|
القاهرة 30 مارس 2026 الساعة 11:08 م

بقلم: محمد خضير
في لحظة تاريخية شديدة الحساسية يعيشها العالم اليوم، تتصاعد التوترات الإقليمية والدولية بوتيرة متسارعة، وتتشابك المصالح والصراعات في مشهد دولي معقد، لم تعد فيه الحروب تُخاض بالسلاح فقط، بل أصبحت تُدار أيضًا بالكلمة والصورة والمعلومة.. وفي قلب هذا المشهد المتغير، برزت الشائعات بوصفها أحد أخطر الأسلحة غير التقليدية التي تستهدف استقرار الدول وتماسك المجتمعات، وتعمل على بث القلق والتشكيك وإضعاف الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
لقد دخل العالم بالفعل عصرًا جديدًا يمكن أن نطلق عليه “عصر حروب المعلومات”، حيث تتحول المعلومة إلى أداة تأثير، وقد تتحول الشائعة إلى سلاح قادر على إرباك المجتمعات وإحداث اضطراب في الرأي العام.. ومع الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت سرعة انتشار الأخبار ــ صحيحة كانت أو مضللة ــ تفوق أي زمن مضى، حتى باتت الشائعة في كثير من الأحيان تصل إلى ملايين الناس قبل أن تصل الحقيقة إلى نصفهم.
* خط الدفاع الأول
وفي ظل هذه التحولات، يبرز دور الإعلام بوصفه أحد أهم خطوط الدفاع الأولى عن الوعي المجتمعي، فالإعلام لم يعد مجرد وسيلة لنقل الأخبار أو تغطية الأحداث، بل أصبح مؤسسة فكرية وثقافية لها دور وطني في حماية المجتمع من التضليل، وفي تقديم المعلومات الدقيقة التي تساعد المواطن على فهم ما يجري حوله بوعي ومسؤولية.
ومن الطبيعى أن الإعلام المهني الحقيقي يقوم على ثلاثة أعمدة رئيسية: الدقة، والمصداقية، والمسؤولية.. وهذه المبادئ هي أساس الثقة بين الإعلام والجمهور.. فحين يلتزم الصحفي بالتحقق من مصادر المعلومات، ويقدم الخبر في سياقه الصحيح، فإنه يسهم في بناء وعي مجتمعي قادر على مواجهة التضليل والشائعات.
* التأثير على الرأي العام
والحقيقة أن الشائعة في كثير من الأحيان عملية مدروسة تستهدف التأثير في الرأي العام.. فقد أثبتت تجارب كثيرة أن الشائعات يمكن أن تُستخدم كأداة لإثارة القلق بين المواطنين، أو تشويه صورة المؤسسات، أو خلق حالة من الإحباط وفقدان الثقة داخل المجتمع.
ولعل أخطر ما في الشائعات أنها تستغل طبيعة الإنسان نفسه، إذ تعتمد في انتشارها على إثارة المشاعر الإنسانية مثل الخوف أو الغضب أو الفضول.. ولهذا نجد أن كثيرًا من الشائعات تنتشر بسرعة لأنها تُكتب بأسلوب مثير أو صادم، يدفع الناس إلى مشاركتها دون التحقق من صحتها.
* صور خطورة الشائعات
ومن الأمثلة البسيطة التي تعكس خطورة الشائعة ما يحدث أحيانًا عندما تنتشر عبر وسائل التواصل أخبار غير صحيحة عن نقص سلعة معينة في الأسواق.. ففي غضون ساعات قليلة يتجه عدد كبير من المواطنين إلى شراء هذه السلعة وتخزينها خوفًا من اختفائها، فتحدث بالفعل أزمة في الأسواق، رغم أن السلعة كانت متوفرة في الأساس، وهنا نكتشف أن الشائعة هي السبب في صنع الأزمة.
وفي مثال آخر، قد تنتشر صورة على مواقع التواصل الاجتماعي مصحوبة بتعليق يزعم أنها توثق حدثًا معينًا داخل بلد ما، فيتداولها الناس بكثافة ويعلقون عليها بقدر كبير من الغضب أو القلق، وبعد ساعات أو أيام يتضح أن الصورة التُقطت في دولة أخرى أو في زمن مختلف تمامًا.. لكن المشكلة أن التصحيح لا ينتشر غالبًا بنفس سرعة الشائعة، فيظل الأثر النفسي لها قائمًا لدى كثير من الناس.
هذه الأمثلة تكشف بوضوح أن معركة مواجهة الشائعات لم تعد مسؤولية الإعلام وحده، بل أصبحت مسؤولية مجتمعية مشتركة، يشارك فيها كل فرد يستخدم وسائل التواصل الاجتماعي، فمع التحول الرقمي الذي شهده العالم خلال السنوات الأخيرة، أصبح كل شخص قادرًا على نشر المعلومات ومشاركتها مع مئات وربما آلاف الأشخاص في لحظات قليلة.
* الثقافة الإعلامية
ومن هنا تأتي أهمية نشر الثقافة الإعلامية بين المواطنين، وخاصة بين الشباب، الذين يمثلون الشريحة الأكثر تفاعلًا مع الفضاء الرقمي.. فالشباب اليوم أصبحوا جزءًا من منظومة تداول المعلومات.. ولذلك فإن تعزيز وعيهم بكيفية التحقق من الأخبار والمعلومات يعد خطوة أساسية في مواجهة الشائعات.
