|
القاهرة 14 أبريل 2026 الساعة 03:20 م

حاورها: مصطفى علي عمار
تُعد الشاعرة د. شيرين العدوي صاحبة صوت شعري مميز وإنتاج أدبي غزير، وهي من أبرز الأصوات الشعرية في مصر والعالم العربي. تميزت بغزارة إنتاجها وتنوعها الثقافي، وتطل علينا اليوم في حوار شامل عن تجربتها الشعرية والثقافية.
هي لا تكتب الشعر فحسب، بل تتنفسه. كأن القصيدة وُلدت في حنجرتها قبل أن تُولد هي على الورق. شيرين العدوي اسم صار مرادفًا للدهشة. تمشي بيننا بجسد معلمة، وعقل أكاديمية، وقلب متصوفة، وروح أم حوّلت الفقد إلى أزهار لوز لا تذبل.
بين أكاديمية دار العلوم وميكروفون الإذاعة، بين صرامة العروض الخليلي وجنون الدفقة الشعرية، تكتب قصيدتها كأنها تصلي. في دار العلوم تشربت عمود الخليل، وفي الإذاعة المصرية روّضت الميكروفون حتى صار لها تلميذًا. بين التربية والتعليم وجامعة MSA، وبين "الأغاني" للأصفهاني و"أغانيها" هي للحياة، نسجت سيرة لا تشبه إلا نفسها.
حاصلة على دكتوراه في الآداب من جامعة عين شمس، وماجستير في التاريخ الإسلامي من جامعة القاهرة. جمعت بين التعليم والإعلام، وقدمت برامج إذاعية وتلفزيونية تركت أثرًا، أبرزها "تذوق الشعر" الذي علّم الناس كيف يرتشفون القصيدة لا كيف يقرؤونها فقط. نالت جوائز وتكريمات عدة، منها جائزة القرشي الشعرية العربية وجائزة أحمد شوقي في الشعر.
في هذا الحوار لا نسائل د. شيرين العدوي، بل نترك لها الباب مواربًا لتدخل ومعها اللغة كاملة: أسئلتها، وجعها، ضحكتها المكسورة، وانتصارها الأكيد على الموت بالكلمات. نتحدث عن اللغة حين تصبح جسدًا، وعن الشعر حين يطير بأجنحة الروح في زمن يزحف فيه الجميع. عن الفقد الذي صار ديوانًا، وعن ثقافة تبحث عن بوصلتها بين الرقمنة والهوية. عن أم أعطت ابنها للسماء وأبقت لنا ديوانًا اسمه الصبر.
-
عملتِ معلمة لغة عربية بالتربية والتعليم. حدثينا عن تجربتك كمعلمة ولماذا الانتقال للجامعة؟
بدأتُ رحلتي في محراب اللغة العربية بوزارة التربية والتعليم منذ عام 1994. كانت تلك السنوات بمثابة "التأسيس الوجداني"؛ حيث لم أكن أُدرس قواعد جافة، بل كنتُ أزرع في نفوس طلابي حب الإلقاء والشعر والحياة وفلسفة اللغة حتى حصدوا أعلى الأوسمة ونالوا أفضل الأماكن في الحياة. وانتقلتُ إلى رحاب الجامعة (جامعة MSA) عام 2011 لأنني آمنتُ أن الرسالة الأكاديمية تحتاج إلى فضاء أرحب يجمع بين "الصحافة" و"اللغة"، ولأبني جسرًا بين النظرية النقدية وبين عقول جيل شاب يحتاج إلى من يحرر مواهبه، كما فعلنا في "جمعية كتاب MSA". ولم يكن الانتقال لمجرد الانتقال، وإنما الانتقال كان خطوة تأخرت فبدأتها بالمدرسة، فلما اكتملت انتقلت للمكان الطبيعي الذي كنت أتخيل أن رسالتي ستزهر من خلاله. وقد نال طلابي أيضًا أرفع الأوسمة كجائزة "كان" التي حصل عليها أحمد الأشرفي، وكأحمد العشري الذي أصبح مخرجًا وكاتبًا شعريًا يُشار له بالبنان، وطارق باسم الذي أصدر عدة روايات، وغيرهم. وكمحمد عبده الذي أصبح باحثًا في العلوم ويقود كتيبة الإبداع والتغيير في كليتي التي عُيّن فيها وكُرّم من رئاسة الوزراء لبحوثه العلمية المغايرة. كلهم أصبحوا فاعلين مؤثرين.
