|
القاهرة 07 أبريل 2026 الساعة 12:04 م

كتب: عصام محمد حسين
في كل عام، يأتي شم النسيم خفيفًا مثل نسمة ربيعية، لا يطرق الأبواب بصخب، بل يتسلل بهدوء إلى تفاصيلنا اليومية. لا يحتاج إلى استعدادات معقدة، ولا إلى طقوس ثقيلة، فقط فسحة صغيرة من البهجة تكفي.
لكن ماذا لو اعتبرناه تدريبًا بسيطًا على مهارة أكبر: أن نعرف كيف نحتفل بالحياة نفسها؟
في هذا اليوم، يخرج الناس إلى الحدائق، يجلسون على الأرض، يضحكون بلا سبب كبير، ويتشاركون أشياء بسيطة. كأنهم يتفقون – دون أن يقولوا – على أن السعادة لا تحتاج إلى مناسبة ضخمة، بل إلى قلب مستعد أن يراها.
شم النسيم ليس مجرد عيد، بل تذكير سنوي بأننا نستحق التوقف. أن نبطئ قليلًا، أن نرفع رؤوسنا نحو السماء، وأن نلاحظ أن العالم ما زال قادرًا على أن يكون جميلًا رغم كل شيء.
وربما تكمن فكرته الأجمل في أنه لا يخص فئة دون أخرى، ولا يرتبط بعقيدة أو طبقة. هو مساحة مفتوحة للجميع، كأن الطبيعة نفسها تدعو الناس إلى هدنة قصيرة مع القلق.
في زمن يركض بسرعة، يصبح هذا اليوم أشبه بزر “إعادة ضبط”. نعود فيه إلى أبسط معاني الوجود: ضحكة، شمس، لون، وصحبة طيبة.
لهذا، قد يكون شم النسيم أكثر من مجرد تقليد قديم… قد يكون درسًا صغيرًا في كيف نعيش، لا فقط كيف نحتفل. طريقة المصريين في الاحتفال صورة تحقق هذا المعنى الأسمى، فيأتي شم النسيم كل عام، محمّلًا بطقوس تبدو للوهلة الأولى عادية: أطعمة موروثة، خروجات عائلية، وطقوس بسيطة تتكرر بلا تغيير كبير. لكن خلف هذه التفاصيل، تكمن فكرة أعمق بكثير: حب الحياة كما هي، دون تعقيد.
في هذا اليوم، لا يبحث المصريون عن الرفاهية بقدر ما يبحثون عن المشاركة. يجلسون في الحدائق، على الأرصفة، أو حتى على ضفاف النيل، وكأن المكان نفسه ليس هو المهم، بل الحالة التي تجمعهم: رغبة صافية في أن يكونوا معًا.
الفسيخ والرنجة، رغم بساطتهما، ليسا مجرد طعام، بل طقس جماعي يحمل ذاكرة ممتدة. أما البيض الملوّن، فيبدو كأنّه إعلان طفولي بأن الفرح يمكن صنعه بأبسط الأدوات. حتى الخروج إلى الهواء الطلق ليس رفاهية، بل تأكيد على أن الطبيعة شريك أساسي في هذه البهجة.
ما يميز شم النسيم حقًا، أن هذه العادات لا تُمارس كواجب، بل كاختيار متجدد. في كل عام، يعيد المصريون اكتشاف قدرتهم على الفرح، ليس من خلال أشياء استثنائية، بل عبر تفاصيل مألوفة يمنحونها معنى جديدًا.
وهنا، يتحول العيد إلى أكثر من مناسبة؛ يصبح تعبيرًا جماعيًا عن فلسفة غير مكتوبة: أن الحياة تستحق أن تُحب، حتى في أبسط صورها.
في زمن يميل إلى التعقيد والسرعة، تظل عادات شم النسيم تذكيرًا هادئًا بأن الفرح لا يحتاج إلى أكثر من وقت، ورفقة، وقلب مستعد أن يرى الجمال فيما اعتاده.
|