|
القاهرة 21 أبريل 2026 الساعة 12:25 م

إعداد: مصطفى علي عمار
على الضفة الغربية لنيل الصعيد، وفي رحاب قريةٍ استمدت عراقتها من معبد "حتحور" الشاهد على عظمة التاريخ، ينهض مركز" دندرة الثقافي" ليثبت أن الحضارة ليست حجرًا صامتًا، بل فكرة متجددة وفعلا مستمرًا. ينهض هذا المركز كمؤسسة مجتمع مدني ليحاول أن يردم الفجوة بين التاريخ والمستقبل، فهو مؤسسة ثقافية تشتغل بوعي ثقافي مغاير ومختلف.هذه التجربة الثقافية التي وُلدت قبل أكثر من ربع قرن تمثل خبرة ثقافية ومجتمعية لها خصوصيتها وتستحق التوقف عندها والتأمل في مسارها.
انطلق "مركز دندرة الثقافي" عام 1997 ليقدم نموذجًا مختلفًا؛ فالمركز يُعتبر مؤسسة تجمع بين العمل الثقافي والتنموي، وبين البعد القبلي والانفتاح على مصر كلها، وبين رعاية التراث ودعم شباب المبدعين.
مركز دندرة الثقافي يقدم نفسه نموذجًا لهذه المعادلة الصعبة، حيث يمزج بين العمل الثقافي الرصين والفعل الاجتماعي المباشر، وبين الانتماء العميق للجذور والانفتاح الواعي على العالم. وقد تمددت تجربته من الصعيد لتغطي أكثر من 14 محافظة عبر 62 مكتبًا تمثيليًا، مستندة إلى رؤية يقودها الأمير هاشم الدندراوي، أمير جموع قبائل وعائلات الأسرة الدندراوية.
ولأن الحكم على التجارب لا يكون بالانطباع العابر، بل بالاقتراب والتقصي، كان من واجبنا المهني والثقافي أن نتوجه مباشرة إلى أصحاب الشأن. فتواصلنا مع لجنة الإعلام بالمركز للحصول على البيانات الرسمية، وطرحنا على عدد من المثقفين والكتّاب من قنا وخارجها أسئلة جوهرية تغطي: النشأة والأهداف، وأبرز الأنشطة والمشروعات، ودعم المبدعين والتعاون مع المؤسسات، وصولاً إلى التحديات، ومشاركة الأهالي، والرؤية المستقبلية.
وقد أمدتنا لجنة الإعلام بملف تعريفي شامل لا يكتفي بسرد المعلومات، بل يرسم خريطة متكاملة لتجربة تُواصل عطاءها منذ عام 1997. وفي المقابل، جاءتنا شهادات متباينة من الشعراء والكتّاب، تراوحت بين الإشادة الكاملة والتحفظ النقدي.
في هذا التحقيق، نضع بين يدي القارئ الصورة كما هي، مقسمة إلى جزأين: الأول يعرض بيانات المركز كما وردت من لجنة الإعلام، والثاني يرصد شهادات الكتّاب والمثقفين، ليبقى الحكم الأخير للقارئ وحده.
*مركز دندرة الثقافي.. التاريخ والرسالة
من خلال معلومات لجنة الإعلام بالركز اطلعنا على التاريخ الثقافي له باعتباره مؤسسة أهلية مصرية تأسست عام 1997، واتخذت من الثقافة والتنمية المجتمعية رسالتها الأساسية. ورغم أن مقرها الرئيسي في القاهرة، فإن جذورها تمتد إلى قرية دندرة بمحافظة قنا، حيث استلهمت اسمها وروحها من هذا المكان العريق القريب من معبد دندرة، أحد أبرز الشواهد الحضارية في مصر.
نجح المركز، عبر سنوات عمله، في أن يمد نشاطه إلى عدد كبير من المحافظات، مقدمًا نموذجًا يجمع بين الوعي الثقافي والمسؤولية الاجتماعية. فقد نظم المنتديات الفكرية والاقتصادية، والندوات والمحاضرات، وفتح أبوابه للمبدعين والكتّاب الشباب، إيمانًا بدور الثقافة في صناعة الإنسان.
كما أطلق عددًا من المبادرات التنموية والاجتماعية في مجالات الطفولة، والقراءة، ومكافحة الإدمان، والتوعية البيئية، ودعم الشباب، إلى جانب شراكات مع مؤسسات تعليمية وتنموية كبرى، أسهمت في توسيع أثره وتعزيز حضوره.
