|
القاهرة 24 مارس 2026 الساعة 10:51 ص

*مريم محمد علي محمد
في زمنٍ لا يتذكّر إلا القادة، يبقى هناك عمالٌ مجهولون نسجوا خيوط النصر بعرقهم، ثم غابوا عن كل ذاكرة إلا ذاكرة الأرض.
لم يكن أولئك الرجال يحملون البنادق، ولا يرتدون بزّاتٍ عسكرية لامعة؛ بل كانوا عمالًا بسطاء، أيديهم مشقّقة من العمل، وعيونهم متعبة من النهار الطويل؛ لكن القدر كتب أن تُساق أقدامهم إلى واحدةٍ من أكثر الحروب دموية في التاريخ.
في صيف عام 1914، حين اشتعلت الحرب العالمية الأولى، كانت مصر ما تزال تحت وطأة الاحتلال البريطاني، وحين احتاجت بريطانيا إلى أيدٍ عاملة تخدم في ميادين الحرب، وجّهت أنظارها إلى المصريين. وهكذا تشكّلت فرقة العمال المصرية، جيشٌ من المدنيين جُمعوا من الريف والموانئ والورش، ليرافقوا الجيوش في خنادقٍ بعيدة لا يعرفون أسماءها حتى.
خرجوا من قراهم على عجل، تاركين وراءهم نساءً ينتظرن على الأبواب وأطفالًا لا يدركون معنى الحرب، يحملون فقط أوانيهم البسيطة وأحلامهم الصغيرة.. لم تكن رحلتهم تشبه رحلات الجنود الذين يسيرون تحت الأعلام، بل كانت رحلة تعبٍ وغربةٍ وخوف؛ فقد عبروا الصحراء والسواحل، وركبوا السفن إلى بلادٍ لا تشبه بلادهم في شيء؛ ليكونوا عمالًا في خدمة الجيوش، يبنون الجسور، ويحفرون الخنادق، وينقلون الذخائر والمؤن وسط وابل القذائف.
كانت أجسادهم هناك، لكن قلوبهم في مصر؛ في الحقول التي تركوها بلا من يرويها، وفي البيوت التي خلت من دفء سواعدهم.. لم يعرفوا لماذا يُساقون إلى تلك الجبهات، ولا لمن يقاتل هؤلاء الذين يخدمونهم، لكنهم أدركوا أن عليهم أن يصمدوا ليعيشوا.
ومع كل فجر جديد، كان بعضهم يسقط صامتًا تحت وابل القنابل، دون نشيدٍ وطني يودّعه، ودون علمٍ يُغطّي جسده.
ورغم أن التاريخ لم يكتب أسماءهم في صفحاته الأولى، إلا أن أثرهم بقي في تراب تلك الأرض البعيدة التي مشوا عليها حفاة، فقد كانوا الجنود المجهولين في حربٍ لم تكن حربهم، والذين قاتلوا بصبرهم وصمتهم أكثر مما قاتل الآخرون بسلاحهم..
لقد صنعوا أسطورةً خفيّة، حكايةً عن رجالٍ لم يحملوا سلاحًا، لكنهم حملوا الوطن في قلوبهم، وسقوا بعرقهم ذاكرةً ما تزال تستحق أن تُروى.
كان المجنّد المصري يُنتزع من قريته قسرًا أحيانًا، أو يُغرى بالمال والوعود أحيانًا أخرى، لا يدري إلى أين تُساق به الأقدار ولا ما ينتظره هناك...
وبعد أن جُمِع الرجال من القرى والنجوع، حُملت جموعهم إلى الموانئ، حيث كانت السفن تنتظرهم.. فركبوا تلك السفن متجهين إلى فرنسا واليونان، وعيونهم تتشبث بالأفق البعيد، وقلوبهم تضجّ بالحنين والخوف في آنٍ واحد.
وكان خطر الموت يحيط بهم من كل اتجاه؛ فقد كانوا يحفرون الخنادق، وينقلون الذخائر، ويمدّون الأسلاك الشائكة، ويغسلون الدم عن أرضٍ لا تخصّهم، بينما تتساقط القذائف من فوقهم بلا تمييز. لم يكن لهم في تلك البلاد سوى صدى خطواتهم المتعبة، وصبرهم الذي لا ينفد، صبرٌ صار زادهم الوحيد في رحلةٍ لم يختاروها، لكنها كتبت أسماءهم في ذاكرة الحرب وإن لم تُكتب على صفحات التاريخ.
ومع أن التجربة كانت قاسية، تتناوبها الوحشة والخوف، فإنهم حملوا معهم ما هو أثمن من البندقية؛ حملوا معهم روح مصر؛ كانوا يغنون في المعسكرات أغنياتٍ من الريف، يرددونها كأنها خيط يربطهم ببيوتهم البعيدة.. كانت أصواتهم الدافئة تخترق ضجيج الحرب، تذكّرهم بأن وراء هذا الدمار حياة تنتظرهم.. كانت إنسانيتهم الصغيرة، تلك التي لم تستطع الحرب أن تسرقها، هي ما يبقيهم أحياء وسط آلة الموت الصمّاء.
