|
القاهرة 13 أبريل 2026 الساعة 12:49 م

كتب: د. جمال الفيشاوي
أقيمت الدورة الخامسة والثلاثين من مهرجان أيام الشارقة المسرحية، برعاية وحضور الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى وحاكم الشارقة، ورئاسة الفنان أحمد أبو رحيمة مدير إدارة المسرح بدائرة الثقافة، مدير أيام الشارقة المسرحية، والتي تعد من أبرز التظاهرات الثقافية المسرحية في المنطقة، بهدف احتضان الطاقات الإبداعية في مختلف عناصر العرض المسرحي.
بالإصرار والعزيمة وبدقة في التنظيم وكحائط صد وسط التوترات العالمية أقيمت هذه الدورة حيث مر العالم بعدة معوقات كانت بدايتها أزمة الحرب التي تمر بها المنطقة، ولكن انتصر الفن، وانطلقت الدورة في الميعاد المخصص لها في مواجهة حتمية للتحديات، حيث أن الفن أهم وسيلة تعبير وتواصل بين مختلف الشعوب والحضارات، وخلال فاعليات الدورة وبسبب سوء الأحوال الجوية وتغير المناخ الذي يمر به العالم، شهدت الإمارات العربية المتحدة عواصف وأمطار شديدة أثرت على بعض مواعيد فاعليات المهرجان، ولكن بالإدارة الحكيمة والمرونة في إدارة الأزمات واتخاذ القرارات السريعة الصائبة، قامت إدارة المهرجان بقيادة الفنان أحمد أبو رحيمة رئيس أيام الشارقة المسرحية ومعاونيه بإعادة جدولة فاعليات العروض وضبط الإيقاع الزمني لكل الفاعليات دون أي ارتباك، فكل التحية والتقدير لهم على هذا العمل المؤسسي المتناغم.
سلطت هذه الدورة الضوء على إبداعات مسرح الإمارات، وتنقلت عروض هذه الدورة بين تجارب مختلفة، تحمل رؤى إخراجية متباينة، تعكس نبض المسرح العربي وتطوره، وقدمت العروض على مسارح قصر الثقافة، وبيت الشعر (1)، وبيت الشعر (2)، ومن هذه العروض سبعة داخل التسابق، وأربعة أخري خارج التسابق، وعرضان استضافة من عروض مهرجان كلباء للمسرحيات القصيرة.
ومن عروض المسابقة:
جار إختيار عنوان
قدمت فرقة المسرح الحديث بالشارقة العرض المسرحي جار اختيار عنوان من تأليف تغريد الداود وإخراج إبراهيم سالم، وتطرح المسرحية معاناة الفنان المسرحي الذي يؤمن بذاته ويحاول إثبات وجودة في تحد بين طموحه الدائم لدعم مشروعه الفني وحالته المادية التي توفر له عيشة بسيطة يستطيع أن يسدد إيجار المسكن ويأكل ليستكمل حياته ويواصل طموحه، وهي ظاهرة أصبح يعاني منها الفنانين في الوقت الراهن في أي بلد وليس في المسرح فقط بل في الفنون الأخرى مثل السينما أو التليفزيون أو في الموسيقى والغناء أو غيرها من الفنون حيث تقلص دور المؤسسات الثقافية في احتضان المواهب في ظل العالم المادي الذي يتعامل بأن المال هو المتحكم في كل شيء ولا يهم أن تقدم خدمات لبناء الإنسان دون مقابل مادي وليست الأولوية أيضا أن تهتم بالجودة والبناء والاستثمار في الإنسان طالما سيعود عليك أي شيء حتي لوكان رديئا بالمكاسب المادية، ونتعرف من خلال العرض المسرحي على قصة مجموعة من الفنانين عبارة كاتب وممثل وممثلة وموسيقى يشكلون قوام فرقة مسرحية يتم طردهم حيث أنهم عجزوا عن سداد إيجار المسرح ويصبحوا مشردين في الشارع بلا مأوى، وليس لديهم أي مصدر رزق، فيظهر لهم مدير سيرك ويحاول إقناعهم بالعمل في السيرك بحجة أن السيرك فن أيضاً ، ولكنهم ورغم اعتراضهم ونظراً للحاجة يقبلوا العرض، ولكنه بعد فترة يطردهم ويعودوا مرة أخرى للشارع، لكنهم في هذه المرة يريدون التسول حتي يحصلوا على قوت يومهم.
