. ففي مسرحية "قناع أورفيوس" على سبيل المثال، استطاع مصمم الأزياء أن يحول جسد الممثل إلى منحوتة متحركة تعكس عوالم الحلم والكابوس. وفي تجارب الفنان البولندي الرائد تاديوش كانتور، تحولت الأزياء إلى أعمال فنية مستقلة، وُصفت بأنها "منحوتات جسدية" تستحق أن تُرى كمنحوتات حقيقية، وفي الوقت نفسه ترتبط ارتباطاً وثيقاً بحضور الممثل المادي. كما ظهرت هذه الظاهرة في رقصات المسرح الحديث، حيث صممت أزياء نحتية امتدت ككتل بنائية تشكيلية متصاعدة من أجساد الراقصين.
مما سبق، يمكن القول إن التشكيل النحتي بالأزياء هو رؤية فنية تشكيلية متكاملة تجمع بين النحت والعمارة والرقص والدراما. إنه فن يرتقي بالزي المسرحي من كونه قطعة قماش ثابتة إلى كائن حي نابض، يتفاعل مع الجسد والفضاء والضوء، ويخلق لغة بصرية فريدة تعزز من سحر السرد المسرحي وتعمق تأثيره في نفوس المشاهدين.


|