ويمضي مركز دندرة الثقافي في رؤيته المستقبلية بوصفه منبرًا للتنوير والعمل الأهلي، ساعيًا إلى ترسيخ قيم المعرفة والانتماء، ومدّ جسور الثقافة إلى مختلف ربوع الوطن.
*وقد توجّهت مجلة "مصر المحروسة" إلى عدد من المثقفين المصريين الذين تعاملوا مع المركز، سواء بصفتهم ضيوفًا أم محاضرين في أنشطته الثقافية، فجاءت إجاباتهم لتؤكد أهمية الدور الثقافي والمجتمعي الذي يضطلع به، ليس بين أبناء الصعيد فحسب، بل يمتد أثره إلى القارئ والمبدع المصري أينما كانت محافظته.
عادل صابر: يعتبر المركز صرحًا ثقافيًا عالميًا وحجر زاوية في المشهد الثقافي يدعم المبدعين والشباب رغم تحديات التمويل.
أشرف البولاقي: يرى تأثيره الثقافي هامشيًا والبعد القبلي والحشد يطغيان على الفعل الإبداعي، فهو اجتماعي أكثر منه ثقافي.
عبد الناصر شاكر: يقدمه كجمعية أهلية منذ 1997 تهتم بالإرث الجنوبي وتنظم منتديات ثقافية واقتصادية سنوية.
د. السيد إبراهيم أحمد: يراه مشروعًا للبناء الإنساني والتنمية المستدامة يجمع التراث بالتجديد ويطالب الدولة بدعمه.
عبد الفتاح عبد الشافي: يصفه بـ"ماكينة ثقافية" وقوة ناعمة من واقع تجربته الشخصية في أمسية شعرية بالمركز.
سميح السيد: يستشهد بأمانة سائق أوبر من أبناء المركز ليؤكد أنه يغرس أخلاق الرسول بعيدًا عن أي تيار سياسي.
شاعر الواو القنائي عادل صابر:
يعتبر مركز دندرة الثقافي من أعظم المراكز الثقافية في محافظة قنا، بل في جمهورية مصر العربية، ولن أكون مبالغًا لو قلت إنه عالمي. فهذا الصرح الثقافي يوفر مساحة إبداعية للمثقفين بمختلف توجهاتهم على مستوى الوطن العربي. فهو نقطة التقاء للمبدعين من جميع الأعمار، بهدف إبراز الوعي الثقافي والفني، بالإضافة إلى دعم الأجيال الجديدة من الفنانين والكتّاب والمبدعين.
منذ تأسيسه والمركز يحمل على عاتقه الكثير من ورش العمل التي تشمل الفنون التشكيلية والموسيقى والتمثيل، إلى العروض المسرحية والموسيقية التي تقدم للمجتمع فرصة للاستمتاع بمواهب محلية ودولية. إلى جانب هذه الأنشطة، ينظم المركز أيضًا ندوات ومحاضرات ثقافية تهدف إلى زيادة الوعي حول القضايا الثقافية والاجتماعية التي تؤرق المجتمع المصري والعربي.
والمركز لا يقتصر فقط على تقديم فرص للتعبير الفني، بل يساهم بشكل فعال في تطوير مهارات الكتابة والفنون الأدائية، ويساهم في تنمية مواهب الكتاب والشعراء الشباب من خلال ورش تدريبية ومسابقات أدبية. ومن أهم النشاطات التي يقوم بها مركز دندرة هو مشروع "قافلة الثقافة"، الذي يهدف إلى نقل الأنشطة الثقافية والفنية إلى القرى المجاورة، بالإضافة إلى مبادرات توثيق التراث المحلي، التي تساهم في الحفاظ على الهوية والجذور التراثية للجنوب.
أمّا فيما يتعلق بالتعاون مع المؤسسات الثقافية والتعليمية الأخرى، يعمل مركز دندرة بشكل وثيق مع وزارة الثقافة المصرية، والجامعات، والمدارس، بالإضافة إلى المراكز الثقافية الأخرى على مستوى مصر، بهدف تبادل الخبرات وتنظيم فعاليات مشتركة، مثل المهرجانات الثقافية وورش العمل الدولية لتبادل الثقافات مع الأقاليم الأخرى.