-
ما هي أهمية اللغة في الشعر بالنسبة لك، وكيف تختارين الكلمات التي تعبر عن أفكارك ومشاعرك؟
اللغة عندي ليست وعاءً، بل هي "جسد" القصيدة ونبضها. أتعامل مع المفردة ككائن حي؛ أبحث عن تلك الكلمة التي لا تكتفي بالوصف، بل "تحدث ثقبًا في الذاكرة". الكلمات عندي تُختار بوعي يجمع بين "العروض" الخليلي الذي أدرسه بشكل دائم، فأنا أنسى العروض، ودائمًا أحتاج إلى معلم يذكرني بتفاصيل العروض، ولي تدريب أسبوعي على العروض لا أنقطع عنه أبدًا اقتداءً بشوقي وغيره من الشعراء الكبار، ولكني في السنوات الأخيرة توقفت عن التدريب لسفر أستاذي لبعض الدول العربية للعمل هناك، فموسيقى الشعر كالنوتة الموسيقية تحتاج دائمًا إلى تدريب، وأحاول أن أوازن دائمًا بين موسيقى الشعر وبين حرية "الدفقة" الشعرية التي تلامس الوجدان وتجعل من الحرف صلاة صامتة.
-
ما رأيك فيما يقولون إن الزمن زمن الرواية وليس الشعر؟
قيل الكثير عن "زمن الرواية"، لكنني أرى أن الشعر هو "سجل الروح" أثر الإنسان ووقع الحياة الأزلي الذي لا يشيخ. وقع الوردة ورقص الضوء. الرواية تمشي على الأرض، لكن الشعر يطير بأجنحة الروح. قد تتسيد الرواية المشهد السوقي، لكن في لحظات الكشف والدهشة والوجع الإنساني العميق، لا نجد ملاذًا سوى "ومضة" شعرية تختزل ألف صفحة. الشعر هو لغة الروح الباقية.
-
هل تمّ تهميش القصيدة العمودية أو قصيدة التفعيلة لصالح قصيدة النثر؟ إن المسألة أعقد من ذلك بكثير؟
المسألة أعقد من مجرد صراع أشكال. أنا ابنة "دار العلوم" التي تشربت عمود الشعر وتفعيلة الرواد، لكنني أيضًا منفتحة على "قصيدة النثر" وجماليات "الهايكو" كما في مجموعتي "بعض الربيع خريف" و"ليس شعرًا". القصيدة الحقيقية هي التي تفرض شكلها؛ فلا العمودي يضمن الشاعرية، ولا النثر يمنحك الصك بالذكاء والتفرد. العبرة دائمًا بالبناء الفني والقدرة على "دهشة" المتلقي. وبصمتك التي لا تتشابه مع أحد.
? هل أضفتِ للصحافة الثقافية شيئًا في رئاسة تحرير مجلة الكرمة التابعة لقصور الثقافة؟
في "الكرمة"، حاولتُ أن أجعل الثقافة "فعل حياة" لا مجرد نصوص مرصوصة. أردتُ أن تكون المجلة نافذة للأصوات الجديدة، تمامًا كما أفعل في مقالي بجريدة "الأهرام". الصحافة الثقافية بالنسبة لي هي "اشتباك" مع الواقع، وتنوير لعقل القارئ ليصبح شريكًا في العملية الإبداعية. كما قمت بالانفتاح على الآخر بتقديم ترجمات حقيقية لأشعار وقصص قصيرة للغة الإنجليزية فقد نقلت المحلية إلى العالمية. ولو أعطوني بعض المحررين وبعض الإمكانيات لقدت بها العالم. ولكن للأسف كنت أعمل فيها بمفردي تمامًا ليس معي إلا أديب واحد لا يتواصل مع التكنولوجيا فليس معنا حتى صحفي واحد وكنا بلا أي إمكانيات.
