|
القاهرة 07 أبريل 2026 الساعة 11:45 ص

بقلم: ياسر صبري – كندا
أيني أنا؟ مالي مكان
كيف أطلب ما هناك بلا هنا؟
هبني ثلاثة أحرف.. لا غيرَها
هبني "هنا"
حتى أُشيرَ إليك منها.. كي أُفرِّقَ بيننا
حتى يُلمَحَ إصبع بالميلِ: من مِنا... أنا؟
— ميسون السويدان
عندما يبلغ المرء في العشق منتهاه يعجز عن التمييز بين نفسه ومحبوبه، فيذوب كلاهما في الآخر، ولا يرى أحدهما من نفسه إلا ما يرى محبوبه منه. وعلى قدر القرب من هذه الحالة أو البعد عنها، تتفاوت درجات المحبين، وما بين هذين الحدين تصاغ مآسي العاشقين.
تبلغ هذه الملحمة ذروتها حين ينقطع السبيل بين المحبِ ومحبوبه، فيسلم العشق آنئذٍ صاحبه إلى أقصى مراتب الشقاء الإنساني، فلا يبقى منه إلا جسدٌ تُكبّله ذكريات حبٍ قد أفل، ويغدو حاضره أسيرًا لماضيه؛ فلا هو يحيا "هنا"، ولا هو يطال "هناك" يعيش بروح خافتة فقدت بريقها، وأصبح يطارد شوقًا ضريرًا يتخبط في طريقه نحو المجهول. ومن هنا يمكن أن نفهم سرّ تخليد الأدب العربي لقصص العشق العذري؛ فهو لم يحفظها لأنها كانت سعيدة، بل لأنها كانت جريحة.
الشعراء لم يكتبوا حين كانوا قريبين ممن يحبون، بل أبدعوا حين افترقوا، وحين مُنعوا، وحين رحل من أحبوا إلى غير رجعة. فالقصيدة لم تولد من الوصال، بل وُلدت من الفقد، وهذا ما يجعل هذا الشعر حيًّا حتى اليوم؛ لأنه لم يصف لحظة عابرة من الفرح، بل وثّق شيئا أصعب وأبقى: كيف يعيش الإنسان وهو يحمل من يحب في داخله، بينما هو بعيد عنه في الواقع.
فالمجد الأدبي لم يُكتب لمن نال حلاوة الوصال ودوام اللقاء، بل لمن تجرّع مرارة الفقد وأرهقته "موجعات القلب"، لمن عاشوا يستجدون طيفًا ضائعًا، ويمنّون أنفسهم بنظرة إلى محال. ولو كُتب لتلك القصص أن تكتمل لضاعت في زحام الحياة الرتيبة.
لأن العشق في ذروة انكساره يتحوّل من حكاية شخصين إلى ملحمة وجود
لم تكن المأساة في الحب العذري أنه لم يكتمل، بل كانت في أن العاشق لم يشف منه بعد أن انتهى، وكأن النهاية لم تقع بعد، أو كأن القلب قد رفض الاعتراف بها، فيخسر العاشق محبوبه، ويفقد معه زمنه، ثم تتوارى عنه نفسه ليظل أسيرًا لتلك اللحظة حيث تفقد الدنيا كل بريقها، وتصبح الحياة مجرد وقوف أبدي على أطلال من يحب، فلا معنى للكون إلا من خلاله ولا وجود لذاته إلا في حضرة ذكراه، يقيم فيها وتعيش فيه، ويعود إليها يتلمس معالم الطريق إلي روحه الشاردة.
لعلّ أعمق صور الحب العذري أن يتخلى العاشق عن اسمه، فلا يُعرف بنسبه أو قبيلته، بل يُعرف بمن يحب. هكذا صار "قيس" لا يرى نفسه إلا في عيني "ليلى"، وما وجد "جميل" نفسه إلا حين انتسب إلى "بثينة". لم يكن هذا ضعفا، بل كان ذوبانا كاملا؛ كأن المحبوبة لم تعد شخصًا خارجيًّا، بل أصبحت جزءا من الروح، إن لم تكن هي الروح ذاتها.
