القاهرة 10 أبريل 2026 الساعة 11:55 م
حاورتها: د. هويدا صالح

تُعدّ الكاتبة الرومانية دوينا روستي واحدة من أبرز الأصوات السردية المعاصرة في أوروبا الشرقية، حيث تمزج في أعمالها بين العمق التاريخي والخيال الجامح، لتخلق عوالم روائية تنبض بالحياة والرمزية. في روايتها اللافتة *«كتاب الأطباق الخطِرة»*، تنسج روستي سردًا غنيًا يتقاطع فيه الواقع مع السحر، والتاريخ مع الأسطورة، مستحضرةً أجواء بوخارست في القرن الثامن عشر بكل ما تحمله من تحولات وتناقضات.
في هذا الحوار الخاص مع مجلة "مصر المحروسة"، نقترب من عوالم دوينا روستي الإبداعية، ونستكشف رؤيتها لفن الرواية، وعلاقتها بالتراث والأسطورة، فضلًا عن تأملاتها في قضايا الهوية والأنوثة والترجمة. كما تكشف لنا عن أسرار الكتابة لديها، وكيف تتشكل شخصياتها النسائية القوية، وما الذي يعنيه أن تُكتب رواية تقف على الحد الفاصل بين اللذة والخطر.
حوار يفتح أبواب المطبخ السردي على مصراعيه، لنكتشف كيف تتحول الحكايات إلى وصفات، والذاكرة إلى نصٍّ حيٍّ يتجاوز الزمان والمكان.
• في روايتكِ "سِفر الأطباق الخطِرة" نلمس تداخلاً بين الواقعية السحرية والفضاء التاريخي لبوخارست في القرن الثامن عشر. كيف نجحتِ في تحقيق هذا التوازن بين الدقة التاريخية والخيال المرتبط بالوصفات والتعاويذ؟

تزخر كتب العصور الوسطى في مجالات علم النبات والطب الشعبي وعلم الحيوان بكمّ هائل من الوصفات الغريبة، حتى إن كتب الطبخ نفسها تحمل في جوهرها بعدًا سحريًا. استلهمتُ بعض هذه الوصفات من تلك المصادر، فيما استمددتُ البعض الآخر من التراث العائلي. فعلاج الحزن، على سبيل المثال، يعود إلى ابن سينا، بينما خبز الهندباء هو وصفة موروثة عن جدتي.
• لا يظهر الطعام في الرواية كحاجة بيولوجية فحسب، بل كلغة ودلالة على السلطة والمشاعر. لماذا اخترتِ المطبخ تحديدًا ليكون مسرحًا لهذا الصراع؟
في الحقيقة، جاء اختياري للمطبخ بشكل شبه عفوي. صادفتُ وثيقة من أواخر القرن الثامن عشر تتحدث عن اختطاف طاهٍ شديد الموهبة، وقد أثارت هذه الحكاية فضولي ودَفعتني للكتابة. ومع التقدم في العمل، وجدت نفسي منجذبة أكثر إلى العوالم الأسطورية التي يختزنها المطبخ.

• تمتاز كتابتكِ بكثافة بصرية لافتة. هل كان للسينما أو الفنون البصرية تأثير في تشكيل صورة "بوخارست المفقودة" في نصوصكِ؟
على العكس تماما، فمصدر هذه الكثافة البصرية لا يرتبط بتأثير السينما، بل بذاكرتي البصرية الحادة. لذلك تنبثق الحكايات لديّ على هيئة مشاهد نابضة، قد تمنح انطباعًا سينمائيًا دون أن تكون مستمدة منه.
• تُرجمت الرواية إلى لغات عدة، من بينها الإنجليزية. كيف تنظرين إلى نقل الخصوصية الثقافية الرومانية إلى قارئ عالمي؟ وهل تخشين فقدان بعض الدلالات في الترجمة؟
لا أشعر بقلق كبير تجاه الترجمة، لأنها تعتمد في جانب منها على الحظ. هناك مترجمون متميزون قادرون على الارتقاء بالنص، وقد حالفني الحظ بالعمل مع بعضهم. وفي النهاية، تظل الترجمة عملًا مستقلًا ينتمي إلى المترجم، بينما أبقى أنا في الخلف بوصفـي الأصل.

• برأيكِ، هل نجح الأدب الروماني المعاصر في تجاوز عزلته والوصول إلى القارئ الغربي؟
ليس تمامًا. فالأدب في عصرنا أصبح جزءًا من منظومة واسعة من الترويج والتسويق، وهي التي تتحكم إلى حد كبير في فرص الترجمة والانتشار. أما الأعمال التي تفتقر إلى الدعم المادي، فغالبًا ما تتلاشى سريعًا ولا تجد طريقها إلى البقاء.

• كيف ينعكس عملكِ الأكاديمي والبحثي على خيالكِ الروائي، خصوصًا في ما يتعلق بالفلكلور الروماني؟
لطالما أسرتني الأساطير، خاصة غناها البصري الذي لا ينضب. وقد ألّفتُ معجمين في الرموز، وخلال تدريسي في كلية السينما أنجزتُ عدة أعمال مستوحاة من الرمزية الرومانية.
• تبدو شخصية "باتكا" محمّلة بدلالات رمزية عميقة. هل يمكن اعتبار الرواية رحلة بحث عن الهوية في عالم ذكوري تقليدي؟
باتكا فتاة يتيمة، ومن الطبيعي أن تسعى لاكتشاف جذورها. وهي أيضًا صغيرة السن وتواجه أخطارًا متعددة، فضلًا عن كونها امرأة في القرن الثامن عشر، حيث كانت أوضاع النساء أكثر قسوة مما هي عليه اليوم. ومع ذلك، فهي تشبه بطلاتي الأخريات: مستقلة، وقد تميل أحيانًا إلى التمرد.
• غالبًا ما تمتلك شخصياتكِ النسائية قوى خفية أو معرفة باطنية. هل يعكس ذلك التراث الروماني أم رؤيتكِ الخاصة لدور المرأة؟
شخصياتي النسائية قوية، مستقلة، ومقاومة، وغالبًا ما تخفي قوة داخلية. أؤمن بأن الأنوثة ترتبط بالقدرة على التأثير، لكن ليس كغريزة فطرية، بل كنتاج للعقل. شخصياتي تميل إلى التفكير العميق، وحتى الحدس الأنثوي، في رأيي، هو شكل من أشكال الاستنتاج العقلي.

• اخترتِ القرن الثامن عشر زمنًا لأحداث الرواية، وهو عصر مليء بالتحولات. ما الذي يجذبكِ إلى هذه الفترة، وما الذي يمكن أن تقوله عن حاضرنا؟
يمثل هذا القرن بداية تشكّل الحداثة في رومانيا، ولذلك كان مثيرًا لاهتمامي. لقد كان زمنًا يتجه نحو الانفتاح والتحرر والتأثر بالغرب.
• في أعمالكِ تداخل بين مفهومي "اللذة" و"الخطر". هل ترين أن الأدب الحقيقي هو الذي يضع القارئ في هذه المساحة الملتبسة؟
لا أستطيع الجزم بذلك. بالنسبة لي، تظل متعة السرد وبناء الحكاية هي الأساس.
• بعد النجاح الذي حققته رواية "سِفر الأطباق الخطِرة"، ما الذي تعملين عليه حاليًا؟
صدر مؤخرًا عملي الجديد "انف بولغار"Nas de bulgar ، وهو امتداد لرواية "فيرينيكه"Ferenike التي تتناول موضوعي الحب والهوية، كما أستعد للقيام بجولة أدبية داخل البلاد.

