|
القاهرة 21 أبريل 2026 الساعة 12:41 م

بقلم: أميرة السمني
في كتابه "الفنون التشكيلية في جمهورية مصر العربية" (1975) يعرض الكاتب الروسي أناتولي بوجدانوف صورة تفصيلية للفنون التشكيلية في مصر بمختلف أشكالها مثل التصوير والنحت والجرافيك منذ بداية ظهورها في العصر الحديث حتى وقت كتابته للكتاب في السبعينيات من القرن العشرين. عمل المؤلف أستاذًا لتاريخ الفن في جامعة روسية، وتخصص في أعمال النحات المصري محمود مختار، وله العديد من الكتب التي تختص بالفن التشكيلي في روسيا والعالم كذلك في الدول العربية مثل مصر وسوريا والعراق. نظرًا لأهمية الكتاب في تأريخ الفن التشكيلي المصري، أصدر المركز القومي للترجمة نسخة مترجمة باللغة العربية عام (2017)، ترجمة الكاتب والمترجم أشرف الصباغ.
يقع الكتاب في 235 صفحة، وهو مقسم إلى فصلين: الفنون التشكيلية قبل ثورة 1952، والفنون التشكيلية بعد ثورة 1952. يستهل الكاتب الفصل الأول بذكر السياق التاريخي الذي ظهر فيه الفن التشكيلي المصري الحديث في بداية القرن العشرين حيث كانت مصر تحت الاحتلال الإنجليزي منذ عام 1882، وقد سعى المحتل إلى تقويض الحركة الثقافية في مصر بطرق عديدة من بينها إغلاق الكثير من المدارس والحد من حرية الصحافة. وكنتيجة لذلك تصاعدت حركة التحرر الوطني التي سعت إلى استقلال مصر والنضال ضد الاحتلال، وقاد الزعيم مصطفى كامل الدعوة إلى التحرير وأسس جريدة اللواء والحزب الوطني اللذان كانا لهما دورًا بارزًا في حشد المصريين ضد الاحتلال، وقد امتد أثر حركة التحرر ليشمل الأدب والفن التشكيلي.
افتتحت مدرسة الفنون الجميلة في القاهرة عام (1908)، بالاستعانة بالفنانين والأساتذة الأجانب، وكان من بين الخريجين الأوائل الرعيل الأول للفنانين التشكيليين، وقد استكمل معظمهم دراستهم في الخارج ثم عادوا ليقودوا نهضة الحركة الفنية في مصر. عمد الفنانون الأوائل إلى المزج بين الفن المصري القديم والفن الأوروبي الحديث لإبداع أعمال فنية تعبر عن الحس الوطني، من خلال تصوير مشاهد واقعية من الحياة اليومية والطبيعة والريف في مصر. ومن بين هؤلاء الفنانين الذين كانت أعمالهم تتسم بالأصالة القومية في العشرينيات والثلاثينيات في القرن العشرين، برز محمود مختار ومحمد ناجي ومحمود سعيد ويوسف كامل. على الجانب الآخر ابتعد بعض الفنانين عن الموضوعات المحلية متأثرين في ذلك بالحياة الأوروبية ومنهم أحمد صبري ومحمد حسان.
يفرد بوجدانوف مساحة كبيرة لعرض إبداعات المثال الرائد محمود مختار (1891-1934) ودوره البارز في تأسيس الفن التشكيلي الحديث في مصر. تخرج مختار من مدرسة الفنون الجميلة في القاهرة عام (1911) ثم استكمل دراسته في باريس. استقى مختار إلهامه من الإرث المصري العظيم في فن النحت وأصقل إبداعه بدراسة فن النحت الأوروبي وأعمال الفنانين الأوروبيين، وتأثر بشكل كبير بأستاذه المثال الفرنسي أوجست رودان الذي درس في ورشته في فرنسا وأنطوان بورديل، وبذلك امتلك مختار الخبرة والحرفية وطور أسلوبه المميز لإبداع أعمال ذات طابع قومي، وعلى رأسها تمثال "نهضة مصر" (1919-1928)، وفيه أبدع مختار في تصوير رمز وطني مصر التواقة إلى الحرية والاستقلال والنهوض من خلال أبو الهول الذي يقف شامخًا معبرًا عن الاعتزاز بالتاريخ والحضارة المصرية وبجواره الفلاحة المصرية بهيئتها السامقة ذات العظمة والعزة ونظرتها الواثقة المتطلعة إلى المستقبل بأمل وثقة. يعرض الكاتب الكثير من أعمال مختار التي تتنوع ما بين البورتريهات مثل تماثيل سعد زغلول (1927، 1930) أو النماذج المستقاة من الفولكلور الشعبي والأساطير القديمة كتمثال "عروس النيل" (1929)، و"إيزيس" (1929)، ولكن عظمة موهبة مختار تصل إلى قمتها في تجسيد الشخصية المصرية من خلال تماثيل الفلاحين والكادحين والنساء والأناس العاديين بمختلف طبقاتهم تظهر عليهم جميعًا سمات قوة الشخصية وحب الحياة والإحساس بالكرامة والعزة والنبل والكبرياء الذي ينعكس من خلال استقامة القامة أو الحركات الرشيقة الهادئة مثلما يظهر في تماثيل "زوجة شيخ البلد" (1928)، و"رياح الخماسين" (1929)، و"إلى النهر" (1929)، و"ملء المياه" (1929)، و"الراعي" (1930)، و"شيخ الغفر" (1932)، وهذه هي الملامح الحقيقية للشعب المصري كما رآها مختار وأراد أن يبعثها في المصريين من جديد، ولا عجب أن يرى النقاد أن محمود مختار هو رائد النهضة الفنية في مصر.
