|
القاهرة 14 أبريل 2026 الساعة 11:32 ص

بقلم: أمل زيادة
سكان كوكبنا الأعزاء،..
ها نحن نلتقي من جديد.. مرّ أسبوع حافل بالأحداث، أعياد الربيع واحتفالات أخوتنا في الوطن بالأعياد.
ما أجمل أن تنظر لمصرنا من الخارج، تجد صورها مبهرة، جميلة، ملونة مزخرفة وهادئة كعادة صورنا على مواقع التواصل. نحرص على الظهور بالمظهر المتماسك والقوي والجميل الذي لا تهزمه الشدائد.
تتزين بلدنا في الأعياد تتلون وتغمرها البهجة والفرحة لذا شاركونا ذكريات الاحتفالات بأعياد الربيع وشم النسيم.
اذكر أننا في طفولتنا، كنا نحرص على الرسم على البيض وتلوينه ونحتفظ به لليوم الثاني حتى نريه لرفاقنا في المدرسة.
وبمرور السنوات ابتكرت الأمهات طرق تلوين آمنة، استخراج الألوان الطبيعية من الكركدية وقشر البصل وما شابه، لا أعلم ماذا يفعلون الآن، وإن كنت أظن أن التوجه العام في كل الأسر العودة للطبيعة وتقليد جيل الأوائل. أرى أن الحفاظ على روح الاحتفالات يحافظ على تراثنا ونفسنا قبل أن ذكرياتنا.
سكان كوكبنا الأعزاء،..
كونوا بخير، وشاركونا همومكم كما تشاركونا لحظاتكم التي قد تبدو هادئة. شاركونا أزماتكم لا لإثارة الشفقة بقدر التخلص من الأعباء وتخفيف الأحمال. حتى لا تكونوا ضحية لأهواء النفس الهدامة وفريسة لوساوس الشيطان.
دعونا نتفق أن الأوضاع الاقتصادية، ضاغطة على الأنفاس، تثقل كاهل كثيرين، هناك من يحاول التأقلم وهناك من يحسبها بالورقة والقلم لا يفلح. أذكر أني رأيت أبي يقوم بتقسيم مرتبه ونحن صغار على عدد أسابيع الشهر، وبالورقة والقلم لا يكفي راتبه لتغطية متطلبات الحياة لكن رغم ذلك كان يمر الشهر دون أن يقترض من أحد. سألته أمي يوما كيف تفعلها؟ قال: لست من أفعلها وإنما الله هو من يدبر أمرنا.. لذا دعوا كل شيء لله لأننا بكل ما حولنا وما بنا ملك لله، وهو وحده القادر على أن نعبر كل شيء مهما عظم.
سكان كوكبنا الأعزاء،..
شاهدت المقطع الخاص بانتحار الشابة من شرفة منزلها من الطابق الثالث عشر. ذكرتني بالشاب الذي قفز من برج القاهرة منذ سنوات
هذه المشاهد تظهر حزن عميق ووحدة شديدة وكرب عظيم.
لا ألوم أحدا، بل أشفق على الجميع، حتى المشاهدين لا لشيء، لأن من يرى هذه المشاهد لا يعود كما كان.
الشاب الذي قفز من البرج علقت ملابسه بالحديد المحيط بالبرج في فرصة أخيرة للتراجع عن قراره لكنه بمنتهى الثبات قام بتخليص ملابسه ليتحرر تماما ويحلق للسماء، كذلك فعلت "بسنت" ظلت عالقة، متمسكة بالسور ثم أفلتت يدها.
أتفهم تماما ما شعروا به من خذلان وقلة حيلة، لكن أتفهم أيضا كم القلوب التي تركت وحيدة، تعاني وجعًا لا يُشفى.
خلف هذا الشاب هناك أم مكلومة ووراء بسنت طفلتين لا عائل لهما.
لا أعرف ما مصيرهما، لكن أعي كمّ الضياع الذي ينتظرهما، فهما بلا أم مصدر الأمان الأبدي وأب وهمي لا يعرفون عنه سوى الاسم.
منذ عدة سنوات حدثتني إحدى السيدات المتعففات، تخبرني بأنها طلقت من زوجها وأنه تركها بلا مأوى، تعيش وحيدة مع ابنها.
تركت المدينة وعادت للأرياف، لبيت العائلة للبقاء به.
لم تر يوما راحة، نازعها أخوتها وأخرجوها عنوة، فقامت باستئجار بيت صغير في بلدة مجاورة، تراكم عليها الإيجار وكسر التسع شهور..!
قالت: سأترك ابني في أمانتك وسأقف على شريط القطار.
لا أملك شيئا وصاحب البيت يريد نقوده.
هدأتها ولجأت للمسجد المجاور لبيتي فورًا.
قابلت الشيخ استمع إلي باهتمام وجاء رده: آسف جدا نحن لا نقدم عونا إلا لمن يسكن في المنطقة أو محيطها، هن أولى.
اتصلت بها لتشرح له حقيقة الوضع مبديه استعدادها لإثبات كل شيء عن حقيقة وصعوبة الوضع.
نصحها أن تتجه لأقرب مسجد تقيم بالقرب منه أو تذهب لمسجد الفتح بميدان رمسيس.
صعقت مما سمعت.. أخبرته أنها من المتعففات وأنها لن تتمكن من فعل ذلك، كون أهل الأرياف يعرفون بعضهم بعض، قال لا حل إذن سوى التوجه لمسجد الفتح.
لكم أن تتخيلوا مدى خيبة الأمل التي أصابتني أنا قبلها، تأتي من بلدها لتعرف إذا كان سيتم مساعدتها أم لا، غير مكترثة إذا كانت تملك نقودا تكفي للسفر أم لا.
اتخذت قراري في لحظة، استخدمت وسائل التواصل الاجتماعي وكتبت عن وضعها وتم سداد المبلغ بفضل الله وأهل الخير.
لكم أن تتخيلوا كم امرأة مثلها، كم امرأة تواجه المجهول، تركت وحدها يجافيها النوم ليلا، كم امرأة مثلها لا تجرؤ على البوح بمشكلتها.
وكم من زوج أنجب ورمى ولا يعرف شيئا عن أبنائه.
ومثلما يوجد من هن على شاكلتها هناك نماذج أخرى، كم من زوج طلق زوجته ويستميت ويفني نفسه من أجل تأمين متطلبات حياتهم وهم لا يقدرون. لا يريدون رؤيته بالأساس وإذا تقابلوا قابلوه بفتور!!
كم هي مخزية هذه الحياة. كم هي مزيفة مثل صورنا، تتجمل وتكذب على الجميع.
سكان كوكبنا الأعزاء،..
لا أعلم كيف يتم تدارك هذه الأمور أو كيف يتم حلها. لكن أطالب بتوفير وسائل تواصل خاصة مع أصحاب هذه الأزمات من خلال دور العبادة بسرية تامة.
سكان كوكبنا الأعزاء،..
عذرًا على جرعة الحزن التي ينبض بها مقال هذا الأسبوع، لكن الأمر لم يعد من الممكن السكوت عنه.
لذا أحب أن أذكركم جميعا أنكم لستم وحدكم، إذا شعرتم يوما أن الدنيا تغلق أبوابها أمامكم، ابحثوا عن الأقرب وتحدثوا معه، وشاركوه أحزانكم، الكلمات لها مفعول السحر.
كونوا عونًا بعضكم لبعض في هذه الأيام الثقيلة، وكونوا دائمًا وأبدًا بخير، وإلى اللقاء.
|