|
القاهرة 07 أبريل 2026 الساعة 11:48 ص

بقلم: محمد عطية محمود
يؤكد الناقد المصري "نسيم مجلي" في مقدمة كتابه "دراسات في النقد والمسرح" على أهمية تلك الدراسات النقدية والأدبية النوعية لجذب القارئ من قوقعة المذاهب وتعصبها البغيض، تلك الرؤية التي تحاول تجلية الأبصار لرؤية الحقائق التي تطرحها الأعمال الإبداعية والنقدية، إيمانًا بقضية الوعي الفردي والجمعي على حد السواء، ودورهما في فتح مسارات لاختلاف الرؤى وتنوع الوسائل المؤدية إلى المعرفة والتقدم، ومن ثم العمل على دفع عجلة التطور من خلال الفكر البنّاء المنفتح على الثقافات المتعددة، والتي تصب في صالح الفن والتجربة الإبداعية والنقدية، وذلك من خلال تناوله لظواهر المسرح الحديث وقضاياه المختلفة، نظريًّا وتطبيقيًّا، من خلال التجارب الأساسية في المسرح، ومساراته في إطار الثقافة العربية أو الغربية، وحيث ينقسم الكتاب )الذي يقع في حوالي 350 صفحة من قطع الجاير( إلى جزأين، يتناول الجزء الأول بعض المتابعات النقدية والنظرية، بينما يتجه الجزء الثاني إلى الإبداعات المسرحية وإلقاء الضوء عليها كجانب تطبيقي رؤيوي يتضح فيه طموح الناقد لمعانقة رموز المسرح على المستويين العالمي والعربي، كما يبدو فيه هذا الشغف المعرفي المنفتح على التجارب اللغوية والدلالية للنصوص، فضلا عن الصياغات البصرية للعروض المسرحية، ما يجعل الكتاب تطوافًا في تجربة المسرح الحديث وتجسداتها..
"مسرح جان أنوي"
يلج الكتاب تجربة/ ملمح "ثنائية الجد والهزل"، في مسرح "جان أنوي"، في مجمل أعماله والتي تناقش – بحسب الكاتب – مشكلة مهمة تشغل المهتمين بالمسرح، وهي مشكلة المتعة والتسلية وكيفية تحققهما، في مقابل معالجة الأفكار الجادة بأسلوب جاد ربما كانت سببا في عدم/ قلة اهتمام الجمهور بها، واتجاهه نحو مسرح التسلية والهزل، وذلك من خلال استعراض تلك المسيرة الإبداعية الزاخرة بالنماذج وبالتعاطي مع هذين الاتجاهين المتكاملين في إطار التجربة:
"كتب أنوي ستا وعشرين مسرحية، لم يفشل منها سوى مسرحيتين بلغة الشباك، وهو يفاخر بأنه كاتب تسلية، ولا يمل تكرار ذلك في أحاديثه، بل إنه لا يتصور أن يكون للمسرح مهمة أخرى غير الإمتاع والتسلية، ففي رأيه أن الإنسان الذي يستطيع أن يجعل الناس ينسون همومهم ثلاث ساعات، وينسون الموت، إنما يؤدي عملًا طيبًا، ومفيدًا، ولا مزيد عليه"
تبدو من خلال هذا التنوع الكمي من المسرحيات أهمية علاقة الجمهور بالعرض والفكرة والصياغة التي يقدمها المسرحي من خلال وعيه بأزمات الإنسان الوجودية، ومن ثم علاقته بالمشاهد/ المتلقي التي لا يريد لها أن تنفصم متكئًا على حاجة ملحة وعنصر مهم من عناصر الفرجة والتشويق والإثارة، وهي المتعة الهادفة والتسلية، بغض النظر عن التأكيد على الدور الذي لعبه أنوي في تجسيد التفسيرات الفلسفية والميتافيزيقية، ومآل أعماله إلى كونها وسيلة خلاص لأزمات الإنسان المعاصر، وهو تفسير له وجاهته في حينه:
"في سنوات ما بعد الحرب (العالمية) لاحظ كثير من الكتاب التشابه بين أفكار أنوي وبين أفكار سارتر وكامي وأعطوا أعماله تفسيرات فلسفية وميتافيزيقية قوية، ومنهم من يرى أن مسرحيات أنوي "تحوي تحليلا للوضع الإنساني" ويرفض اعتباره كاتب تسلية، لأنه لا ينافق جمهوره، بل يرفعه إلى مستواه، وصورة الحب الرومانسي التي يقدمها ما هي إلا منصة للقفز؛ فالحب عنده يستجيب لحالة الإنسان المعاصر لوسيلة خلاص"