ينتقل الكاتب إلى مجال التصوير ليستعرض أبرز رواده ويبدأ بيوسف كامل (1891-1971)، وهو من أوائل خريجي مدرسة الفنون الجميلة بالقاهرة وأكمل دراسته في روما، وبرع في رسم مشاهد الحياة اليومية الشعبية في مصر مركزًا على الأطفال مع هالة من الحب والدفء تحيط بأبطال لوحاته، مثل لوحة "في الفناء" (1932). وعلى عكس يوسف كامل، لم يدرس محمود سعيد (1897-1964) في مدرسة الفنون الجميلة، وإنما تلقى تعليمه الفني في ستوديو الفنانة الإيطالية إيميليا دافورنو وتأثر بالعديد من المدارس الفنية مثل الانطباعية والوحشية وبالفنانين الأوروبيين مثل روبنز ورامبرنت، وطور أسلوبه الخاص الذي جسد به لحظات عادية من الحياة اليومية في الشوارع والمساجد والأسواق مع لمحة شاعرية خيالية، أما ملامح أبطال لوحاته فتبدو حادة مدببة مثل أخناتون ونفرتيتي وكأنهم شخصيات تاريخية قديمة. يركز سعيد في لوحاته وبورتريهاته على المرأة، ومن بينها "نساء مصر" (1938)، و"نساء بحري" (1938)، و"امرأة في النافذة" (1940)، و"فتاة بالأساور" (1943)، و"فتاة بندقية العينين" (1943)، فيسبر في بعضها أغوار حالتها النفسية الداخلية مثل مشاعر الحزن والاكتئاب، وقد ساهمت لوحاته في كسر التقاليد المهينة للمرأة وتعزيز الحراك الاجتماعي للدفاع عن حقوق المرأة المصرية.
ومن بين جيل الرواد بزغ أيضًا محمد ناجي (1888-1956)، وعلى الرغم من أنه لم يدرس الفن في مدرسة الفنون الجميلة، إلا أنه أحب الفن من خلال سفره للخارج وارتياده للمتاحف الأوروبية ولقاءاته بالفنانين الكبار ومن بينهم كلود مونيه الذي كان السبب وراء إلهامه للاشتغال بالفن. تأثر ناجي بالمدرسة الانطباعية وتنوعت أعماله حيث رسم سلسلة لوحات تقترب من الثلاثمائة عن أثيوبيا أثناء رحلته هناك، بالإضافة إلى البورتريهات والمناظر الطبيعية ومشاهد الحياة اليومية والحياة في الريف وتصوير الآثار المصرية. ومن بين أهم أعمال ناجي إنجازه لأعمال الديكور والرسوم بجناح مصر في المعرض الدولي بباريس (1937) والتي جمع فيها بين مشاهد من مصر القديمة مثل لقاء إيزيس وأوزوريس، وبين تصوير حياة المصريين الكادحين ومن بينهم نساء وعمال وفلاحين يقومون بشتى الأعمال بشموخ وعزة وكرامة.
