|
القاهرة 07 أبريل 2026 الساعة 11:49 ص

بقلم: حاتم عبد الهادي السيد
يُعدّ الأدب مرآةً للإنسان ووعيه، وهو في جوهره تعبير عن منظومة من القيم التي تشكّل البنية العميقة للنصوص الأدبية. ومن هنا تتجلى أهمية "علم الأكسيولوجيا"؛ بوصفه فرعًا من الفلسفة يُعنى بدراسة القيم وأنساقها. وتكمن إشكالية هذه القراءة في الكشف عن طبيعة العلاقة بين الأدب والقيم، وكيف يمكن توظيف "الأكسيولوجيا" في بناء مقاربة نقدية تتجاوز الشكل إلى المضمون القيمي، عبر تجاوز المفاهيمية، والنظريات الأدبية، لنربط الفن بالفلسفة، والشعر بماهية الحياة، ونجاوزهما إلى الأبستمولوجيا، والفورمونولوجيا، والهرمنيوطيقا، والأيديولوجيا؛ والسيموطيقا، وغير ذلك.
هذا ويتضح أن العلاقة بين الأدب وعلم الأكسيولوجيا علاقة تكاملية؛ فالأدب يمثل المجال التطبيقي للقيم، بينما تمنح الأكسيولوجيا الأدوات النظرية لفهمها. ومن ثمّ فإن توظيف هذا العلم في النقد الأدبي- كما أرى- يفتح آفاقًا جديدة لتحليل النصوص، ويجعل النقد الأدبي، أكثر ارتباطًا بالإنسان وقضاياه. وتلك -لعمري- نظرة تجديدية، من شأنها أن تطور النقد المعاصر، بعيداً عن التأويل، مستشرفين نظرية مفادها : " إن النص يطرح منهاجيات قراءاته، عبر نظرة تكاملية؛ تتداخل فيها الأجناس، والأنواع الأدبية لإنتاج "نظرية ما بعد حداثية"؛ لعلم القراءة الأدبية !!
تبدو الإشكالية الحقيقية هنا في الكشف عن طبيعة العلاقة بين الأدب وعلم الأكسيولوجيا، وكيف يمكن توظيف القيم في تحليل النصوص الأدبية؛ خصوصًا أن الأدب لا يأبه بالقيمة كأساس بنائي، كما أن الأدب ينطلق من مقولة عالمية مفادها: إن الإبداع ليس له حدود، ولا يعتد بالقيم أو الأخلاق، أو الأديان؛ والأيديولوجيا، فهو عابر ومتجاوز لكل ذلك، فيعبر الذات والكون والعالم والحياة، وقد يبحث في المتناقضات والأضداد، ليتغيا التحرر الذاتي، والعاطفي، والاجتماعي، وكل شىء. فكيف سيسهم النقد القيمي في تطوير النقد الأدبي؟ وكيف سنعبر هذه الإشكالية لنوازن بين الفن والفوضى الشعورية، لإنتاجية اليقين عبر اللايقين، والمعنى عبر ظلال المعاني، وما بعدياتها الممتدة ؟!
من هنا كان علينا أن نرى كيف تؤثر التكنولوجيا في تغييب الوعي؛ وفصل الإنسان عن واقعه عبر التخييل، وواصفات السرد اللامتراتب، والمتشظي عبر منمنمات المعنى للنص الممتد. حيث يهدف هذا المنظور "المابعد- سيميوطيقي" إلى رصد كيف يبني النص الروائي حقيقته الخاصة، بعيداً عن السرديات الكبرى؛ التقليدية؛ والمنطق، والفلسفة، وعلوم البلاغة الجديدة كذلك .
ولكن؛ لا يمكن أن تقوم نظرية ما بعد الحداثة - فيما أرى- إلا باستدعاء نظرية الفن للفن- من جهة، والفن للحياة -من جهة أخرى؛ لتبرز وظيفة الأدب، وأهميته في تشكيل الوعي المتناقض لفلسفة ما بعد الحداثة الشعرية. وإلا فكيف نفسر النصوص في ضوء غيبيات وطلاسم، وتناقضات لا تتغيا التوتر داخل النص الأدبي، أو تنتج المعنى المُتَعَقَّل- المفاهيمي.
من هنا كانت معضلة ما بعد الحداثة- كما أرى- التي أفسحت للنص التماهي عبر الكون، وما بعد الميتافيزيقا، وقماشة اللغة التأويلية؛ دون أن تضع ضوابطَ تفرق بين النص وتحليقاته التخييلية، والمعني الذي يفرق بين الشعر والجنون، وبين اللغة وتهويمات التداعي والتشظي، والعدمية !
إن الأكسيولوجيا (Axiologie) هي العلم الذي يدرس علم القيم : المثل العليا، والقيم المطلقة ومدى ارتباطها بالعلم وخصائص التفكير العلمي باعتبار المعرفة العلمية واحدة من أهم فعاليات النشاط الإنساني؛ وأرقاها. وهي أحد المحاور الرئيسة الثلاث في الفلسفة: (وهي مبحث علم الوجود/الأنطولوجيا، ومبحث نظرية المعرفة/الأبيستيمولوجيا، ومبحث القيم/الأكسيولوجيا).
