|
القاهرة 21 أبريل 2026 الساعة 12:46 م

بقلم: د. حسين عبد البصير
• قراءة في كشف أثري جديد بالمنيا
تُواصل منطقة البهنسا بمحافظة المنيا تأكيد مكانتها بوصفها واحدة من أهم المقابر الأثرية في مصر خلال العصور المتأخرة، حيث أعلنت البعثة الإسبانية التابعة لجامعة برشلونة ومعهد الشرق الأدنى القديم عن كشف أثري جديد يُلقي الضوء على ممارسات الدفن والطقوس الجنائزية في العصر الروماني، ويكشف عن تداخل ثقافي وديني بالغ الثراء بين التقاليد المصرية القديمة والعناصر اليونانية والرومانية.
أسفرت أعمال الحفائر عن الكشف عن مقبرة رومانية تضم عددًا من المومياوات، بعضها لا يزال محتفظًا بلفائفه الكتانية المزخرفة بزخارف هندسية دقيقة، إلى جانب توابيت خشبية تعكس مستوى متقدمًا من الحرفية الفنية في ذلك العصر. كما عُثر على ألسنة ذهبية وأخرى من النحاس، وهي من أبرز العناصر الطقسية التي ارتبطت بالمعتقدات الجنائزية في مصر خلال العصرين اليوناني والروماني، حيث كان يُعتقد أنها تمنح المتوفى القدرة على النطق في العالم الآخر، وتساعده في اجتياز محاكمته الأخروية.
كما كشفت الحفائر عن استخدام رقائق الذهب على بعض المومياوات، وهو ما يحمل دلالات رمزية عميقة تتصل بفكرة التحول إلى كيان مُقدس أو مُضيء، في استمرار واضح لمفهوم الخلود الذي شكّل جوهر العقيدة المصرية القديمة عبر العصور.
ومن أبرز ما تم الكشف عنه العثور على بردية نادرة داخل إحدى المومياوات، تتضمن نصًا من الكتاب الثاني من ملحمة الإلياذة للشاعر اليوناني الشهير، وبالتحديد ما يُعرف بـ”فهرس السفن”، وهو النص الذي يسرد أسماء القوات المشاركة في الحرب ضد طروادة. ويُعد هذا الاكتشاف دليلاً بالغ الأهمية على مدى انتشار الثقافة اليونانية في مصر خلال العصر الروماني، وعلى التفاعل الثقافي العميق بين النصوص الأدبية الكلاسيكية والسياقات الجنائزية المصرية.
كما أسفرت الحفائر في المنطقة الواقعة شرق المقبرة البطلمية رقم (67) عن اكتشاف ثلاث غرف مبنية من الحجر الجيري، احتوت على جرار فخارية تضم بقايا بشرية محروقة، إلى جانب عظام أطفال ورؤوس حيوانات من فصيلة السنوريات، وهو ما يشير إلى وجود طقوس دفن معقدة قد تجمع بين الحرق والدفن التقليدي، بما يعكس تنوع الممارسات الجنائزية في البهنسا خلال هذه الفترة.
وفي سياق متصل، تم العثور على تماثيل صغيرة من التيراكوتا والبرونز، من بينها تماثيل للمعبود حاربوقراط، وهو ما يدل على استمرار الرمزية الدينية المصرية في ظل التأثيرات الهلنستية والرومانية، حيث لم تختفِ المعبودات المحلية بل أعادت تشكيل حضورها داخل منظومة دينية متعددة الطبقات.
أما في المقبرة رقم (65)، فقد تم الكشف عن ألسنة ذهبية ونحاسية، وعدد من المومياوات داخل حجرة دفن تحت الأرض (هيبوجيوم)، إضافة إلى توابيت خشبية ملونة في حالة تدهور نتيجة التعرض للنهب في العصور القديمة، وهو ما يعكس الصراع التاريخي المستمر بين حفظ الذاكرة وعمليات النهب والاندثار.
إن هذا الكشف الجديد في البهنسا لا يمثل مجرد إضافة كمية إلى سجل الآثار المصرية، بل يُعد نافذة علمية مهمة لفهم التحولات الفكرية والدينية والاجتماعية في مصر خلال العصر الروماني. فهو يكشف عن مجتمع متعدد الثقافات، تتداخل فيه اللغة مع الطقس، والأسطورة مع الممارسة اليومية، والنص الأدبي مع المعتقد الجنائزي.
وتظل البهنسا، بما تحمله من طبقات تاريخية متراكمة، شاهدًا حيًا على قدرة الحضارة المصرية على التفاعل والتجدد، وعلى تحويل الموت ذاته إلى نص مفتوح للقراءة، لا ينتهي عند حدود القبر، بل يمتد إلى فضاء الخلود الإنساني.
|