تميز الفنانون القدامى على اختلاف أساليبهم بالطابع القومي والموضوع الوطني، فقد كانت فترة العشرينيات هي "عصر النهضة الوطنية"، وأعقبتها حركة "تمصير الثقافة" في الثلاثينيات وجزء من الأربعينيات التي قادها حزب الوفد وكان يهدف من خلالها إلى ربط الثقافة المعاصرة بالحضارة المصرية القديمة وقد انعكست حركة التمصير هذه على إبداعات الفنانين والكتاب آنذاك. ومع وصول القوى الموالية للإنجليز والمعادية للشعب للسلطة انحسرت هذه الدعوات التحررية والتمصيرية، وكان من تداعيات هذا التحول على الفن والثقافة أن النخبة المثقفة ابتعدت عن حركة التحرر وتأثروا بشعار "الفن للفن" القادم من الغرب بعد الحرب العالمية الثانية فابتعدوا عن الواقعية وانتهجوا نهج التيارات الفنية الغربية مثل السريالية والرمزية والتكعيبية، ومن الأعمال المميزة لهذه الفترة لوحة "المجنون الأخضر" لعبد الهادي الجزار ولوحة "العرافة" لحامد ندا.
ظل أيضًا الاتجاه الواقعي بارزا في سنوات ما قبل الثورة فتخصص بعض الفنانين في رسم المناظر الطبيعية وتصوير مشاهد ساحرة تعكس جمال طبيعة مصر وسمائها ونيلها وحقولها وجبالها، ومن ضمن هذه اللوحات لوحة "منظر طبيعي" (1948) لأحمد لطفي، و"قوارب في النهر" (1949) لمحمد مصطفى، كما تطور أيضًا فن البورتريه بطريقة ملحوظة، وأمثلة على ذلك لوحة "أخ وأخت" (1945) لسند بسطا، و"المغربي" (1947) لحسين بيكار. أما في فن النحت فقد برز عبد القادر رزق الذي تأثر بمحمود مختار ومن أعماله تمثال "مصرية" (منتصف الأربعينيات) وبورتريه الفنان "يوسف كامل" (1949)، وظهر أيضًا أحمد عثمان، وأفضل أعماله تمثال "مصرية" (1949) و"نزهة" (1950).
في الفصل الثاني بعنوان "الفن التشكيلي بعد ثورة 1952"، يتناول الكاتب التطور الذي شهده الفن التشكيلي المصري منذ قيام ثورة 1952 وما أعقبها من إعلان لاستقلال مصر عن إنجلترا وتأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي عام 1956. عملت الثورة على تعزيز الثقافة فأقرت مجانية التعليم، وبنت مدارس ومكتبات ومسارح، وأصدرت مجلات كروزاليوسف والمصور والثقافة، وطالت هذه النهضة الثقافية أيضًا مجال الفنون التشكيلية فافتتحت كلية الفنون الجميلة بالأسكندرية والفنون التطبيقية، وأنشئ العديد من المتاحف من بينها متحف محمود مختار والفن المعاصر، وانتشرت المعارض الفنية. صار أحدى مهام نخبة المثقفين المصريين هو ربط الآداب والفنون بحياة الشعب. وظهر في أعقاب الثورة ما سمى بـ "أدب المعركة" الذي يضم روايات وقصص وأشعار وطنية لحماية الثورة وانجازاتها والاصطفاف أمام العدوان الخارجي ومقاومته وكان من أشهر أدبائها عبد الرحمن الخميسي وعبد الرحمن الشرقاوي.
وازدهر كذلك فن الجرافيك بعد الثورة، وكان من رواده قبل الثورة الحسين فوزي الذي درس فن الحفر على المعدن والخشب في باريس ورأس قسم الحفر في كلية الفنون الجميلة في القاهرة. بعد الثورة استخدم الفنانين فن الجرافيك لدعم المقاومة والنضال الشعبي وانتشرت الصور والملصقات السياسية وفن الكاريكاتير السياسي الذي كان من أبرز فنانينه عبد السلام وزهدي وعزت ورخا وطوغان وجورج بهجوري ومصطفى حسين. تشابه فن الرسومات السياسية مع أدب المعركة في العديد من النواحي من بينها الأفكار والتأثير على المتلقي والتعبير عن الرأي العام الشعبي، وفي كثير من الأحيان كانا يعرضان بجانب بعضهما في الجرائد والمجلات كثنائيات لرسم مع قصة، أو مقال مع كاريكاتير. اتسم فن الملصق المصري بعرض أفكار دقيقة ومحددة، ومثال على ذلك ملصق "نقاتل في سبيل الحرية" (1956) لعبد الوافي الذي يجسد رجلا مصريًّا يرتدي زي فلاح يحمي أسرته حاملًا السلاح بيده اليمنى ومحتضنًا صغيره بيده اليسرى، وعلى كتفه حمامة تحمل غصن زيتون كرمز للسلام الذي لا يحقق إلا بالقوة.