تبحث علوم الاكسيولوجيا في القيم : الحق والخير، والجمال، وهي علوم معيارية تحوي المنطق والجمال والأخلاق. ولقد تأسست الحداثة وفق أسس وضعية تؤمن بفكرتي: التطور، والتقدم المبنيتان على الماضي؛ في الوقت الذي تنفصل فيه عنه وفق رؤية، وحالة علمية للمجتمع والمعرفة والثقافة كأسلوب للحياة نحو الإبداع والتمايز الفردي. لذا فقد نادت الأكسيولوجيا والعلوم التجريبية بالمساواة، والحرية، والإيمان بقدرة الإنسان( كونه مركز الحياة والكون والعالم، وكل شيء)، وإعلاء شأن المعايير التقويمية؛ نتيجة العقلانية التي يوجهها المنطق؛ مما جعل الإنسان يتصور نفسه:"مركزاً يكتشف الكون من خلال نظريات بنائية كبرى، أو بنيات تشمل الأجزاء بعيداً عن الميتافيزيقا"، حيث يصبح العالم وحدة مرتبطة "بالسببية" و"الحتمية"، ويصبح العالم كُلَّاً؛ كاملاً فيه، ويدلل إلى وجود خالق كوني قدير. وهو الأمر الذي حاولت نظريات ما بعد الحداثة تجاوزه، أو تخطيه بقصدية- كما أزعم-عبر مقولات موت المؤلف، وموت الناقد، وموت النص؛ لذا تم إقصاء الأكسيولوجيا لتثبيث فكرة لاهوتية، لا تؤمن بوجود خالق، أو معنىً، وتنسب للطبيعة تماهيها، وديمومتها اللامتناهية، وترفض أفكاراً مثل: اليقين، والبرهان، والحقيقة، لتثبيت اللاقيمة، واللامعنى، والعدمية، عبر لا منطقة الفكر، وإبعاد التأمل، والتفكير في الغيبيات والحقائق الكبرى. وبالتالي تختفي الثنائيات: الذات والموضوع؛ الدال والمدلول، الشكل والمضمون، الإنسان والوجود. فهي لا تنظر إلى المادة الدينامية" العجينة الأولى"؛ و"النسبية المطلقة"،أو الإله الخالق العظيم.
وفي يقيني إن نظرية ما بعد الحداثة لم تنتج جدوي وجودها، رغم انحرافها، ويسرها لقيم التوقع، والمألوف، وتنحيتها لوظيفة الأدب التى تتماس مع " أنسنة الوجود والعالم" لفهم الحقائق الكبرى الإنسانية من خلال مَنطَقَة النظرية، لا تشتيتها للمفاهيمية العامة، بعيداً عن العقل والمنطق، حيث الكل يشكل الأجزاء، التي تصنع أنطولوجيا الإنسانية التي تنحو نحو الفطرة، لا أن تُشَظِّي كل شىء؛ ضد منطق الإيمان والقيم، كي لا تؤطر للمخيال، وللشعرية العالمية براحاتها الكبرى، داخل نظام دينامي مترابط، مدهش ومثير، وجميل أيضاً.
لقد غاب عن واضعي نظرية ما بعد الحداثة - كما أرى- فكرة أن الأدب يخاطب العاطفة، وأقحموا الأفكار الغربية، في تسيير ديناميات النص- بحسب النظرية وتموضوعاتها- لينحرفوا عن منظومة القيم التي يحملها النص الأدبي- وإن تعارضت مع فكرة الأديان- وتجاوزت القيم والأخلاق، للغوص في "أدب الصمت والسكون"؛ و " الإيروتيكا"، و " أدب الجسد"، وغير ذلك. ومع أن هذه الأشكال لا تتناقض مع منطق الوجود والإنسانية، إلا أنها تندرج في باب المسكوت عنه. ورغم إباحتنا لها كبشر، إلا أنها تمثل نسقاً خاصاً كذلك- موجود- لارتباطه برغبات وحاجات الإنسان البيولوجية. إلا أنه لا يجب أن يُغَيِّب ذلك الذوق العام، والقيم المجتمعية التي تواضع عليها البشر، واعتبارها من المقدسات، أو المخصوصيات التي تخص الخصوصيات الذاتية للفرد، ولا تنسحب على المجتمع كذلك.
من هنا كانت ضرورة وجود - علوم الأكسيولوجيا وتفرعاتها- لتنظيم وترقية الذوق الحضاري والقيمي للمجتمعات، وحضارتها. ولربط خصوصية الأديان؛ بجغرافيا الفكر الإنساني كذلك. لإحداث التوازن بين عالم ونظريات ما بعد الحداثة والفوضى، أو هي تنظيم الفوضى من أجل تسيير الحياة.
ليس هناك تناقض إذن- بين ما طرحناه بداية عن القيم، وبين حرية الأدب والتخييل - بعيدا عن منظومة القيم والأخلاق، والفضيلة كذلك !
ولعلنا نقر بأن الأدب يتقاطع مع الأكسيولوجيا في أن كل نص أدبي يتضمن "موقفًا قيميًا": سواء صريحًا؛أو مضمرًا، فهو يعيد إنتاجية القيم السائدة، الآنية، أو يتمرد عليها؛ ويطرح بدائل جديدة أيضًأ. لذا فإن الاستفادة من الأكسيولوجيا تجعل النقد الأدبي أكثر عمقًا ووعيًا مرتبطًا بالمجتمع وقضاياه، كما تجعله قادرًا على تفسير تأثير الأدب في السلوك الإنساني. فالأدب بدون قيم يصبح شكلًا فارغًا، والأكسيولوجيا تمنحنا الأدوات لفهم: لماذا يؤثر الأدب فينا؟ وكيف يوجّه وعينا وأخلاقنا؟. وبذلك يصبح النقد الأدبي ليس مجرد تحليل لغوي، بل قراءة إنسانية شاملة للنص المعاصر كذلك.
|