|
القاهرة 21 أبريل 2026 الساعة 12:43 م

كتبت: أميرة عز الدين
يمثل المسرح الجامعي مساحة حيوية لإعادة طرح قضايا المجتمع من منظور شبابي يجمع بين الجرأة والتجريب وليس فقط تقديم الترفيه، وهو ما يخلق جيلًا واعيًا بسلبيات مجتمعه وقادرًا على مواجهتها ومحاربتها إن استطاع، من خلال ما يقدمه المسرح الجامعي من عروض قادرة على نقد الواقع وكشف تناقضاته دون قيود ثقيلة؛ سواء قيود الإنتاج أو التلقي، ومن هذا المنطلق تأتي مسرحية "زير وزير" بوصفها نموذجًا واضحًا للمسرح الجامعي الواعي الذي يشتبك بوضوح مع أزمات البيروقراطية والفساد الإداري والبطالة؛ التي قد تنال في أحيان كثيرة حتى من المنصات التي تقدم فنًا حقيقيًا.
"زير وزير" عرض ذو طابع نقدي لاذع؛ مستوحى من فكرة د. حسين مؤنس، يبدأ العرض بتكنيك "مسرح داخل مسرح" ليجد المخرج نفسه في أزمة حقيقية بعد غياب بطل العرض، ليضطر هو إلى أن يحل محله ويقوم بالدور بنفسه، وفي رأيي لم يكن هذا المدخل مجرد حيلة إخراجية أو حل درامي من مخرج العرض د. محمد البدر؛ بل مدخل ذكي لنسج تداخل بين الواقع والدراما، الأمر الذي أكد عليه باستمرار طوال مشاهد العرض وباستخدام مزيج متقن من عدة أساليب إخراجية.
أما عن الحكاية الأساسية للعرض الذي يقدمه المخرج بطل العمل فتحكي عن الوالي الذي يحاول حل أزمة العطش والبطالة؛ فيكلف أحد الرعية- ويدعى صابر- بشراء "زير" ويعينه مشرفًا على شؤونه، لكن بمرور الوقت تتحول الفكرة إلى كيان بيروقراطي متضخم يُعرف بـ"إدارة عموم الزير"، له ميزانيات ضخمة وهياكل إدارية معقدة وموظفون معينون يتقاضون أموالًا طائلة بين أجور ورشاوى؛ دون أن يحقق كل هذا الهدف الأساسي لمشروع الزير!
تصل المسرحية إلى ذروتها حين يكتشف الوالي غياب "الزير" نفسه وعدم تقاضي صابر لراتبه رغم كونه الوحيد الذي يؤدي عمله فعليًا، وهنا تكمن المفارقة الدرامية الساخرة، فغياب الزير- الذي هو وسيلة الوالي لحل أزمة العطش والبطالة- مع تضخم الشكل الإداري الفاسد؛ دليل صارخ على غياب الأهداف الحقيقية وسط فوضى الزيف، مع ملاحظة أن ذلك الزير المزعوم لم يظهر طوال أحداث العرض حتى مع أمر الوالي بشرائه، وكأن تلك البيروقراطية التي نخرت في مؤسساتنا قد صفتنا جميعًا في انتظار "جودو" الذي لم ولن يأتي!
ثم يقرر الوالي معاقبة الوزير بتحميله المسؤولية المادية بالكامل؛ ليسدد من ماله الخاص رواتب الموظفين المعينين من قبله بالواسطة، وهو حل درامي يحمل طابعًا أخلاقيًا وتبسيطيًا متعمدًا يتماشى مع الكوميديا الساخرة للعرض.
أما المشهد الأخير؛ فقد حقق أقوى لحظات العرض، حيث يخرج المخرج من عالم المسرحية ليصطدم بالواقع نفسه الذي كان ينتقده، ليجد نفسه مضطرًا للخضوع لآليات الفساد نفسها والتعامل بالرشوة لتقديم فن يحارب البيروقراطية والرشوة؛ مما يؤدي إلى انهياره بعد أن رأى أهدافه تتكسر أمام عينيه بنفس الطريقة التي أراد محاربتها، وهذا الختام يمحو أي مسافة آمنة بين الفن والواقع، ويؤكد أن الأزمة ليست مجرد موضوع للعرض بل واقع ممتد!
على مستوى الأداء، تكاملت أدوار الممثلين في رسم صورة المؤسسة الفاسدة، وبينما أبرزت الشخصيات الرئيسية الخط الدرامي العام؛ كان الكورس يعكس حالة الفوضى والازدحام الإداري ويعزز من الطابع الساخر للعرض، خاصة في مشاهد "إدارة الزير".
قدم أسامة سيد في دور "الوالي" حضورًا متوازنًا يجمع بين السلطة والمثالية، وهو ما يخدم المفارقة الدرامية للشخصية التي تصورت أن فكرة في مثل براءة مشروع "الزير" قد تحل بالفعل أزمة العطش والبطالة في آن واحد، بينما نجح إسلام محمد في تجسيد شخصية "الوزير" كنموذج للبيروقراطي الذي يغرق في التفاصيل الشكلية ويستفيد منها هو والحبايب والأقارب والأعزاء ويتجاهل جوهر الأزمة، للدرجة التي ربت بداخله غرورًا أبعد عن توقعه أن يأتي اليوم الذي يكتشف فيه الوالي الأمر بالكامل!
