|
القاهرة 14 أبريل 2026 الساعة 11:31 ص

بقلم: أحمد فاروق بيضون
يُقال أن رجلاً أتى بوذا وسأله: "أنا أريد السعادة"، فكان ردّ الأخير عليه: "أولاً عليك بأن تزيح ضمير المتكلم (أنا) لأنه يرمز إلى (Ego) الإيجو والكبرياء؛ ثمَّ امحُ تلك "أريد" لأنها تستدعي Desire الرغبة؛ سترتأي بأنَّ (السعادة) Happiness هي التي ظلت في نهاية المطاف.
"جراهام جرين" بحث عن مفهوم السعادة في رواياته وأكد بأنها عابرة وترتبط ارتباطاً وثيقا بمفردات الألم والبحث عن معنى، مشيراً على سعادة الاحتراق حيث يجد الفرد نفسه قيد حالة من الاحتراق الروحي والبحث الحثيث عن السلام الداخلي في ظل عالم ضبابي مضطرب.
نقضي أعواما مديدة للبحث عن ضالة السعادة ونتسلق درجات السلم علَّنا نتأتّاها، ربّما من خلال التبضع وكل جديد نشريه، وكأنها أصبحت بضاعة مزجاة؛ هكذا – ندركُ بأننا لطالما حاولنا في استدراك مفهوم لتحقيق السعادة أو الدوبامين، لطالما تباعدت المسافات لنصل غاياتنا وتتجذر مطالبنا عن نسقها المعهود، هذا لأننا لم نعرف معنىً للقناعة والرضا والسلام الذاتي، دوماً ما يستدني الإنسان السحاب ويرتجي بلوغ ذرا الفضاءات لتحقيق إشباعه، لكنَّ المعاناة الحقيقية بلا مراء ليست فيما ينقصنا بلْ أن عقولنا الراجحة تصرُّ على أننا لم نبلغ الكمال وتتمة الرغبة بعد.
هممتُ إلى كتاب فن التخلي The Art of Letting Go تحدُّني تلك العبارة التي لخصت كل شيء: "هدئ من روعك ولا تفكر ملياً أو تساورك الظنون، حاول الحدّ من مسببات القلق وتحكم في ذاك الرُّهاب الذي يطالك من جراء تلك الأفكار السلبية للماضي التليد، فتّش عن سلامك وسعادتك".
وقفتُ عند عتبة عدة محاور بينها دائرة القلق وأساسات الاستبصار وإعادة تأطير الأفكار السلبية بالإيجاب والذكاء الوجدانيّ وأساليب ضبط الرهاب وبناء مفهوم الصمود والعزيمة والتخلي عن تبعات الدهر الراسف وغرس بذور سلام داخلي وأدلجة الخطوات للتطور الدائم في هذا المسار؛ فوجدتُّني أتنفس الصعداء وأنا أستذكر ما أورده الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه عن التقوى: (الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل)، لأجد النواة التي انتويتُ غرسها في نفسي، ناهيك عن تلك الاستراتيجيات التي استلهمتها مما قرأت ولكنني آمنتُ بأن التخلي دوما هو النجاة من أجل غاية أسمى؛ كونك في عالم متخبط ومعالم عبثية وخلائق تتقلب أمزجتهم.. لابدّ أن تدرك بأنك استثنائي كروح تستحق أن تحيا وتمخُر في يمّ الوجود مهما بلغ المدُّ أوجه، فعليك أن تركن للفضيلة والجسارة وتدع المقادير تجرى في أعِنّتها، فكل دمعة تنسكب وكل بسمة تمسدُ ثغراً هو ما بلور وتمفصل في تلك النسخة الرائعة التي أنت عليها آنذاك، فالطريق أمامك للعبور والدرب يخطّ رحلتك ومحاولاتك بين أفراح وأتراح وبين سقطات ونجاحات، فأنت وحدك هو من تصنع الفارق طالما تنتهبُ الخطى الوثابة للأمام ولم ولن تتقهقر...
نحن كبشر مجبولون على التخلي، سجيتنا سيماها التسامح والقبول، لا تعرف مسلكاً لإطلاق الرغبات للسيطرة والهيمنة، نسعى للانفصال العاطفي الآمن والتعامل مع المواقف الحرجة، لكننا نفشل ونحقق إخفاقاً ذريعاً في خلق تلك المساحة الآمنة أثناء التعامل مع الآخر، الأمر الذي بدوره يحضه على الابتزاز أو الانكسار، التخلي هو المناص الأخير للتحرر من الأعباء والعادات المغلوطة المرهقة للنفس، التخلي عن تلك المثبطات التي تزهق المرونة النفسية ولكنها على النقيض تحررنا من قيود نفوسنا الأمَّارة وهواجسها وبروق مطامعها التي تستنزف آخر رمق للنقاء والتطهير، بات جلياً أن كوكبنا الأرضي على المحك بعدما سادت شريعة الغاب واستشرت شريعة البقاء للأقوى، لك أن تتخيل إذا كان التخلي هو أسلوب حياة لسائر الكائنات على وجه البسيطة.. كيف سيصبح حاضرنا وكيف سنستشرف مستقبلنا؟.. لا ريب بأن "التخلي" عن البحث عن تلك الإجابات قد يكون توقاً للنفس لدى كل كائنة وكائن؛ ولكنَّ انطفاءة نَزق التأكد من وجود أجوبة لتلك الأسئلة الكونية استحال تطبيق نظرية (التخلي) وأصبح أمراً ملحاً لتستمر الحياة والعلاقات إما في دساتير الواقع أو محاريب الخيال!
|