ولذلك عزيزى القارئ إن الشاب الواعي لا يتعامل مع ما يقرأه على الإنترنت بوصفه حقيقة مطلقة، بل يتوقف قليلًا قبل أن يضغط زر المشاركة، ويسأل نفسه سؤالين بسيطين: ما مصدر هذا الخبر؟ وهل هناك جهة موثوقة أكدت صحته؟ هذه الخطوة البسيطة قد تكون كفيلة بوقف انتشار كثير من الشائعات قبل أن تتحول إلى موجة واسعة من التضليل.
* الحفاظ على الأمن القومي
كما أن دعم الإعلام المهني الجاد يعد أحد أهم الأساليب لمواجهة الأخبار المضللة.. فالمؤسسات الإعلامية التي تلتزم بالمعايير المهنية في التحقق من المعلومات وتقديمها للجمهور تظل مصدرًا أساسيًا للثقة والمعرفة، خاصة في أوقات الأزمات والتوترات.
ومن المهم أيضًا أن ندرك أن الحفاظ على الأمن القومي لا يقتصر فقط على المؤسسات العسكرية أو الأمنية، بل هو مسؤولية مجتمعية تتكامل فيها الأدوار بين الدولة والمجتمع.. فالمواطن الواعي الذي يتحقق من المعلومات قبل نشرها يسهم في حماية مجتمعه من التضليل، تمامًا كما يسهم الجندي في حماية حدود الوطن.
ولعل أبرز ما نحتاج إليه في هذه المرحلة هو بناء ثقافة عامة تقوم على التفكير النقدي، أي قدرة الفرد على تحليل المعلومات وتمييز الصحيح من الزائف. فالمجتمع الذي يمتلك هذه القدرة يصبح أكثر مقاومة للشائعات، وأقل قابلية للتأثر بحملات التضليل.
* دور الشباب
كما يمكن للمؤسسات التعليمية والثقافية أن تلعب دورًا مهمًا في هذا المجال من خلال تنظيم برامج تدريبية وورش عمل للشباب حول مهارات التحقق من الأخبار، وكيفية قراءة المعلومات المنشورة على الإنترنت بشكل واعٍ.. فالتوعية الإعلامية أصبحت اليوم جزءًا من الأمن الفكري للمجتمع.
وفي هذا السياق، يمكن للشباب أنفسهم أن يطلقوا مبادرات مجتمعية لنشر الوعي الرقمي، مثل حملات التوعية عبر مواقع التواصل الاجتماعي تحت عناوين مثل “تحقق قبل أن تنشر”، أو إنشاء مجموعات شبابية تعمل على توضيح الحقائق وتصحيح الأخبار المضللة.. بالإضافة إلى أن مواجهة الشائعات لا تتحقق فقط بتكذيبها بعد انتشارها، بل تبدأ أساسًا بمنع انتشارها منذ اللحظة الأولى.. وهذا لن يحدث إلا إذا أدرك كل فرد أن الكلمة التي ينشرها قد يكون لها تأثير واسع في المجتمع، وأن مشاركة خبر غير موثق قد تساهم في نشر القلق أو البلبلة بين الناس.
* الوعى المجتمعى
وفي النهاية، يمكن القول إن معركة مواجهة الشائعات هي في جوهرها معركة وعي.. فكلما كان المجتمع أكثر وعيًا وثقافة، أصبحت الشائعات أقل تأثيرًا فيه.. وقد أثبتت التجارب أن المجتمعات التي تمتلك إعلامًا مهنيًا قويًا وجمهورًا واعيًا تكون أكثر قدرة على تجاوز الأزمات ومواجهة محاولات التضليل.
ولذلك عزيزى القارئ نجد أن الكلمة قد تكون أحيانًا أقوى من السلاح، والمعلومة الصحيحة قد تكون درعًا يحمي المجتمع من كثير من المخاطر.. ولهذا فإن الإعلام المسؤول، إلى جانب وعي المواطنين، يمثلان معًا خط الدفاع الأول عن استقرار المجتمع وحماية أمنه القومي.. وفي زمن تتسارع فيه الأحداث وتتدفق فيه المعلومات بلا حدود، يصبح الوعي هو السلاح الحقيقي الذي يمكن أن يحصّن المجتمعات من التضليل.
واخيرا وليس بآخر.. فالمجتمع الواعي لا يمكن خداعه بسهولة، والشباب الواعي يظل دائمًا الضمانة الحقيقية لمستقبل آمن ومستقر.. ولهذا فإن مسؤولية الحفاظ على الحقيقة لم تعد تقع على عاتق الصحفيين وحدهم، بل أصبحت مسؤولية كل فرد في المجتمع.. فكل كلمة نكتبها، وكل خبر نشاركه، قد يسهم إما في نشر الحقيقة أو في ترويج الشائعة.. وبين الحقيقة والشائعة يقف الوعي حارسًا للوطن.. فحين ينتصر الوعي، تنتصر الحقيقة، ويظل المجتمع أكثر قدرة على حماية نفسه ومستقبله.
|