ورغم النجاحات التي حققها المركز، فإنه يواجه تحديات كبيرة تتعلق بنقص التمويل والموارد البشرية. ومع ذلك، يبذل المركز كل جهده لتجاوز هذه التحديات من خلال التعاون مع الداعمين للأنشطة والمشاركة المجتمعية، ويتم ذلك تحت قيادة الأمير هاشم الدندراوي، أبقاه الله وجعله طوق النجاة للذين عصفت بهم رياح الجهل في بحر الوجود.
أما بالنسبة للمستقبل، فإن مركز دندرة يخطط لتطوير أنشطته باستمرار، بما في ذلك إقامة مهرجان ثقافي سنوي يجمع بين الفنانين والكتاب من جميع أنحاء مصر، وتوسيع قاعدة المستفيدين من ورش العمل والمسابقات. المركز يطمح إلى تحسين البنية التحتية وتوفير بيئة أكثر تطورًا للمشاركين، بالإضافة إلى تعزيز التعاون مع الجامعات والمؤسسات الثقافية الدولية.
*الشاعر أشرف البولاقي
وحَفلت فعاليات المنتدى في كل دوراته بأمسيات شعرية، ولقاءات حوارية، ومحاضرات تثقيفية، وكانت هناك عناوين ومحاور لكل دورة من تلك الدورات، الأمر الذي جعل المركز – في تصور البعض - جزءًا من الحراك الثقافي، لكنه في تصورنا جزءٌ ثانوي أو هامشي، فالمنتدى يعقَد سنويًا، ورغم أن للمركز فروعًا في عدد من محافظات مصر إلا أن النشاط الثقافي الحقيقي المَعنِي بالكتابة والإبداع لا يأتي على الأجندة الرئيسية له، فالمركز والأسرة معًا مهتمان بالإنسان وبقيم (الخير) و(السعادة) و(الالتزام) التي جاءت عناوينَ أو مَحاور على بعض أنشطتهما، كما أن الملمَح القَبَلي الخاص بأسرة أو بأمير يجعل عند البعض تحفظًا قليلًا حول المشاركة، باعتبار أن الثقافة لا تعرف هذا النوع من الانتماءات العِرقية أو القَبَلية.
الأمر الذي يجعل تأثير المركز في الحركة الثقافية أقلَّ كثيرًا من اعتباره فاعلاً أو مؤثرًا، هو فاعلٌ ومؤثر في نواحٍ اجتماعية واقتصادية، لكن في الفعل الثقافي ليس كذلك – من وجهة نظري -.وفي الحقيقة، لا يمكن أن نحمّل المركز فوق طاقته، فالثقافة التي يرفع المركز شعارها ليست الثقافة التي نعرفها إلا في تجليها السنوي في المنتدى، بينما هو له فلسفة خاصة تنحو نحو التكريس للقيم الإنسانية والفضائل العامة التي أشرنا إلى بعضها، وهي ليست عيبًا ولا نقيصة، لكننا نشير إلى الفرق بينها وبين الفعل الثقافي المعني بالفنون والآداب، وسيظل المنتدى الثقافي السنوي واحدًا من أهم الأحداث التي يعتبر (الحشد) فيه أكبرَ عيوبه، فعدد الضيوف أكبر من قدرة القائمين على استثمار إبداعاتهم في فعاليات مثمرة ومؤثرة.
الكاتب عبد الناصر شاكر:
مركز دندرة الثقافي يترأسه الأمير هاشم الدندراوي، ومقره الرئيسي بقرية دندرة، محافظة قنا، وله فروع في بعض المدن والقرى في محافظة قنا والأقصر وأسوان. يهتم هذا المركز بالإرث الثقافي الجنوبي خصوصًا المصري عمومًا، ويقيم مؤتمرًا سنويًا يستضيف فيه المتخصصين بالموضوعات التي يناقشها المؤتمر، وكذلك تكريم الرموز الثقافية المؤثرة في المجتمع المصري عمومًا. تاريخ تأسيسه في نهاية التسعينيات من القرن الماضي، وتحديدًا في عام 1997م، كجمعية خيرية. أما أبرز الأنشطة فهي:
- منتدى دندرة الثقافي: ويقام سنويًا لمناقشة قضايا التنمية والهوية.
- منتدى دندرة الاقتصادي: وذلك لمناقشة وتعزيز الإدارة المالية.
- معرض قنا للتراث: وهو يهتم بكل ما هو قنائي من صناعات وأدوات تستخدم في البيئة القنائية.
