|
القاهرة 28 مارس 2026 الساعة 03:48 م

بقلم: د. حسين عبد البصير
في المشهد الأدبي المصري الحديث، تتعدد الأصوات وتتقاطع التجارب، لكن قليل من الكتاب استطاع أن يترك بصمة مزدوجة: في عالم الرواية، وفي ذاكرة الجمهور السينمائي. من بين هؤلاء يبرز اسم إسماعيل ولي الدين، الكاتب الذي حول القاهرة بكل أحيائها الشعبية إلى فضاء روائي غني بالقصص المتشابكة، المأزومة أحيانًا، والمثيرة دائمًا، وهو نفس الفضاء الذي جذبت منه السينما أعمالها الكبرى. ولي الدين لم يكن مجرد كاتب يمسك القلم ليكتب؛ كان مراقبًا لمدنته، ناقدًا لطبيعة البشر، وفيلسوفًا للحياة اليومية، يقرأ في تفاصيل الأزقة والحمامات والأسواق ما يفوت أعين الآخرين.
ولد ولي الدين في القاهرة عام 1935، وعاش طفولته في مدينة تموج بالحياة والتناقضات، حيث تتجاور الأزقة الشعبية مع العمارات الحديثة، وتلتقي حكايات الماضي مع طموحات الحاضر. التحاقه بكلية الهندسة في قسم العمارة كان اختيارًا لا يبدو مرتبطًا مباشرة بالأدب، لكنه ساهم في تشكيل رؤيته الجمالية والبنائية للعالم. فقد تعلم كيف يُبنى الفضاء وكيف يُوزن بين عناصره المختلفة، وهو ما ظهر بوضوح في بناء رواياته المحكمة الصنع، حيث تتشابك الشخصيات والأحداث كما تتشابك أجنحة مبنى معماري متقن. كل رواية من رواياته كانت كأنها مشروع معماري متكامل، مسوّر بعناية، ومتوازن بين الظلال والنور، بين الجمال والقبح، بين الطموح والانكسار.
في سنواته الجامعية، انفتح ولي الدين على الأدب والفكر الأوروبي، فقرأ أعمال سارتر، وألبير كامو، وألبرتو مورافيا، فاستلهم منهم حساسية تجاه صراعات الإنسان مع ذاته والمجتمع، وحالة الاغتراب التي ترافق التناقضات الاجتماعية. هذه الخبرات الفكرية انعكست لاحقًا في شخصياته، غالبًا ما تكون على هامش المجتمع، تواجه أزمات أخلاقية، وتعيش صراعات داخلية عميقة. كانت شخصياته مشدودة بين الرغبة في العيش الكريم وبين ضغوط الفقر والانحراف، بين شغف الحرية والقيود الاجتماعية، وبين الحب والانكسار.
بعد تخرجه عام 1956، التحق بالقوات المسلحة كضابط مهندس، وظل فيها عشرين عامًا، وهي تجربة أضافت له فهمًا عمليًا لتنوع الطبقات الاجتماعية، والاختلافات النفسية بين البشر، والتحديات اليومية التي تواجههم، ووسعت مداركه تجاه ما يحيط بالمجتمع المصري من تناقضات. في الوقت نفسه، لم يتخل عن الكتابة، فبدأ بنشر القصص القصيرة في مجلات مثل «صباح الخير»، قبل أن ينخرط في مشروعه الروائي الأكبر، الذي أصبح فيما بعد حجر الزاوية في الأدب المصري المعاصر.
بدأ ولي الدين رحلته الأدبية بالقصة القصيرة، إذ أصدر عام 1968 مجموعة «بقع في الشمس»، محاولة لرصد الصدمة النفسية والاجتماعية بعد هزيمة يونيو 1967، وما خلّفته من انكسار في الروح الجمعية المصرية. ثم اتجه إلى الرواية، حيث أتيح له مساحة أوسع لبناء عوالم أكثر عمقًا واتساعًا، وظهرت روايته الأولى «الطيور الشاحبة»، قبل أن يكتب روايته الأشهر «حمام الملاطيلي»، التي تناولت عالمًا خفيًا من أحياء القاهرة الشعبية، حيث الحمامات تتحول إلى فضاءات سرية للممارسات الجنسية وتعاطي المخدرات، ويجتمع فيها أناس من طبقات مختلفة في فضاء يعكس التناقضات الأخلاقية والاجتماعية.