-
بصفتك دارسة لأبي الفرج الأصفهاني ماذا تقولين عن اتهامه بتزييف الروايات التاريخية مثل ادعاء الفجور في قصور هارون الرشيد وما شابه ذلك في كتابه بما يخدم غرضه الفارسي الشعوبي؟
من خلال دراستي المتعمقة في الماجستير عن "الحياة الاجتماعية في كتاب الأغاني"، أرى أن الأصفهاني لم يكن "مزيفًا" بقدر ما كان "جامعًا" بأسلوب أدبي. اتهامه بالشعوبية يحتاج لتدقيق؛ فهو مؤرخ للحياة اليومية بكل صخبها وتناقضاتها. "الأغاني" هو "رواية تاريخية كبرى" استطاعت أن تحفظ لنا ملامح عدة عصور من العصر الجاهلي إلى العصر العباسي والروايات التي أغفلها المؤرخون الرسميون. وقد أكملت المسيرة في الدكتوراه بالوقوف على كيف يتم تزييف الخبر التاريخي وصنع المروية التاريخية المؤسطرة. إن موضوع الدكتوراه أيضًا كان موضوعًا في غاية الأهمية وفتح الطريق أمام دراسات كثيرة عن كيفية استخدام الميثولوجيا كمصدر للتاريخ.
-
كتب عن تجربتك الشعرية كثيرون فأي ناقد اقتربت دراسته من واقعك الشعري فعلًا؟
أعتز بكل ما كُتب، لكن دراسة الدكتور صابر عبد الدايم حول "نظرية تعانق الفنون" في شعري، وقراءة الدكتور مصطفى الضبع عن "دوائر شيرين المتعددة"، هما الأقرب لروحي؛ لأنهما أدركتا أن شعري ليس مجرد كلمات، بل هو مزيج من الموسيقى، والرسم، والتاريخ الإنساني المثقل بالأوجاع والآمال.
-
كيف ترين تأثير تجربتك الشخصية على كتابة أشعارك، وهل تعتبرين أن الشعر وسيلة للتعبير عن الذات أم وسيلة للتواصل مع الآخرين؟
الشعر يبدأ من "الذات" لكنه لا يكتمل إلا بـ "الآخر". تجربتي الشخصية هي الوقود، لكنني أحول "الأنا" إلى "نحن". حين أكتب عن وجعي، أكتب عن وجع كل أم، وكل امرأة، وكل إنسان يبحث عن النور في دياجير العتمة. وعن أثر الحق في زيف الواقع، وعن رقة الروح في قسوة الجسد.
-
هل هناك شاعر أو شاعرة معينة أثرت فيك وألهمتك في مسيرتك الشعرية، وما هي الأسباب التي جعلتك تتأثرين به أو بها؟
أنا ابنة التراث والتحرر معًا. ألهمتني تجربة جزالة المتنبي، وعمق محمود حسن إسماعيل في تصوير الطبيعة، وجنون إميلي ديكنسون في أنسنة الأشياء، وجرأة أدونيس في مساءلة الوجود.
وكذلك غنائية لوركا واقترابه من البسطاء وقتامة بودلير، ورمزية باشو ورامبو، وتصوف طاغور، ومن ابن العربي للرومي. كل شاعر له صوته وله رؤيته ولي رؤيتي الخاصة. هؤلاء جميعًا علموني أن الشاعر نبي يرى ما لا يراه الناس، له عين تسمى البصيرة يستشرف بها المضمر والخفي.
