|
القاهرة 09 أبريل 2026 الساعة 02:28 م

بقلم: أحمد محمد صلاح
أسلفنا القول أن بيكون قد اشتغل بالسياسة وتدرج في المناصب حتي كاد يحقق حلم أفلاطون عن الملك الفيلسوف، وساعدته تلك المناصب أن يشحذ فكره، وأن يقترب من صنع القرار، وأن تتمرس فلسفته، فلا يصبح مجرد موظفا يترقي سريعا، بل فيلسوفا يضع فكرا مجددا في الفلسفة، وأن تلتقي المعرفة والنفوذ في شخص واحد كما حلم أفلاطون.
وضع بيكون أسس جديدة في البحث، فلقد كانت الفلسفة طوال العصور الوسطي قائمة على أساس خاطئ لا يمكن أن يؤدي إلى علم جديد، فقد اتخذت الفلسفة في العصور الوسطى القياس المنطقي لتأييد المذاهب والآراء، ويقول زكي نجيب محمود:
(القياس المنطقي وسيلةٌ عقيمة في كثيرٍ من وجوهه؛ لأنك مُضطر أن تُسلِّم بمُقدماته تسليمًا لا يجوز فيه الشك)، فمهما أمعنتَ في البحث والاستنتاج فأنت محصور في حدود المقدمات التي سلَّمتَ بها بادئ بدء.
لذلك يرجع الفضل إلى بيكون في أنه أول من وضع أسس التجريب والملاحظة، مما يعد ثورة فكرية كبيرة في ذلك الوقت، مع هدم كل أسس البحث البالية، مشترطا أن تستخدم ببطء وحذر شديدين، ولعل البطء والحذر في منهج بيكون هو القاعدة في منهجه، ففلاسفة العصور الوسطي كانوا يقومون بالملاحظة ثم يقفزون إلى النتائج والأحكام الكلية سريعا، كان المنهج العلمي يعد ضعيفا إلى حد كبير مما أثر على الكثير من النظريات.
بدا بيكون في فلسفته بتقويض أو هدم أو دحض المفاهيم القديمة كلية وأكد على ضرورة تطهير العقول من التعصب والجمود، واللجوء للتفكير السليم والتخلص من الأوهام الباطلة التي حددها في أربعة أوهام تؤثر علي سلامة التفكير وهي: أوهام الجنس، أوهام الكهف، أوهام السوق، أوهام المسرح.
أما اوهام الجنس فالمقصود بها من وجهة نظر بيكون تلك الأخطاء التي غرست في طبائع البشر بصفة عامة، فالزعم بأن مقياس الحقائق بما يملك الإنسان من إدراك حسي أو عقلي فهو أمر خاطئ، لأن الانسان يدرك بعقله وحواسه ما تصوره له عقليته التي هي في النهاية كما يقول بيكون نفسه "مرآة تعكس صور الاشياء تماما كما هي، ولكنها مرآة ملتوية تمزج الصور نفسها بصورة الأشياء التي تصدر فتصيبها بالفساد والتشوية".
أي أن الادراك الحسي مختلف من شخص لآخر، فالسيارة التي أركبها واشعر أنها مسرعة قد لا تكون كذلك لشخص آخر يستقلها معي وهو متعجل لأمر ما، وهكذا، وهنا يتقدَّم بيكون إلى الناس عامة وطلاب العلم خاصة بهذا النُّصح «ليأخذ كلُّ طالبٍ لعلم الطبيعة بهذه القاعدة … وهي: إنَّ كل شيء يتعلق به العقل ويُصِر عليه ويطمئنُّ إليه ينبغي أن يوضع موضع الشك»، «ولا يجوز أن نسمح للعقل بأن يثِبَ أو يطير من الحقائق الجزئية إلى القضايا العامة الشاملة … لا ينبغي أن نُمِدَّ العقل بالأجنحة، بل الأولى أن نُثقله بالأغلال حتى نحُول بينه وبين القفز والطيران.».
أما أوهام الكهف، فيقول بيكون: «إن لكلِّ إنسان … مغارة أو كهفًا خاصًّا به يعمل على كسْر أضواء الطبيعة والتغيير من لونها.»، والمقصود أن لكل إنسان شخصية، هي كهفه، الشخصية التي تكونت في بيئة وطبيعة وتربية معينة، ومختلف العوامل التي تحدد الشخصية وتختلف باختلاف الأفراد، فبعض العقول تلجأ إلى التحليل المنطقي والملاحظة والاستقراء مثل العلماء، وعقول أخرى تلجا إلى البناء والتركيب مثل الفلاسفة والشعراء، والبعض الآخر يتسم بالجمود، إذا فرانسيس بيكون يضع أهم مبدا في البحث العلمي وهو التجرد والحياد.
أما أوهام السوق فيقصد بها تلك التي تنشأ في أذهان العامة، فهم يجتعون في السوق (على حد تعبيره) ويتبادلون الأحاديث غير العلمية في أمور علمية فتعطل العقل وتضع نظريات خاطئة .
أما عن أوهام المسرح فيقول ذكي نجيب محمود: "وفي العقل فوق ذلك كله أوهام قد انحدرت إليه من مذاهب الأقدَمين وعقائدهم، وقد أطلق بيكون على هذا الضرْب من الأخطاء اسم أوهام المسرح، مُشيرًا بذلك إلى أنَّ الأنظمة الفلسفية التي يتلقَّاها كل جيلٍ عن أسلافه ليست إلَّا روايات مسرحية تُمثِّل أكوانًا خلقها الفلاسفة بفِكرهم خلقًا كما يخلُق الروائي أشخاص روايته وحوادثها، فليس العالم الذي يُصوِّره أفلاطون مثلًا إلا عالمًا بناه هو وصوَّره كما شاء له عقله وخياله، وقد لا يتَّفِق مع الحقيقة الواقعة في شيء" .
وقد تجتمع هذه الأوهام في شخص واحد أو وهما أو أكثر في شخص واحد، هذه الأوهام التي حددها بيكون لتكون أقفال العقل وأحبال جمحه، وكانت خطه خروجه من هذه الأوهام بهدمها جميعا، والبدء مرة أخري بمنهج التجريب والملاحظة البطيئة، فكان عن حق فرانسيس بيكون هو مؤسس علم التجريب الحديث.
|