لم تُكتب أسماؤهم في سجلات البطولة، ولم تُرفع صورهم على الجدران، لكنهم حملوا عبء الحرب بصمتٍ نبيل.
في الكتاب الذي أعاد اكتشاف قصتهم، «فرقة العمال المصرية: العرق والفضاء والمكان في الحرب العالمية الأولى» الصادر عن المركز القومي للترجمة للمؤرّخ الأميركي د. كايل آندرسون، تظهر وجوههم الحقيقية؛ رجال بسطاء، خائفون أحيانًا، شجعان دائمًا، يواجهون البرد والجوع والغرباء بإصرارٍ لا يلين.. كانوا يعملون ليلًا ونهارًا في خطوط الإمداد والسكك الحديدية، يربطون بين المعسكرات كما يربط النيل بقرى الصعيد.
وقد مات الآلاف منهم هناك، بلا قبرٍ يعرفه أحد، لكن التاريخ بدأ أخيرًا يلتفت إليهم، يعيد إليهم صوتهم المسروق.
ما فعله هؤلاء العمّال لم يكن مجرّد خدمةٍ قسرية، بل تجربة إنسانية كبرى هزّت وعي المصريين؛ لقد خرجوا من قراهم الصغيرة فرأوا العالم للمرة الأولى، ورأوا كيف تُدار الحروب التي تُقرّر مصائر الأمم، فعادوا وهم أكثر وعيًا بوطنهم ومكانهم في التاريخ.
كانوا البذرة الأولى لفكرةٍ جديدة؛ أن المصري ليس مجرد تابعٍ أو رقمٍ في قوائم الاحتلال، بل إنسانٌ يملك حقّ الحياة والكرامة.
ربما لم يعرفوا ذلك حينها، لكنهم كانوا يشاركون في صناعة وعيٍ وطني سيزدهر بعد سنوات قليلة..
فحين اندلعت صيحات ثورة 1919 تملأ شوارع القاهرة والقرى والنجوع، لم تكن تلك الصيحات وليدة اللحظة، بل كانت امتدادًا لخطى أولئك العمال الذين جابوا ميادين الحرب قبلها بسنوات؛ فقد كان صدى أقدامهم القديمة يتردّد في خلفية المشهد، كأنهم مهّدوا الطريق لمن سيهتفون بعدهم بالحرية.. فقد زرعت الحرب في نفوسهم بذور الوعي، وعلّمتهم أن الذلّ لا يُحتمل، وأن الكرامة لا تُمنح بل تُنتزع.
لم يتحدث أحد طويلًا عن فرقة العمال المصرية؛ فقد نسيهم التاريخ الرسمي، وربما أراد أن ينسى.
لكن كتبًا مثل هذا أعادتهم إلى الضوء، لتذكّرنا بأن البطولة ليست دائمًا في ميدان القتال، بل أحيانًا في يدٍ تمسك بالمجرفة وهي تزرع الحياة وسط الموت.
إنها حكاية عن البساطة والإنسانية، عن رجالٍ عاديين وجدوا أنفسهم فجأة في قلب العالم، فكتبوا بعرقهم وشجاعتهم سطورًا خفية على هامش التاريخ.
وإن كانت الحرب قد وضعت أوزارها منذ أكثر من قرن، فإن أثرها في الوجدان المصري ما زال نابضًا، لأن أولئك العمال تركوا ما هو أعمق من النصر وأبقى من الهزيمة؛ تركوا درسًا في الصبر والكرامة..
واليوم، ونحن نعيد قراءة سيرتهم، نشعر أننا نردّ لهم بعضًا من الدين المستحق..
ففرقة العمال المصرية لم تكن مجرد وحدة خدمية في جيشٍ غريب، بل كانت مرآةً صافية تعكس جوهر المصري الحقيقي؛ الصامد رغم القهر، الكريم رغم الفقر، المحبّ للحياة رغم أهوال الحرب.
لقد شيّدوا الجسور والسكك في أراضٍ بعيدة، لكنهم في الوقت نفسه شادوا أول جسرٍ بين مصر والعالم الحديث؛ جسر الوعي والانتماء والإنسانية.
وفي زمنٍ يطغى فيه النسيان، تبقى حكايتهم شاهدًا على أن الهوية المصرية لا تُكتب في الخطب ولا تُصاغ في الشعارات، بل تتجسد في يدِ عاملٍ بسيط يكدّ في صمت، ويصنع بمعاناته معنى جديدًا للوطن كل يوم.


|