|
القاهرة 07 أبريل 2026 الساعة 11:57 ص

كتب: د. جمال الفيشاوي
برعاية وحضور الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى وحاكم الشارقة وأحد أهم رعاة المسرح العربي، أقيمت الدورة الخامسة والثلاثين من مهرجان أيام الشارقة المسرحية، والتي تعد من أبرز التظاهرات الثقافية المسرحية في المنطقة، واحتضان الطاقات الإبداعية في مختلف عناصر العرض المسرحي، وبحضور كبير لفنانين وباحثين مسرحيين من مختلف أنحاء الوطن العربي، وحضور جماهير عريضة من أبناء الإمارات والمقيمين فيها على مسرح قصر الثقافة، ويعتبر الإصرار على تقديم هذه الدورة تحد كبير نظرا للظروف التي تمر بها المنطقة، وينتصر الفن البنّاء الذي يهدف إلى الجمال والتعبير عن النفس على الحرب التي تخلف وراءها الخراب والدمار.
كرّم الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي حاكم الشارقة وعضو المجلس الأعلى في حفل الافتتاح الفائزين في جائزة الشارقة للتأليف المسرحي "نصوص مسرحية للكبار" 2025 – 2026م، وفاز بالمركز الأول مريم عبد الله مبارك من سلطنة عمان عن نص "وصية قبل أن أولد"، والمركز الثاني أحمد عبد الله راشد عن نص "وجني على نفسه" من دولة الإمارات، والمركز الثالث بدر الحمداني عن نص "المحطة" من سلطنة عمان.
عقب الافتتاح قدّم العرض المسرحي التونسي الهاربات والفائز بجائزة سمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي لأفضل عرض مسرحي (الجائزة الكبرى) في الدورة السادسة عشرة من مهرجان المسرح العربي التي استضافته مصر في يناير 2026م.
سلّطت هذه الدورة الضوء على إبداعات مسرح الإمارات بتقدم أربعة عشر عرضاً مسرحياً منهم سبعة عروض داخل التسابق وهم: "نصف ليلي" لمسرح خورفكان للفنون من تأليف أحمد الماجد وإخراج إلهام محمد، "غياهب الروح " لجمعية كلباء للفنون الشعبية والمسرح من تأليف عبد الله إسماعيل عبد الله وإخراج عبد الرحمن الملا، "سنعيدها سيرتها الأولى" لمسرح الشباب للفنون تأليف وإخراج علي جمال، "قاموس الاختفاء" لجمعية ياس للثقافة والفنون والمسرح من إعداد وإخراج مهند كريم، "سونا" لمسرح دبي الأهلي من تأليف طلال محمود وإخراج مروان عبد الله صالح، "هير قرموشة" لمسرح الشارقة الوطني تأليف إسماعيل عبد الله وإخراج محمد العمري، "جار اختيار عنوان" لجمعية الشارقة للفنون الشعبية والمسرح/ المسرح الحديث بالشارقة من تأليف تغريد الداود وإخراج إبراهيم سالم،
وأربعة عروض أخرى خارج التسابق وهم: "تخيل" لجمعية أبوظبي للفنون الشعبية والمسرح من تأليف أحمد الماجد وإخراج مرتضى جمعة، "حين اختارت الروح" الوقوف لفرقة مسرح أم القوين الوطني من تأليف عبد الله إسماعيل عبد الله وإخراج عيسى كايد، "أرض اليابس" لمسرح الفجيرة من تأليف نائل الجرابعة وإخراج فارس البلوشي، "حقائب فارغة" لجمعية دبا للثقافة والفنون والمسرح من تأليف محمد سعيد الطنحاني وإخراج إبراهيم القحومي.
هذا بالإضافة إلى عرضين استضافة من عروض مهرجان كلباء للمسرحيات القصيرة وهم: "أنت لست جارا" من تأليف عزيز نسيم وإخراج حميد محمد عبد الله، "من غير يقين" من تأليف أوغست ستريندبرغ وإخراج فيصل موسى.
حلّ ضيفًا على هذه الدورة ملتقى الشارقة الرابع عشر لأوائل المسرح العربي، الذي يحتفي سنوياً بمتفوقي المعاهد والكليات المسرحية العربية، ويتيح لهم فرصة مواكبة فاعليات الأيام المسرحية، والتعرف إلى المشهد الثقافي المحلى، كما ينظم لفائدتهم مجموعة من المحاضرات والورش التدريبية والزيارات الثقافية، بمشاركة نخبة من أعلام وأساتذة المسرح العربي.
تشكّلت لجنة تحكيم عروض التسابق برئاسة المخرج الدكتور "عجاج سليم" من سوريا، وعضوية كلٍ من : الفنانة الموسيقية والأستاذة الأكاديمية دكتور "رانيا يحيى" مصر، الفنان التشكيلي ومصمم الديكور "وليد الزغابي" الإمارات، الكاتب "مفلح العدوان " الأردن، المخرج "حاتم دربال" تونس.