د. السيد إبراهيم أحمد - رئيس قسم الأدب العربي باتحاد الكتَّاب والمثقفين العرب ـ باريس:
يخطئ من يظن أن كل فعاليات الأسرة الدندراوية تتعلق بالدين، كما يخطئ من يظن أنها تخلو من روح الدين؛ فهناك "مركز دندرة الثقافي" الذي هو مؤسسة أهلية مصرية بارزة تركز أهدافها على البناء الإنساني والتنمية الثقافية، فهي تمتد عبر أغلب محافظات مصر حتى صار يتبع المركز الرئيسي أكثر من ستين مكتبًا فرعيًا، ولذا فهي مراكز ثقافية وليس مركزًا واحدًا.
وتتمحور رؤية المركز الرئيس حول البناء الإنساني لتحقيق التماسك المجتمعي والتنمية المستدامة، حيث تعمل على ترسيخ أدبيات العمل من خلال برامج ثقافية وتنموية تشمل الوعي والإشراك المجتمعي، مع مشاركة قوية للنساء في الأنشطة والبرامج الخاصة بالأطفال.
ولقد وضع المركز العديد من البرامج الرئيسية المتنوعة، وهي: البرنامج الثقافي الذي يشمل إلقاء المحاضرات، وعمل الندوات، وإقامة ورش العمل، والمسابقات البحثية، والملتقيات الشعرية والأدبية، وبرنامج تنمية المهارات الذي يركز على التدريبات والقدرات الذاتية، وأخيرًا إطلاق المبادرات المجتمعية، مثل: مبادرة "المحبة والسلام" للأطفال، والقوافل الصحية والتعليمية لتعزيز التلاحم المجتمعي.
وقد شهدت الدورات الأولى العديد من الفعاليات التي غطت كثيرًا من الموضوعات، ولا تنسى برامج مركز دندرة الثقافي الطفل والمرأة؛ فقد أعدت لهم مبادرات تعليمية واجتماعية تركز على التنمية الإنسانية والتماسك المجتمعي، انطلاقًا من شعار: "علم بأخلاق + عمل بإخلاص = تنمية مستدامة"، وتم عمل برامج للطفل من خلال "مركز دندرة لتنمية الطفل" الذي يستهدف الأطفال من سن 3 إلى 6 سنوات، مع تقديم أنشطة مثل: الرسم والتلوين وألعاب تفاعلية لتعزيز الوعي وقبول الآخر، كما تركز "مدارس دندرة للتأصيل المعرفي" ـ وهي مدارس أخلاقية موازية ـ على تنمية القدرات التواصلية والمهارات، والفقرات الفنية.
رئيس نادي أدب دشنا الأسبق عبد الفتاح عبد الشافي:
من الأمسيات الجميلة التي شاركت فيها، هي مشاركتي في إحدى الأمسيات بمركز دندرة الثقافي (قنا). كان ذلك قبل تسع سنوات تقريبًا، بدعوة كريمة من المركز لأدباء وشعراء دشنا، وقد حظينا بحفاوة استقبال بالغة وكرم ضيافة من أدباء وشعراء مركز دندرة الثقافي وجمهورهم الكريم وجميع السادة المهتمين بالشأن الثقافي والأدبي بالمركز. كنا شعراء ومعنا أحد كتّاب القصة، وألقى كل منا قصيدة أو قصيدتين من أشعاره، وكذلك الكاتب القصصي تكلم عن الإبداع القصصي وكيف تكون كاتب قصة، مذكّرًا الحضور بأمثلة عن كتّاب القصة العالميين. لكن لم تكن الأمسية لمناقشة شيء بعينه، وإنما كانت للاستمتاع بالشعر والشعراء.
ومن الجدير بالذكر أن مركز دندرة الثقافي - قنا هو أحد فروع المركز المنتشرة على مستوى الجمهورية. هذه الماكينة الثقافية، إذا جاز التعبير، هي إحدى القوى الناعمة والمؤثرة التي تعمل على إثراء العقول بكل ما من شأنه رفع المستوى الفكري والثقافي، وإعلاء القيم والمبادئ الأخلاقية والدينية التي تربينا عليها وورثناها جيلًا بعد جيل، وذلك لنظل نحافظ على لغة الضاد، لغتنا العربية الجميلة، لغة القرآن الكريم، وأصالتها.





|