يتجلى ذلك بوضوح في تجربة "كُثيّر عزَّة". فهو، بعد أن حال بينهما الفراق، لم يعد يقيم في حاضره بل ظل مشدودا من أعماق قلبه إلى زمن "عزَّة" الذي ولّى وانقضى. ولم تعد هي مجرد امرأة تُرجى، بل تحولت إلى ماض كامل يُستعاد في الخيال كلما عجز هو عن احتمال الحاضر.
هنا يكمن الفرق بين "كثير" الذي كان يعيش الحب في زمنه و"كثير" الذي تلبسته ذكريات هذا الحب حتى صارت ربعه ووطنه الذي يعود إليه يتلمس ما تبقى بعد ارتحالها لدرجة أنه يراها سببًا في غفران ذنوبه إن هو صلى حيث صلت كما أنشد مخاطبا مناجيا نفسه يخاطب صاحبيه:
وَمُسّا تُرابًا كَانَ قَد مَسَّ جِلدَها وَبيتا وَظِلاَ حَيثُ باتَت وَظَلَّتِ
وَلا تَيأَسا أَن يَمحُوَ اللهُ عَنكُما ذُنوبًا إِذا صَلَّيتُما حَيثُ صَلَّتِ
وما كنت أَدري قَبلَ عَزَّةَ ما البُكا وَلا مُوجِعاتِ القَلبِ حَتَّى تَوَلَّتِ
وعلى هذا النحو، يمكن فهم معاناة المغترب في صورتها الأخرى، حيث تلوح ملامح المأساة ذاتها وإن اختلفت تفاصيلها، فالمغترب يقف على حافة الشتات والتمزق .. يسكن يومه ولا يعيش فيه .. ويكدح في جغرافيا ولا ينتمي إليها.. تمرّ الأيام وتُنجَز الأعمال وتمضي الحياة، وهو متكئ على وعدٍ مؤجل بالعودة إلى زمنٍ واراه الثرى. وهكذا يغدو حاضره مجرد معبر، ويتحول ماضيه إلى أملٍ مؤجل يعيش من أجله دون أن يبلغه.
في مدار هذا الألم يلتقي العاشق العذري بالمغترب في نقطة واحدة: كلاهما أفلتت من يديه "هُنا"، فلاذ بالأمل في "هناك".
غير أن المفارقة الأكثر إيلامًا تكمن في أن "هناك" هذه، حين تُستعاد في المخيلة، لا تعود بكامل هيئتها الأولى التي كانت عليها عندما صاغتها ملابسات الواقع، لأننا لا نتعامل مع ذكرياتنا كما هي، بل نعيد صياغتها ونمنحها اكتمالًا لم نعرفه من قبل، ولهذا تبدو دائمًا أقرب في الإحساس وأحلى من الواقع، فتصبح فردوسا مأمولا، لا نشعر بالأمان إلا فيه، ولا نرى أنفسنا إلا من خلاله.
هنا تتكشّف المأساة الأعمق: أن يفقد الإنسان هذا الحاضر ولا يبلغ ذلك الماضي، فيظل معلقًا بين زمنين، يعيش في أحدهما ويحنُّ إلى الآخر دون أن ينتمي حقًا إلى أي منهما.
المعاناة، إذن، لا تكمن في نأي المسافات ولا في لوعة الفراق، بل في هذا التيه الوجودي والعجز عن مكاشفة النفس ومصارحتها بحقيقة "هناك" التي يستميت المرء في طلب فردوسها البعيد، وهو عارٍ من حاضر يستره.
فالغربة في معاناتها هذه ليست نأيًا في المكان وحسب، بل مأزقًا تامًا وحالة شعورية طاغية يعيش فيها المغترب عيش من ضاقت به السبل وتقطعت به الأسباب .. فلا هو قادر على استرداد أمسه.. ولا هو قادر على احتواء يومه.. يستقبل من أمره ما استدبر كل يوم ألف مرة ومرة .. فلا يجد له مهربا إلا في أحلامه يصوغ فيها مستقبله من مفردات ماضيه.
|