اختمت هذه الدورة يوم الثلاثاء الموافق 31 مارس 2026م، وتوج حفل الختام بتكريم الفنان الكويتي محمد جابر الفائز بجائزة الشارقة للإبداع المسرحي العربي في دورتها التاسعة عشرة، وتكريم الفنان جمال السميطي بمناسبة اختياره الشخصية المحلية المكرمة في هذه الدورة.
تم إعلان جوائز التسابق لهذه الدورة التي عكست تنوعاً لافتاً في التجارب المسرحية وتنافساً قوياً بين العروض المشاركة وسط حضور فني وثقافي عربي، وحصد عرض "هير قرموشة" لمسرح الشارقة الوطني تأليف إسماعيل عبد الله وإخراج محمد العمري على جائزة أفضل عرض مسرحي متكامل، وحصل إسماعيل عبد الله على جائزة أفضل تأليف مسرحي، ونالت عن العرض نفسه سارة السعدي جائزة أفضل تمثيل دور أول، كما حصل وليد عمران على جائزة أفضل ديكور، وماجد المعيني على جائزة أفضل إضاءة، وحصلت إلهام محمد مخرجة عرض "نصف ليلي" على جائزة أفضل إخراج مسرحي، وعن العرض نفسه فاز كلٌّ من بدرية آل علي جائزة أفضل ممثلة دور ثان، وأماني بلعج على جائزة الفنان العربي المتميز، ونصرة المعمري بجائزة أفضل مكياج، بينما حصل عبد الله الخديم عن دوره في عرض "قاموس الاختفاء" على جائزة أفضل ممثل أول، وحصل شعبان سبيت على جائزة أفضل ممثل ثاني عن دوره في عرض " غياهب الروح"، وعن العرض نفسه حصل إبراهيم الأميري بجائزة أفضل تأليف موسيقي ومؤثرات صوتية، كما حصلت عبير الجسمي على جائزة أفضل أزياء وإكسسوار، وحصل منصور الزعابي على جائزة أفضل ممثل واعد عن دوره في عرض "جار اختيار عنوان"، وحصلت فرقة مسرح دبي الأهلي على جائزة لجنة التحكيم الخاصة عن عرض "سونا".
نبذة عن بعض عروض المهرجان
- هير قرموشة
كتب المؤلف إسماعيل عبد الله نصه هير قرموشة عن النص المسرحي زيارة السيدة العجوز للكاتب الألماني فريدريش دورينمات، ويمثل النص المسرحي لدورينمات في جوهره استكشافًا جادًا للجانب المظلم للإنسانية في قناعتها بأن المال هو من يحدد الأخلاق، أو كما تقول إحدى الأمثال الشعبية المصرية الشهيرة "الفلوس تُغير النفوس"، فالمال يستطيع تغيير أخلاق البشر ويظهر الجوانب السلبية فيهم ويكشف عن معادنهم الحقيقية.
كلمة الهير في تراث الخليج تعني مغاصات اللؤلؤ أي المكان في قاع البحر (مكان الغوص)، وكلمة قرموشة يشير في الفن أو التراث إلى اللباس التقليدي أو الشخصية في القصص والأعمال الفنية التراثية، ويعد عرض هير قرموشة تلاحما إبداعيًّا صاغ فكرته الكاتب القدير إسماعيل عبد الله، ورسم ملامحه البصرية والإبداعية الفنان المتألق محمد العمري، وجسده على الخشبة بوهج متميز الفنان القدير أحمد الجسمي ونخبة من المسرحيين المبدعين، والعرض مصنوع بطريقة تجذب المتلقي بها لمحة الكوميديا، وعلى الرغم من اختلاف الثقافات واللهجة استطاع كل الحاضرين في صالة العرض من البلاد العربية المختلفة التواصل مع العرض وفهم رسالته ومضامينه حيث قدم عرضًا ملحميَا بروح إماراتية ينم عن ثقافة الدولة وموروثها، حيث اشتغل المؤلف على التراث وبعض أشكال الفنون الأدائية الشعبية، وبلهجة محلية دمج فيها بين الواقع والخيال، وقدم صراعًا رمزيًا بين الحق والباطل.
قدم العمري صورة بصرية متميزة اعتمد فيها على قطع ديكور ذات أحجام كبيرة، لكن تم استغلالها بصورة متميزة، تتجمع وتنفرج وتوضع مقابلة لبعضها بعضاً ليتغير شكلها في دلالة على تغير المكان، وتوظيف الإضاءة وتوجيهها نحو مركز الحدث لتساهم في تغير المكان، والأزياء التي تعبر عن التراث المحلي والتي تعبر عن تواصل الأجيال، والموسيقى كانت حية منها الطبول، والأصوات الطبيعية للبشر وكذلك بعض الأصوات من الأدوات الذي يستخدمها الإنسان في الحياة مثل الهون الذي يدق فيه الطعام.