قام المخرج إبراهيم سالم بتقديم حالة إبداعية اعتمدت على كوميديا الموقف، وقام برسم صورة بصرية بتجريد خشبة المسرح ورسم حركة الممثلين باستخدامه لمقدمة خشبة المسرح على أنها تمثل شارع افترشه الممثلين عندما طردوا من المسرح، ومثل عمق المسرح مكان لتقديم فقرات السيرك.
نظراً لبساطة فكرة العرض تفاعل معها الجمهور، ووظف المخرج في معظم أوقات العرض الإضاءة العادية للإنارة لتوضح مدى المعاناة التي يعيشها الممثلين، واستخدم بعض الإكسسوار وملابس المهرجين المضيئة في الظلام أثناء أداء فقرات السيرك.
من عروض خارج التسابق:
تخيل
قدمت فرقة جمعية أبو ظبي للفنون الشعبية والمسرح العرض المسرحي تخيل تأليف أحمد الماجد ومن إخراج مرتضى جمعة.
يتناول فكرة العرض فكرة العنف البشري بوصفها لغة العصر السائدة، وذلك من خلال رجل يعيش مع زوجة في قرية ما لا يتعامل أهلها إلا ب"الصراخ" بينما يرفض الزوج هذا الأسلوب بوصفه لغة همجية لا تليق بالتعامل الإنساني متمسكاً بلغة العقل والمنطق، الأمر الذي يجعله منبوذاً وعرضةً لموجات من القهر من أهالي القرية الذين يحاولون إخضاعه وإجباره على تبني لغتهم ، مستخدمين زوجته – بعد السيطرة عليها – وسيلة للضغط عليه
عالج مخرج العرض هذه الأحداث بأسلوب تعبيري رمزي حيث يوسع الدلالات لتنسحب على الوضع العالمي المعاصر والاحتقان الذي يمر به العالم، فقد رمز بالصراخ معبراً عن لغة الحرب في دلالة على ترويض أهل القرية، وقد وظف عناصر العرض المختلفة بشكل واعي لتفسير مقولاته.
تجسد الديكور في أريكة وضعت في بؤرة المسرح، لتتحول بمرونة إلى فضاءات متعددة؛ فهي تارة سرير الزوج الذي يصارع فوقه هواجسه وأفكاره المزعجة، وتارة أخرى منصة قضاء يجلس عليها أهل القرية لمحاكمته، وصولاً إلى كونها أداةُ للملاحقة والمراوغة بهدف إخضاعه، ويبدو أن المخرج قد تعمد هذا الاختزال البصري ليعكس حالة الفراغ الروحي والشتات الذي يعصف بالإنسان المعاصر.
أما الأزياء فوظفت ألوانها المتناقضة للتعبير عن فئات الشخصيات المختلفة فنجد "أهالي القرية" يرتدون زياً عبارة عن سترة وبنطلون ذو لون ترابي يميل إلى الأصفر قليلاً ليعبر عن الاستسلام والاستكانة، أما القوي المسيطرة القاهرة ارتدت سترة وبنطلوناً لونها أسود لتعبر عن مدي الظلم، وكان على النصف الأيمن لملابسهم رسومات مزركشة بألوان مختلفة لتجميل هيئتهم برغم ما يضمرونه من شر للأخرين، أما الزوج فكان يرتدي سترة وبنطلوناً ذو لون أزرق قاتم أشبه بملابس المساجين ليدل على أنه سجين لأفكاره.