ذلك الذي يجعل من تلك السمة ضرورية في توثيق تلك العلاقة بين الكاتب/ المسرحي، والمتلقي/ المتفرج بوعيه الذي ربما تماس/ تكامل مع وعي المبدع، بغض النظر عن الصيغة الفنية/ التوجه في تقديم/ معالجة تلك القضايا/ الشجون، وتقديمها بالمستوى اللائق للارتقاء بالذائقة والوعي والدخول في مدارات أكثر علاقة بالفكر والتنوير، مع استبعاد كون التسلية أو الترفيه أو الإمتاع السلس أمرًا مناقضًا للجدة والجدية، بل هما سبيل لتعميق العلاقة الجدية التي تؤدي إليها هذه السلاسة في التناول ومن ثم استدراج المشاهد إلى أفكاره الجادة التي تستحق معالجة جدية سلسة مع مسامرة هادفة قادرة على إيصال المعنى الفلسفي والميتافيزيقي، ومن ثم السياسي والتاريخي، والاستيعاض بهما عن الاجتماعي العابر، أو الأسطوري المحرف (بحسب الكتاب):
"وقد بلغ أنوي أوج عظمته في مسرحياته التاريخية والسياسية، كمسامر يقدم المتعة وكمؤلف جاد يعطي الأمور الجادة ما تستحق من جدية المعاملة، ذلك لأن أنوي يعرف كيف يصب أفكاره ومشاعره في صورة موضوعية أكثر بقاء كشخصية تاريخية أو مشكلة سياسية بالذات بدلا من تناول المشكلات الاجتماعية العابرة أو تقديم الأساطير بصورة محرفة"
"مسرح بريخت"
"إن من يحمل المعرفة، لديه من الفضائل فضيلة واحدة فقط، هي أنه يحمل الحقيقة في داخله".
يرى الكتاب، من خلال أحد فصوله المعنون: "بريخت والمفاضلة بين الشرور" أن تأثير بريخت في المسرح قد امتد امتدادًا كبيرًا في الشرق والغرب، كمسرحي عظيم وكمخرج عبقري، فهو نموذج لعصره المضطرب (عصر الحروب الكبرى)، في حياة حافلة ومثيرة، وكشاعر منفي في أوروبا وأمريكا لتوجهاته وآرائه ومعتقداته السياسية، مشتبكًا مع صراعات عصره بصورة تفوق أي كاتب آخر من جيله، وهو ما يجعله شخصية جدلية، تكونت فنيًا خلال سنواته الأولى في ميونيخ وبرلين الشرقية:
"وكان يمثل النقيض تمامًا للفكرة الألمانية، التي تصور الشاعر على أنه منطو يغزل جوهر شخصيته المقدس من الفراغ الموحش داخل ذاته، فبريخت يعتبر عمله نتاجًا للتجربة والخطأ، ولذلك كان يعدل فيه ويضيف إليه ثم يحذف منه حتى يستوي تماما على خشبة المسرح"
فبريخت (بحسب الكتاب) ارتقى إلى درجة متميزة في ابتداع لغة شعرية ومسرحية خاصة به، تعمل على ضبط إيقاع اللغة الواقعية وتهذيبها ووضعها في ثوب محايد للهجات المختلفة، مما يعمل على الإيهام باللغة الواقعية، في مسرحياته الأولى، والتي وصفها النقاد والمتابعون بالفوضوية، وهي مرحلة تلتها مراحل التطوير في مسرح بريخت الذي انتهج نهجا مغامرا، وتحول إلى قيمة المسرح كوسيلة متعة، وهي الحالة المغايرة لما طرحه الكتاب في نموذج "جان أنوي"، والتي يصفها الكتاب، من خلال رؤية بريخت الفلسفية:
"المتعة التي يريدها بريخت هي متعة اكتشاف الحقيقة – هي النشوة التي تعتري الإنسان حتى يتعرف على شيء جديد، وهي أشبه بالنشوة التي تغمر الباحث في علم الطبيعة حين يكتشف سرا من أسرار الكون، هذه هي المتعة المقبولة في عصر العلم كما يراها بريخت"
وهي الفلسفة ذاتها التي ترتبط بالعلم/ المنهج المناقض لحالة الفوضوية التي أشرنا إليها من قبل، وهي التي ربما شكلت وعيه التجريبي، ونظرته للمادة/ الأشياء، والتي يحركها العلم على مرمى الحقيقة التي ينشدها دائمًا، والتي لا تتأتى إلا عن طريق العلم وحركاته الفيزيقية والميتافيزيقية على حد السواء، ومن ثم الالتجاء إلى وجهة نظر اجتماعية لربط هذا الميكانيزم المتحرك الذي يصوغ فكره من خلاله، هي حركة مدهشة، وتنظير للحالة المسرحية التي تتبنى كشف الحقائق، ووضع الأمور في نصابها:
