|
القاهرة 14 أبريل 2026 الساعة 11:33 ص

بقلم: حسن غريب أحمد
?تسعى هذه الدراسة إلى تحليل تحولات البنية السردية في الرواية العربية المعاصرة من خلال مقاربة سيميائية تطبيقية لأعمال القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية لعام 2026. وتنطلق من فرضية مفادها أن هذه الأعمال تمثل انتقالًا نوعيًا من "السرد التمثيلي" إلى "السرد التأويلي"، حيث لم يعد النص يعكس الواقع بقدر ما يعيد إنتاجه عبر أنساق رمزية معقدة.
تركز الدراسة على محاور: الزمن، الذاكرة، الرمز، والغياب، بوصفها مكونات دلالية مركزية، كما تناقش العلاقة بين النص والمؤسسة الثقافية، مستلهمةً أطروحات كبار النقاد مثل سعيد يقطين، عبد الفتاح كيلطو، وجابر عصفور.
-
?أولاً: الزمن السردي وتشظي الوعي (مقاربة يقطينية)
?تُظهر الروايات المدروسة ميلًا واضحًا إلى تفكيك الزمن الخطي. في "أصل الأنواع"، لسعيد خطيبي، نقرأ: "لم أعد أعرف إن كنتُ أنا الذي أتغيّر، أم أن العالم يعيد اختراعي كل صباح".
هنا، وبالاستناد إلى أطروحة سعيد يقطين في كتابه "تحليل الخطاب الروائي"، نجد أننا أمام "تذويت سردي للزمن"؛ حيث لم يعد الزمن إطارًا ثابتًا، بل أصبح "بنية دلالية" فاعلة. سيميائياً، تتحول الذات من علامة مستقرة إلى "علامة سيالة" يعاد تشكيلها يومياً، مما يعكس اغتراب الإنسان المعاصر عن زمنه الخاص لصالح زمن خارجي ضاغط.
-
?ثانياً: الذاكرة وإعادة كتابة الماضي
?تحتل الذاكرة موقعًا مركزيًا، لكنها لا تؤدي وظيفة استرجاعية محايدة. في"منام القيلولة" لأمين الزاوي: في القيلولة، يعود كل شيء، لكن ليس كما كان… بل كما أراده النسيان".
يتفق هذا مع رؤية وجدان الصايغ حول "الذاكرة والمحو"؛ حيث يتداخل النسيان مع التذكر لإنتاج معنى جديد للماضي، مما يجعل التاريخ الشخصي بناءً سردياً مرناً يخضع لمتطلبات الحاضر وقلقه.
-
?ثالثاً: الغياب وإنتاج المعنى من الفراغ (رؤية كيلطو)
?في "غيبة مي" لنجوى بركات، يتحول الغياب إلى محور السرد: "كلما بحثنا عنها، وجدنا أنفسنا..".
هنا نطبق رؤية عبد الفتاح كيلطو في كتابه "الغائب"؛ حيث الغياب ليس عدماً، بل هو "حضور كثيف" يمارس سلطته على الموجودين. سيميائياً، تتحول "مي الغائبة" من مدلول نبحث عنه إلى "دال" (مرآة) تعكس هويات الشخصيات الباحثة عنها، مما يجعل من "الفراغ السردي" طاقة مولدة للمعنى الوجودي.
-
?رابعاً: الرمز والتناص: توسيع أفق الدلالة
?يُعد الرمز في "الرائي" لضياء جبيلي أداة نقدية بامتياز: رأيت ما لا يريد أحد أن يتذكّره".
تتقاطع هذه الرؤية مع مفهوم "شفرات النص" عند صلاح فضل؛ حيث يتم استدعاء الأسطورة وتوظيفها سيميائياً لفتح النص على مساحات تأويلية تتجاوز المباشرة السياسية، مما يمنح النص "روحاً إنسانية" عصية على التنميط الآلي.
-
?خامساً: الجائزة بوصفها فاعلاً ثقافياً (نقد الأنساق)
?لا يمكن تجاهل دورالجائزة في توجيه الذائقة.
وبالعودة إلى أطروحات جابر عصفور في "الرواية والاستنارة" وعبد الله الغذامي في "النقد الثقافي"، نجد أن القائمة القصيرة تكرّس أحياناً "نموذجاً سردياً مهيمناً".
إن تشظي الزمن، وهيمنة الرمز، وحضور القلق الوجودي، أصبحت تمثل "أفق التوقع المؤسسي" الذي قد يغري الكُتّاب بتبني هذه "الشفرات" لضمان الاعتراف.
وهنا يبرز السؤال النقدي: هل تكتب الرواية حريتها الإنسانية الخام، أم تعيد إنتاج "الموديل السردي" الذي تباركه المؤسسة المانحة؟
-
?خلاصة ورؤية استشرافية: نحو أفق إنساني متحرر
?تؤكد هذه المقاربة السيميائية أن الرواية العربية المعاصرة بلغت مرحلة متقدمة من النضج الفني، محولةً اللغة من أداة وصف إلى مختبر لإنتاج الوجود.
غير أن التحدي الحقيقي الذي يواجه "الروح الإنسانية" في السرد المعاصر هو الانعتاق من "سلطة النمط" التي قد تفرضها الجوائز الأدبية.
إن الاستشراف النقدي الذي نطمح إليه يتمثل في نص روائي "متمرد"؛ نص لا يكتفي بالاستجابة لمعايير لجان التحكيم، بل يكتب قلقه بصدق فطري، محولاً "الغياب" إلى تجلٍ، و"التشظي" إلى وحدة إنسانية عميقة. فالرواية تظل أعظم حين تكتب حريتها لا حين تعيد إنتاج شروط الاعتراف بها.
-
?سعيد يقطين: تحليل الخطاب الروائي: الزمن، السرد، التبئير، المركز الثقافي العربي.
-
?عبد الفتاح كيلطو: الغائب: دراسة في غياب المعنى، دار توبقال للنشر.
-
?جابر عصفور: الرواية والاستنارة، دار المدى.
-
?سعيد بنكراد: السيميائيات: مفاهيمها وتطبيقاتها، دار الحوار.
-
?عبد الله الغذامي: النقد الثقافي: قراءة في الأنساق الثقافية العربية، المركز الثقافي العربي.
-
?وجدان الصايغ: الذاكرة والمحو: قراءات في الرواية العربية المعاصرة، دار فضاءات.
-
?صلاح فضل: شفرات النص: دراسة سيميولوجية، دار الفكر العربي.
?
|