|
القاهرة 21 أبريل 2026 الساعة 12:36 م

كتبت: ريم عباس - السودان
الزجل الفلسطيني أحد أقدم وأرقى أشكال التعبير الشعبي في بلاد الشام، "ديوان العرب" الشعبي الذي سجل أدق تفاصيل الحياة الفلسطينية عبر القرون، يمثل الزجل حالة من التلاحم الفريد بين اللغة العامية المحكية وبين الأوزان الشعرية التقليدية، مشكلا جسرًا يربط بين الماضي والحاضر والمستقبل.
تعود جذور الزجل إلى الأندلس، حيث انتقلت الموشحات والأزجال إلى المشرق العربي وتأثرت بالبيئات المحلية، في فلسطين، اتخذ الزجل طابعا خاصا ارتبط بالبيئة الفلاحية والبدوية على حد سواء، فاستلهم من صوت "المنجل" في الحصاد، ومن "حداء" الإبل في الصحراء، ومن صدى الجبال في الجليل والقدس والخليل.
يتشكل الزجل الفلسطيني من منظومة إيقاعية متنوعة، لكل منها غرض ومناسبة:
1/ "العتابا": يعتبر ملك الزجل الفلسطيني، ويتكون من أربعة أشطر، تنتهي ثلاثة منها بكلمة واحدة تختلف في المعنى (جناس)، بينما ينتهي الشطر الرابع بقافية مختلفة، وغالبا ما تعبر عن الحنين والعتاب والألم.
2/ "الميجانا": يأتي غالبا كمقدمة أو ردّة ترافق العتابا، وتتميز بإيقاعها الغنائي المتكرر.
3/ "المعنّى": لون زجلي قوي يعتمد على الجزالة والارتجال، ويستخدم في المناظرات الشعرية بين الزجالين.
4/ "الشروقي": لون بدوي أصيل يتسم بطول النفس، ويعبر عن الفروسية والكرم وتاريخ القبائل.
5/ "الفرعاوي والزريف": ألوان سريعة الإيقاع تُستخدم في الدبكات والسحجات الشعبية.
يمكن اعتبار الزجل في فلسطين "صحافة شفوية" للمجتمع، إذ تجاوز كونه فنًّا غنائيًّا فحسب ليصبح وسيلة للتواصل الاجتماعي؛ "المصلح الاجتماعي" يُستخدم في فض النزاعات وجلسات الصلح، "المؤرخ الشعبي" يوثق الأحداث والثورات الفلسطينية عبر الزمن، "الناقد الاجتماعي" يعالج القضايا بأسلوب ساخر أو مباشر.
وتُعد المناظرة الزجلية ذروة هذا الفن، حيث يتواجه شاعران في ارتجال فوري يعتمد على الذكاء وسرعة البديهة، مع الالتزام بالوزن والقافية، ما يجعلها عرضاً أدبياً وجماهيرياً في آن واحد.
حُظي الزجل باعتراف عالمي ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي لليونسكو، باعتباره فنا يمثّل الهوية والذاكرة الشعبية، وقد لعب دور مهما في تثبيت التراث الفلسطيني في الداخل والشتات من خلال الرموز المرتبطة بالأرض مثل الزيتون والقرى والينابيع.
ورغم تطور وسائل الإعلام الحديثة، لا يزال الزجل الفلسطيني حاضرا، بل وانتقل إلى الفضاء الرقمي عبر المنصات الاجتماعية، مما ساعد على وصوله إلى الأجيال الجديدة، ويظل الجمهور المتفاعل جزءًا أساسيًّا من استمراره.
ختاما، قد أسهم هذا الفن، عبر مراحله المختلفة، في توثيق القصص والأحداث ونقلها بين الأجيال، محافظا على حضوره رغم التحولات الاجتماعية والثقافية، ومن ثمّ يبقى الزجل الفلسطيني ركيزة أساسية في صون التراث وتعزيز الوعي بالهوية الثقافية في إطار فني متجدد.
|