برزت الإضاءة كأحد أبطال العرض الفاعلين في رسم المشهدية الجمالية والدلالية؛ إذ وُظفت خطوط الضوء بأشكال هندسية متعددة – من مثلثات ومربعات ودوائر – لتعريف البيئات المكانية وحالاتها الشعورية، ففي الاستهلال الدرامي ومع انفراج الستارة ينبثق شعاع ضوئي رأسي من سقف المنصة متخذاً شكل مثلث ليرسم على الأرض دائرة ضيقة يقبع في مركزها الزوج؛ مجسداً بذلك حالة الانغلاق الذاتي والعزلة الوجودية عما حولة، فظهر نائما على سريره يعاني من الضغوط التي تلاحقه، وفي مشهد آخر يظهر داخل شعاع ضوئي يرسم على خشبة المسرح شكل قاعدة مستطيلة ليعبر عن وجوده داخل قفص الاتهام بقاعة المحكمة، ولذلك استغنى المخرج عن الإنارة العامة واعتمد على جدلية الضوء والظل ليعبر عن أماكن مختلفة.
أما الموسيقي فكانت مستلهمة من الموسيقي العالمية، وعبرت عن تباين الأحداث، ففي لحظات عبرت الكمان عن أنين ومعانة الزوج، وفي لحظات آخري استخدم عزف البيانو العنيف بموسيقاه الصاخبة للتعبير عن ممارسات القهر على الزوج .
وظف العرض التعبير الحركي في مشاهد عديدة لتجسيد قهر الزوج وملاحقته، وكذلك في تصوير إخضاع الزوجة من قبل أهالي القرية، كما استثمر المخرج الأقنعة لتعكس تشوه وجوه القرويين الذين انصاعوا لقوى القهر؛ مما يدل على هزيمتهم النفسية ومسخ هويتهم، وفي لمسة إخراجية لافتة، أسقطت مجموعة من الأقنعة من السوفيتا (Soffit) واحداً تلو الآخر، تعبيراً عن حصاره الهواجس والأفكار التي تطارد الزوج داخل عقله الباطن.
أما الأداء التمثيلي فقد اتسم بالتناغم، حيث اجتهد كل ممثل في تقديم دورة بصورة جيدة ضمن روح الفريق الواحد.
من عروض مهرجان كلباء للمسرحيات القصيرة:
أنت لست غارا
غار رجل يتسم بالصفات السيئة، لكنه بين عشية وضحاها يصبح رمزاً من رموز المجد في بلدته بعدما اعتقد بعض أصدقاءه القدامى الذين أصبحوا في قمة السلطة السياسية أنه قد مات شهيداً في أرض المعركة وهو يدافع عن وطنه واقاموا له تمثالاً في وسط المدينة تخليدا لذكراه وبطولاته الحربية، وغيروا اسم بلدتهم على اسمه لتصبح غارا تابور، والحقيقة أن غارا لم يمت في المعركة، كما أنه لم يتواجد في أرض المعركة من أجل الدفاع عن بلده وشعبه، بل كان هرباً من زوجته الخائنة باحثاً عن الموت الذي لم يحظ به، وعندما عاد غارا فجأة إلى بلدته يصدم بالواقع الذي حصل ويواجه من كانوا وراء ذلك، محاولاً العودة إلى حياته الطبيعية، ويعترف أنه ليس بطلاً فيعارضه المسئولين عن المدينة ويحاولون إثناءه عن موقفه ويكمل قصة البطولة ويبقى اسمه ممجداً ، وعندما يصر على موقفه، يتم قتله لتحيا الأسطورة حتي ولو كانت مزيفة.
تجسد الديكور في وجود عدة مكعبات وضعت في منتصف عمق المسرح ووضع عليها تمثال مغطى بالقماش يمثل تمثال غارا، مع وجود مكعبان من الخشب على شكل بوفان يجلس عليهما بعض الممثلين أثناء العرض.
اعتمد العرض على أداء وحركة الممثلين ولذلك بدأ ساكنا على مستوى الصورة البصرية، وتباين الأداء التمثيلي حسب طبيعة كل شخصية، وكان الإيقاع مضطرباً وبطيئا في بعض فترات من العرض بسبب الاعتماد الكلي على الحوار وطبعته الجدلية الكاشفة للشخصيات.



|