أما "صابر"- المواطن البسيط- فقد قدمه محمد عامر بأداء سلس يحمل قدرًا من الصدق والانكسار واليأس؛ الذي دفعه لأن يطلب العودة للسجن فقط لينعم بأربع جدران تأويه وبضع لقيمات تسد جوعه!
كذلك نجحت المسرحية في تقديم نماذج بشرية كاريكاتورية لكنها واقعية في الوقت نفسه؛ مثل ملك أيمن وعزيز نشأت؛ الموظفان اللذان ينشغلان بالمصالح الشخصية ويتظاهران بالعمل أو لا يؤديان مهامهما إلا بالرشوة، وتدعم رحمة أيمن "رئيس القسم" وروان أحمد "وكيل الإدارة" هذا التكوين من خلال إبراز علاقات السلطة الصغيرة المتدرجة داخل المؤسسة؛ خاصة في مشاهد الإهمال والرشوة، كما قدم يوسف وائل في دور الفنان البسيط الذي يلعب دور "الحارس"؛ نموذجًا لبراءة الحلم وتواضعه للحد الذي جعله مكتفيًا بالنجاح المحدود أمام جيرانه وأقاربه الذين دعوهم لمشاهدته في "البروفة" الختامية، وأما أحمد بغدادي الذي لعب دور "المواطن" فقد كان مقابلًا دراميًا لشخصية "صابر"، إذ يعبر عن المأساة بملامح تتأرجح بين الرجاء واليأس، فبينما يعاني صابر من البطالة يعاني المواطن من العطش وكلاهما ضحية لإدارة عموم الزير!
ولأننا أمام إنتاج للمسرح الجامعي؛ فلا بدَّ أن نتوقف لنشيد بمهارة استغلال الإمكانيات البسيطة في تحقيق أفضل نتيجة للملابس والإكسسوارات والديكورات والموسيقى، بالنسبة للملابس والإكسسوارات اعتمدت على إبراز اختلاف زمن الحكي بين قصة الوالي والحياة الحقيقية لمخرج العرض؛ عن طريق ملابس الوالي ووزيره وعسكره الفانتازية لتظهر كوننا في زمن درامي مختلف دون تحديد ذلك الزمن، وقد استغلت "مادونا جاد" الإكسسوارت في رسم بعض الإسقاطات الكاريكاتيرية مثل ذلك الشارب الذي كانت تضعه رئيس المصلحة المرتشية.
أما عن الديكور فقد تكون من مكتب وكرسيان فقط؛ تم تدويرهما دراميًا لتكون "إدارة عموم الزير" في عصر الوالي هي نفسها المصلحة الحكومية في واقع المخرج، في حين جاءت موسيقى العرض- التي قدم معالجتها محمد المصري- كمزيج بين الاعتماد على المؤثرات السمعية والمعالجة الموسيقية لجمل لحنية مناسبة ومألوفة لدى الجمهور.
الإبداع الحقيقي كان في تقديم د. محمد البدر للعرض برؤية مؤلفة من عدة أساليب إخراجية بعد أن قام بمعالجة الفكرة كذلك، حيث بدأ العرض بتكنيك المسرح داخل المسرح ليذوب الفروق المتوقعة بين الفن والواقع، ثم استخدم تكنيك البايوميكانيك الذي يعتمد كليًا على المرونة الحركية للممثلين كما في مشاهد تشكيل الشجرة وتشكيل طلمبة المياه، كذلك قام بتوظيف كسر الإيهام بتحدث الممثل الذي يقوم بدور الحارس للجمهور الذي دعاه على غير إرادة المخرج؛ وفي الوقت نفسه قام بتمديد الجدار الرابع مع ظهور المخرج من بين صفوف المتفرجين مرة بشخصه ومرة وهو يجسد دور الوالي، وقد ساعدت تلك الرؤية في رأيي على معايشة المتفرج للحدث ولكن بعقل يقظ قادر على نقد الأوضاع ورفضها في كل مرة تضحكه سخرية العمل.
بشكل عام نجحت "زير وزير" في تقديم عرض متماسك استخدم الكوميديا لكشف أزمات حقيقية؛ مستندة إلى فكرة ذكية وإخراج واعٍ وأداء جماعي متكامل يعكس شغف المسرح الجامعي وقدرته على إنتاج خطاب نقدي مباشر دون أن يفقد جاذبيته الفنية كما يحدث في كثير من الأحيان في المسرح الاحترافي.
عرض "زير وزير" إنتاج المعهد العالي للتعاون الزراعي؛ وقدم ضمن فاعليات مهرجان العروض القصيرة للمعاهد العليا، العرض من بطولة: أسامة سيد وإسلام محمد وملك أيمن وعزيز نشأت و رحمة الموافي وروان أحمد و محمد عامر وأحمد بغدادي ويوسف وائل، ومثل أفراد الكورس أمينة شريف، محمد أيمن، مصطفى أيمن، هشام عبد الحليم، عبده جاد، أحمد حمدي، محمد السيد، حسن صابر، روفيدة أحمد، فتوغرافيا موكا، دعاية وإعلان ملك أيمن، إدارة مسرحية رفيدة أحمد وحسن صابر، مساعد مخرج محمد أيمن ومحمد السيد، مخرج منفذ أحمد بغدادي، عرض "زير وزير" عن فكرة د. حسين مؤنس ودرامتورج وإخراج د. محمد البدر.






|