"إن المسرح لا يعكس "الارتباك الطبيعي" للأشياء، فهو يهدف إلى نقيض ذلك، إلى عرض "النظام الطبيعي" للأشياء، ولتحقيق هذا يتبنى بريخت وجهة نظر تاريخية اجتماعية. وكما حاول بريخت أن يقضي على الإيهام والغيبوبة والتأثير السحري والسكر العاطفي، حاول من ناحية أخرى أن يستبدلها بالعقلانية. واستخدم في ذلك حيلا تحمل طابع الأمانة الحرفية. ومن ثم كان يصر على أن يغمر خشبة المسرح بالضوء"
تلك العقيدة الراسخة في ذات الكاتب/ المسرحي المفكر الباحث دائمًا عن ضوء الحقيقة، بالمعرفة التي تقصي كل عوامل الإيهام والسحر والغيبوبة والبعد عن الحقيقة نحو تعانق مع الذهن/ العقل في إدراك الأمور كافة وتجلية كل الحقائق، ومن خلال ما ينطق به "بريخت" على لسان أحد أبطال مسرحيات/ جاليليو،ما يعكس أيديولوجية تعامل الشخصية/ الكاتب مع الواقع وثورته عليه: "رجل مثلي بإمكانه أن يتبوأ مكانًا محترمًا فقط بالزحف على بطنه، وأنت تعرف أني أزدري هؤلاء الذين تعجز عقولهم عن ملء بطونهم" وهو ما يضع العالم برمته أمام نظام جديد للأخلاق يتواءم مع نظرته وتوجهه لعصر العلم/ الحقيقة بعيدا عن الوهم والدجل والظلام، واتساقا مع النظريات الحديثة كالنسبية وغيرها، ما يعكس علاقة المسرح بالعام كملمح من ملامحه وقضية من قضاياه..
"المسرح العربي، والتراث"
يتناول الكاتب في فصله المعنون: "ابن البلد والموقف من التراث"، تلك الحالة الجدلية التي تتعرض لموقف الفنان من التراث، أو الموروث الشعبي، في مسرحية "ابن البلد" للدكتور "عبد العزيز حمودة"، والتي عرضت على خشبة المسرح القومي بالقاهرة 1989، وتعكس مدى الإفادة من التراث/ الموروث في معالجة مشاكل الحاضر والمستقبل، ومن ثم إشكاليات/ آليات تنفيذ العمل المسرحي على خشبة المسرح، والتي يقول عنها الكاتب:
"إن المسرحية تمثل عملا طموحا قام على رؤية فكرية واعية تقول إن المصالح الطبقية هي التي تحكم، وتتحكم في علاقة الحاكم بالمحكومين.. وتجاهل هذه المقولة لا يؤدي إلى حل معضلة الحكم، بل يزيدنا بعدا عن العدل والمساواة، وهذه الرؤية هي خلاصة قراءة نقدية للسيرة الشعبية على ضوء حقائق التاريخ ومنطق العقل"
وهو ما يضع السيرة الشعبية في مواجهة التاريخ في محاولات جريئة لإماطة اللثام عن الحقائق، وكشفها، بإسقاط هذا المد الموروث/ الحكائي، على الحالة الحاضرة في سياق الزمن الذي تدور فيه أحداث المسرحية أو يتم إسقاطها عليه، وما تضمره الحكاية المنسوبة/ المنتمية إلى عهد "قطز، والظاهر بيبرس" في معالجة جديدة كاشفة، إلا أن هناك بعض النقاط السلبية التي تقف إلى جوار النقاط الإيجابية التي شكلت قوام وواقع العمل المسرحي/ الملحمي، والتي يبرزها الناقد في قوله: "لقد نجح الدكتور عبد العزيز حمودة في توظيف كل العناصر الشرقية والغربية في نسج هذه الرؤية الناضجة، إلا أن عملية الجمع بين كل هذه العناصر كان لها بعض التأثير السلبي في توصيل رؤيته كاملة، وربما لو تم تقديم هذه المسرحية في نطاق معمار مسرحي ملائم لاختفت معظم هذه الآثار، فقد حول المخرج أحمد زكي، شاعر الربابة، إلى فرقة إنشاد كاملة يقودها مايسترو في ملابس عصرية"