أما تجربتي فهي تجربتي الخاصة التي تحمل ملامحي ورؤيتي.
-
كيف ترين تأثير تجربتك التعليمية والصحفية على كتابة أشعارك، وهل تعتبرين أن هذه التجارب أثرت على أسلوبك الشعري أو موضوعات أشعارك؟
التدريس علمني "الانضباط" و"الدقة"، والصحافة علمتني "التكثيف" و"الاشتباك مع اليومي". هذا المزيج جعل قصيدتي "أكاديمية في وعيها، وصحفية في نبضها"، فهي لا تنفصل عن قضايا المجتمع، وفي ذات الوقت تحافظ على رصانة اللغة وعمق الدلالة.
-
ما هي الصعوبات التي واجهتك في الانتقال من العمل الأكاديمي إلى العمل الإعلامي، وكيف استفدتِ من هذه التجربة في تطوير مهاراتك الكتابية والإعلامية؟
الأكاديمية صرامة، والإعلام مرونة. الصعوبة كانت في ترويض "المصطلح" ليصبح "لغة حوارية" تصل للجمهور، كما في برنامجي "تذوق الشعر" بإذاعة البرنامج الثقافي. استفدتُ من ذلك في جعل كتاباتي أكثر "إنسانية" وقربًا من وجدان الناس. لقد قدمت أكثر من 10 سنوات من خبرتي الأكاديمية والنقدية وحياتي للإذاعة المصرية وشهرت البرنامج وجعلت له مكانة، رسالتي كانت أكبر من برنامج أو أي مكانة ثقافية وُضعت فيها فقد كنت أعمل بروح المقاتلة في زمن يموت فيه النقد وتموت الثقافة.
-
ما هي رؤيتك لمستقبل الثقافة في مصر وكيف يُخطط لها؟
أرى المستقبل في "الرقمنة" والذكاء الاصطناعي مع الحفاظ على الهوية. يجب أن تتحول الثقافة من "مكاتب النخبة" إلى "شارع الشباب". نحتاج لتخطيط يدمج بين التراث التليد وبين تكنولوجيا العصر، وهذا ما أحاول ممارسته من خلال ندوات "الرقمنة" وأنشطة "اتحاد كتاب مصر" وأنشطة المجلس الأعلى للثقافة ففكرة كل يوم شاعر التي قدتها أثناء كارثة كورونا وحبسنا في البيوت ألقت الضوء على تجارب الشعراء وفتحت الآفاق ونبهت المجتمع الغربي لتراثنا الذي لا ينضب، وكذلك فكرة معجم الأدباء النقدي لكن المشروع لم يكتمل ولم أجد الدعم الكافي لعمل هذا المجهود الضخم فكرتي كانت ذات جوانب متعددة لم تتحقق وكذلك مبادرة كل يوم شاعر.
-
كيف استطعتِ أن تحولي الألم والفقد إلى شعر وإبداع وأن توازني بين الألم الفادح لفقد ابنكِ والإبداع الشعري؟ وهل كان الشعر لكِ للتعبير عن الحزن، أم وسيلة للتواصل مع الله والشكر على ما تبقى من الحياة والتعافي والاستمرار؟
رحيل ابني لم يكن "موتًا"، بل كان "انتقال رسالة". آمنتُ بأن لكل روح ميقاتًا، ورسالته على الأرض انتهت، بينما رسالتي في الإبداع لم تكتمل بعد. الشعر كان "عكازي" للوقوف ثانية، وصار وسيلة لـ "التواصل مع الخالق" وشكره على نعم الصبر والإبداع. مجموعتي "أربعة وعشرون ساعة" هي سيرة هذا الفقد وهذا الصمود؛ فالإبداع هو الطريقة الوحيدة التي ننتصر بها على الموت، ونحول بها الرماد إلى أزهار "لوز" لا تذبل.
|