- غياهب الروح
العرض لجمعية كلباء للفنون الشعبية والمسرح من تأليف عبد الله إسماعيل عبد الله وسينوغرافيا وإخراج عبد الرحمن، وتدور فكرته حول مدى قدرة الإنسان على مواجهة الذات، ويعالج العرض الجانب الوجودي للإنسان، ويتناول الصراع بين السلطة بأشكالها المختلفة والمجتمع، ويطرح قضايا كثيراً ما نغضّ الطرف عنها، باعتبارها مصدراً للقلق، وتهيباً من المكاشفة، أو حتى الجرأة في الاقتراب من هذه القضايا والمضامين.
عاش المتلقي في أجواء الأساطير التي من الممكن أن تسقط على الواقع المعيش بشكلٍ أو بآخر، وكان الديكور عبارة عن قفص معدني ذي قبة نصف كروية يتحرك على عجل يمثل قفصًا طقسيًّا، وأحياناً ينقسم إلى قسمين يعبر أحدهما عن منزل وأحياناً كسجن، وعززت الإضاءة المناخ الطقسي حيث سيطر اللون الأحمر طوال فترات العرض.
أجاد كل ممثلي العرض- كلٌّ في دوره- بنسب متفاوتة في إطار الشخصية التي يلعبها.
- نصف ليلى
يشير عنوان النص إلى كلمة نصف، والنصف هو أحد جزئي الشيء، وليلى اسم أنثى علم، ولهذا الاسم دلالة في المفهوم العاطفي والأنثوي في الذهنية العربية، ويعنى ذلك أن هذه المرأة تعيش حياة منقوصة غير مكتملة، وتدور في منطقة رمادية تتجاذبها ثنائية الواقع والخيال بين ما هو حقيقي وكائن وما تتمناه ليلى، حيث تستدعي سيلاً من الذكريات عن الذين مضوا وتفرقت بهم السبل من أحباب، كما يطل العرض على عوالم مثل الحب والمرأة التي تعاني من تشظي نفسي كبير، وهذه المرأة تتخيل امرأة أخرى تتحدث معها بصورة صراعية تكشف عن حياة مأساوية، حيث إن العمل يتناول مواضيع تمس معاناة الفرد وتطلعاته المقموعة في عالم اليوم، فالعرض ممتلئ بالقضايا والأفكار عن علاقة الرجل بالمرأة، فيناقش قضية المرأة والقمع الذكوري بصورة مختلفة قدمته المخرجة بمنهج تفكيكي يبحث عن ما وراء ذلك القمع، كما يركز العرض بشكل أساسي على الإنسانية في واقع متغير، فالتحولات الكبيرة تؤثر في البشر خاصة في عصرنا الراهن.
العرض المسرحي نصف ليلى لا يستند على حكاية تقليدية لها بداية ووسط ونهاية، حيث قامت المخرجة بتفكيك الحكاية لصالح الحالة الدرامية من خلال التخلص من القيود الزمنية والخطية، فلم تعرض الأحداث بترتيبها المنطقي، لكنها ركزت على تكثيف اللحظات الشعورية، وهذا الأسلوب جعل الجمهور يعيش حالة الضياع والتشتت التي تعانيها ليلى، مما جعل المتلقي شريكاً في هذه الحالة الشعورية، إذ غلبت الرؤية التجريدية، والاستعانة بالصورة والرمز، على الكلمة، فالعرض يميل إلى التجريب والرمزية والعبث أحياناً، وقد استخدمت المخرجة كل أدواتها من عناصر العرض المسرحي لتحقيق رؤيتها، فنجدها اعتمدت على لغة الجسد، والأداء الانفعالي والتعبير الحركي لتعميق الحالة النفسية التي تمر بها ليلى ، وجعلت الفضاء المسرحي مقسم إلى قسمين، أحدهما علوى، والآخر سفلي امتد إلى الصف الأول من مقاعد الجمهور، هذا الفراغ لا يمثل مكاناً واقعيا بل يمثل الداخل النفسي لليلى، فكانت قطع الديكور رمزية، وكانت الإضاءة ناعمة، ولعبت دوراً درامياً حيث عبّرت عن الخلجات النفسية ولحظات العتمة، وخيوط الضوء، وعملت على تأكيد إظهار أقسام الفضاء المسرحي، وقامت بالدمج بين الواقع والحلم مما خلق حالة جمالية عالية.
قُدمت من خلال العرض بعض الأغاني المعروفة لدى الجمهور ومنها يا حبيبي لأم كلثوم، و يا مسافر وحدك لعبد الوهاب، وكلمات لماجدة الرومي التي تم استدعاؤها من سياقها المعتاد وأعيد صياغتها لتصبح جزءًا أصيلاً من النسيج الدرامي للعرض.
تميز أداء الممثلين -كل في دوره- حيث يعتبر العرض في المقام الاول قائمًا على حرفية الممثل، وعلى الرغم من أجواء الغموض إلا أن العمل وجد تجاوباً كبيراً من قبل الجمهور.






|