يكشف الكاتب هنا عوار الرؤية المسرحية التنفيذية أو قصورها في بعض النواحي الفنية/ اللمحات المهمة التي تعبر خارجة عن السياق الحاكم لذلك الظرف التاريخي/ التراثي بالبعد عنه، أو محاولة التماس مع الواقع الآني للمسرحية في زمن عرضها لازمن أحداثها، وهي ربما كانت وجهة الاختلاف مع عملية الإخراج، التي ربما تدخل فيها التوجه الأيديولوجي الذي يحاول جذب/ التأكيد على إسقاط الموروث على الحاضر، أو إعادة إنتاجه بشكل فانتازي مغاير، إلا أن الكاتب في نهاية بحثه في هذا المقام يشيد بدور الديكور المسرحي المؤدى في إنجاح العرض: "أما الديكور الذي صممه الفنان الإنجليزي "جريجوري سميث" فقد كان له دور فعال في نجاح العرض؛ إذ تمكن رغم كتله الكبيرة الكرتونية من إبراز المسافة بين القلعة وبين الحسينية (كأماكن للأحداث) وإتاحة الفرصة لانسياب حركة الممثلين. وباختصار فإن هذا العرض يمثل تجربة جديرة بالاهتمام لما تثيره حول إشكالية المسرح والدعوة إلى صيغة قومية للمسرح العربي"
عبد الرحمن الشرقاوي، وحرية الوطن
مرة أخرى، يلج الكاتب منطقة التاريخ والتراث، من خلال مسرحية الشاعر الكبير "عبد الرحمن الشرقاوي": "النسر الأحمر"، وهي في الأصل مكونة من ثنائية نشرت في مجلة (روزاليوسف) 1975، هما: "النسر الأحمر والغربان"، و"النسر الأحمر وقلب الأسد"، وهي تعالج أحداث الحروب الصليبية والصراع الذي خاضه الشعب العربي بقيادة صلاح الدين الأيوبي، أو النسر الأحمر كما ترمز له المسرحية/ الثنائية المكتوبة:
"لا تكتفي (المسرحية) بالوقائع الواردة في بعض كتب التاريخ، بل تستعين بوقائع من التاريخ المعاصر، وتكثف العلاقات بينها جميعا بصورة تبرز رؤية المؤلف الفكرية لموضوع حرب التحرير، وهذه الرؤية تتلخص في أن حرية الوطن لا تنفصل عن حرية المواطن بشقيها السياسي والاجتماعي"
هذا المزج الفني الذي يعمق من تأثير التراث/ التاريخ في المسارات والمصائر التي تتقاطع لتنتج صورًا منه، ومنها صناعة البطل الأسطوري المثالي/ المخلص الذي يأتي في أعقاب انتكاسة/ كبوة كبرى يكون وجوده حاسمًا بتارًا ومانعًا للأهوال ومتصديًا لها، وكاسرًا لعنق الجبابرة باكتمال قوته وملامح أسطوريته على حد السواء، وهي الصورة التي تتماهى مع صورة البطل الشعبي في التراث، لتكتمل معادلة المسرحية بالرمزية الدالة التي تقرن بين النسر الأحمر والبطل المخلص:
"ويرجع السبب في رسم هذه الصورة المثالية إلى سيطرة صورة النسر الأحمر على خيال الشاعر، بل إن هذه الصورة الشعرية تعد مفتاحا لفهمنا لعالم البشر في هذه المسرحية. فما دام النسر الأحمر قد أصبح رمزا لصلاح الدين الأيوبي، فلا غرابة أن تكون الغربان والأسود رموزا لأعدائه"
وفيما يختص بالعرض المسرحي؛ فإن الكاتب يركز هنا على عدة نواح لتميزه، أو ضده، مبرزًا النواحي الفنية/ التقنية، كحبكة جديدة في تحويل النص المسرحي المكتوب إلى نص حي/ مشاهد يعتمد على عدة خطوات إجرائية من شأنها تجميل الفكرة وإيصالها واستيعاب المضمون/ الرسالة التي أتت بها الكتابة على النحو المرئي والمسموع وتكييف كل تلك العناصر لتهيئة المسرح/ المكان لتقديم بانوراما تليق بالمد الأسطوري لشخصية البطل، ومجموعة الشخصيات والرموز المحيطة به كرموز للتاريخ ورموز للحاضر، وهذه الهيمنة الفنية:
"لقد تناول المخرج هذا العمل ببعض الحذف والتعديل من أجل المزيد من الوحدة والتركيز الدرامي، بصورة أسهمت في إبراز مضمونه الفكري، وحبذا لو امتد الاختزال لبعض المونولوجات الطويلة، والتي هبطت بإيقاع المسرحية في الفصل الأخير"
كما يلج الكاتب خشبة المسرح ليرصد التقنيات الفنية التي ينبغي إلقاء الضوء عليها كالموسيقى المصاحبة والديكور وغيره من العوامل المؤثرة في تقديم المسرحية، مثمّنًا الدور الذي لعبه دخول الموسيقى في غير موضع من المواضع الحاسمة واللحظات الفاصلة في المسرحية، مشيرًا إلى الدور المؤثر أيضًا الذي قام به الديكور بتكويناته الجمالية المختلفة في خدمة النص.
|