برزت فكرة مقاومة الاحتلال والدفاع عن الوطن وحريته في الأعمال الفنية التشكيلية منذ عام 1956، وأخذ الفنانون على عاتقهم مهمة تجسيد قسوة ومرارة العدوان وإلقاء الضوء على ضحايا الحرب، ومن بين هذه اللوحات مجموعة كبيرة وثقت مجد وبسالة المقاومين في بورسعيد، وكذلك آثار الدمار والخراب الذي أحدثته الحرب ومعاناة من عايشوها، مثل لوحات "بورسعيد – المعركة" لمحمد على، و"بورسعيد" لزينب السجيني، و"انتصار بورسعيد" و"آثار العدوان" لناجي شاكر، و"شعب من أجل الدفاع عن بورسعيد" لمحسن القدراوي، و"تدمير بورسعيد" للألفي. وكذلك صور الفنانون في أعمالهم الفنية الأطفال الذين يتمتهم أو شردتهم الحرب، مثل لوحة "هروب " لأمير صليب حيث تظهر الأم وهي تحاول الهرب من جحيم الحرب مع أطفالها وعلامات الهلع تعلو وجوههم. وقد تناولت أيضًا الأعمال الفنية التي اتسمت بالنضال موضوع اللاجئين الفلسطينين كلوحة "اللاجئين" لصلاح عسكر. أما في مجال النحت، فقد أبدع الفنانون العديد من التماثيل التي تصور نضال الشعب المصري ومقاومته من بينها "القنال لي" لمحمود موسى، و"الموت للاستعمار" لأحمد عثمان، و"بورسعيد" لجمال السجيني. واتسمت هذه الأعمال التشكيلية التي اتخذت من النضال الشعبي لنيل الحرية والاستقلال موضوعًا لها طابعًا واقعيًا.
في السنوات التالية، تبلورت اتجاهات فنية رئيسية على الساحة المصرية. تمثل الاتجاه الأول في تناول فني يميل إلى التأمل في حياة الناس اليومية، مع استبعاد القضايا الوطنية، وقد بدا ذلك واضحًا في الأعمال التي ركزت على الجماليات الزخرفية والجانب الشكلي. أما الاتجاه الثاني، فاتسم بطابع درامي انعكس في استخدامه لأساليب تعبير اصطلاحية، كان أبرزها الاتجاه التعبيري. لكن الفنانون المنتمون إلى الجيل القديم ظلوا يلعبون دورهم في ترسيخ الفن الواقعي، ومن بينهم راغب عياد (1882-1982)، حيث اهتم بتصوير حياة الفلاحين في القرية وأعمالهم اليومية والطقوس والعادات الدينية والفولكلور الشعبي وقد تأثر به مجموعة من الفنانين الذين رسموا الموضوعات الفولكلورية مثل تحية حليم وسيد عبد الرسول. ويظهر أيضًا أسلوب الفن الشعبي في أعمال الفنانة جاذبية سري (1925-2021) التي كانت أعمالها تجمع بين البورتريهات أو الموضوعات الحياتية. ومن بين أشهر لوحات جاذبية سري لوحة "الفتاة والحمام" (1957) التي تجسد فتاة مصرية تتسم بالوداعة والصفاء، وكذلك لوحة "الأم" (1958) التي تصور امرأة مصرية مع أولادها.
وفي مقابل الاتجاه الفولكلوري يظهر الاتجاه الاجتماعي لدى الفنانين الذين يكرسوا إبداعاتهم للاحتجاج على غياب العدالة الاجتماعية، ومن أبرز رواده إنجي أفلاطون وزينب عبد العزيز. على الرغم من نشأة إنجي أفلاطون (1924-1989) في عائلة ارستقراطية إلا أنها أهتمت بتصوير الفقر والحرمان ونضال الفقراء، فنجدها تجسد المعنى الرمزي للحصول على عناء الفقراء للحصول على لقمة العيش في لوحاتها "رغيف الخبز" (1954) و"خبز حياتنا" (1963)، وأعطت بطولة لوحاتها للفلاحين والصيادين والحرفيين، وكانت هي الرائدة الأولى في رسم موضوعات اجتماعية أو بحسب وصفها "الفن الاشتراكي". تشترك زينب عبد العزيز (1935) مع إنجي أفلاطون في إظهار معاناة أبطالها من الكادحين الذين يعانون من قسوة الحياة لكن مع الحفاظ على كرامتهم الإنسانية بدون أن ينكسروا، ومن بين لوحاتها "تعب" (1965) و"ثقل التراب" (1966) و"عمال اليومية" (1963) و"طريق بلا نهاية" (1966).