تحولت الرواية إلى فيلم سينمائي عام 1973 أخرجه صلاح أبو سيف، وشارك في كتابة السيناريو محسن زايد. واجه الفيلم مشاكل الرقابة ومنع عرضه لفترة طويلة، لكنه أصبح لاحقًا علامة فارقة في تاريخ السينما المصرية، وجسّد علاقة ولي الدين بالسينما: علاقة فريدة حيث تحولت رؤيته الروائية إلى صور حية على الشاشة، دون أن يفقد نصه أصالته وجرأته. لم يكن مجرد تصوير، بل نقل للأحاسيس، وفضح للأعماق الاجتماعية، وفتح أمام الجمهور نافذة على مدينة لا يعرفها كثيرون.
وفي الثمانينيات، واصل ولي الدين هذا المسار السينمائي مع أعمال مثل «الباطنية»، «درب الهوى»، و«أبناء وقتلة»، حيث تناول تجارة المخدرات، الجريمة، الفساد، والسياسة المزيفة، وجعل من شخصياته العادية محور دراما اجتماعية حادة، تكشف كيف يمكن للظروف أن تدفع الإنسان إلى الانحدار أو الصراع المستمر. شخصياته ليست مجرد رموز للشر أو للضعف، بل هي انعكاس لأسباب اجتماعية ونفسية حقيقية، تجعل القارئ أو المشاهد يعيد النظر في تقييمه للأخلاق والقيم والمجتمع.
عالمه الروائي هو عالم الهامش الاجتماعي: الفقراء، الضائعون، ضحايا الظروف، والممارسون لطرق الحياة الملتوية. لكنه لم يكن مجرد عرض للانحراف، بل محاولة لفهم الأسباب الاجتماعية والنفسية التي تؤدي إلى هذه المآسي، وفضح التناقضات الأخلاقية التي يمر بها المجتمع المصري. وكما قال بعض النقاد: ولي الدين لم يرَ في القاهرة مجرد مدينة، بل اختبرها كمجتمع حي، متحرك، متناقض، حيث تتصارع الأقدار كما تتصارع الألوان والروائح في الأزقة الضيقة.
رغم نجاحه الجماهيري الكبير، لم يحظ ولي الدين دائمًا بالاهتمام النقدي، ربما بسبب تقاطعه مع تجربة نجيب محفوظ، أو لأن جرأته في تناول المواضيع الاجتماعية والسياسية كانت تتجاوز الخطوط المقبولة في نقد زمانه. لكنه، بلا شك، ترك إرثًا أدبيًا وسينمائيًا يعكس مصر الحقيقية، بكل تناقضاتها وجمالها وعنفها، وربما في ذلك يكمن سر جاذبيته للسينما: قدرة النص على أن يتحول إلى صورة حية دون أن يفقد عمقه وتحليله النفسي والاجتماعي.
في منتصف التسعينيات، انسحب ولي الدين تدريجيًا من المشهد الأدبي، واعتزل الكتابة بعد رفض ناشر روايته «شجرة العائلة»، مشروع روائي استغرق سنوات، لكنه لم يرَ النور. واختار العيش في هدوء بعيدًا عن الأضواء، محافظًا على روتينه اليومي البسيط، حتى رحيله في 21 يوليو 2021 عن عمر يناهز 86 عامًا.
يبقى إسماعيل ولي الدين مثالًا على الكاتب الذي استطاع أن يمزج بين الرواية والسينما، بين النقد الاجتماعي والدراما، بين الجرأة الفنية وعمق التحليل، تاركًا إرثًا ثقافيًا يجعل القارئ والمشاهد على حد سواء يتأملان القاهرة، ليس فقط كمدينة، بل كمرآة للمجتمع، بكل أزماته وصراعاته الإنسانية، بكل مظاهر الجمال والقبح التي تختزلها الحياة اليومية. ولي الدين لم يكتب القاهرة، بل كتب الإنسان الذي يسكنها، بكل تناقضاته وأحلامه ومآسيه.
|