برز أيضًا في إطار الواقعية رسم المناظر الطبيعية في الخمسينيات والستينيات مع التركيز على الإنسان، مثلما في لوحة "منظر الأقصر" (1959) لحبيب جورجي، و"الأقصر" لأحمد الورداحي (1960). كما عاود محمود سعيد الظهور في الخمسينيات بعد فترة من الانقطاع، وذلك برسم مناظر طبيعية كلوحة "شاطئ مرسى مطروح" (1959). وقد تأثر فن رسم المناظر الطبيعية أيضًا بتيارات فنية أخرى كالانطباعية التي يرجع الفضل في تطويرها إلى محمد ناجي الذي استمر في رسم مناظر طبيعية ما بعد الثورة خلال رحلته إلى قبرص. تظهر كذلك النزعة التكعيبية في الفن المصري لرسم المناظر الطبيعية، كما تظهر أجناس أخرى كرسم مناظر المدينة أو رسم البورتريه الذي تميز بالتركيز على السمات الداخلية للإنسان وليس فقط تصوير الملامح الخارجية.
أما عن فن النحت في الستينيات فقد واصل مجموعة من النحاتين ما بدأه الرواد، وكانت المهمة الأساسية لديهم هي مزج تراث الماضي بروح العصر، فصار نموذج البطل هو العامل بدلًا من الفلاح. ومن أبرز نحاتي مصر في هذه المرحلة جمال السجيني (1917-1977) الذي كرس أعماله للنضال الوطني لنيل الحرية وحق الشعوب في تحقيق السلام. تخرج السجيني من كلية الفنون الجميلة بالقاهرة عام 1938، ثم سافر إلى إيطاليا حيث أتقن فن النقش على المعادن، وعاد ليعمل مدرسًا بقسم النحت عند عودته إلى مصر، ومن بين أشهر أعماله عمل "الأغلال" (1952) الذي يصور الظلم الذي عانى منه الشعب في عهد الإقطاع والاستعمار، وعمل "حرية" (1956) الذي أبدعه بعد معركة بورسعيد وجسد فيه سجين يتحرر من السجن والاستعباد بكسر القضبان.
في فترة ما بعد النكسة تأثرت الحركة الفنية بحشود القوى الوطنية ضد العدوان الإسرائيلي، فظل موضوع "المقاومة" يحتل أهمية كبرى لدى الكثير من الفنانين. وأقيم معرض "الاستقلال والسلام" عام 1970 في القاهرة، ومن بين اللوحات التي عرضت فيه "مدرسة بحر البقر" ليوسف سعيد، و"الأطفال وطائرات الفانتوم" لمحمود عباس و"العدوان" لأحمد مصطفى، كما عرضت إنجي أفلاطون لوحات "إرهاب المحتلين" و"لاجئة من سيناء" و"فلسطين". وبرز كذلك موضوع المقاومة في فن النحت، وخاصة في أعمال جمال السجيني وأحمد عثمان ومحمود موسى، ومثال على ذلك عمل "التحرير" (1967) للسجيني الذي يمثل البطل المصري المناضل وهو يحطم بقوة وغضب شجرة ترمز للظلم والخنوع. ومن بين الموضوعات الأخرى التي حازت اهتمام الفنانين موضوع "العامل"، فصار العامل بطلا للعديد من اللوحات، وأفضل من جسد العمال المصريين وكدحهم بشكل يعكس العزة والكرامة هو حامد عويس (1919-2011) كما في لوحاته "المكوجي" و"الترزي" و"الحلاق" و"العودة من الفابريقة".
يعد كتاب "الفنون التشكيلية في جمهورية مصر العربية" مرجعًا مهمًا للمهتمين بتوثيق ودراسة تطور الحركة الفنية في مصر منذ نشأتها في بدايات القرن العشرين وحتى بداية السبعينيات. يسلط الكاتب الضوء على ارتباط الفن التشكيلي بنضال الشعب المصري، ويعرض كيف شكلت مفاهيم الحرية والوطنية والعدالة الاجتماعية والمساواة مصادر إلهام للفنانين المصريين على مر العقود.
|