|
القاهرة 24 مارس 2026 الساعة 10:37 ص

ترجمة: سماح ممدوح حسن
يعيش البشر حاليا فترة استثنائية من الصراعات والأوبئة والحروب والتهديدات المناخية، مما يغرقهم فى موجات متتالية من القلق الذي أصبح جزءًا من الحياة اليومية والذى يتحول أحيانا إلى متحكم مسيطر على كل التفاصيل.
لكن هناك حلّ. وعن هذا الحل كتبت ميل برادمان مقالا بصحيفة الجارديان تشرح فيه القاعدة التى اتبعتها المعالجة النفسية معها للتعافى من القلق وهى قاعدة "السادسة والنصف مساءً". فكتبت وقالت:
لم يكن النصف الثاني من عام 2011 فترة عادية في حياتي؛ فقد تزايدت الضغوط المهنية إلى حدٍّ مرهق، بينما تلاشت ببطء علاقة عاطفية كنت أعلّق عليها آمالًا كبيرة. في الوقت ذاته، كانت والدتي تعاني من المرض، ووجدت نفسي أعيش حالة من الحنين الجارف لوالدي الذي رحل قبل سنوات. هكذا تلاقت العوامل كلها لتشكّل عاصفة قاسية لم أكن مستعدة لمواجهتها.
في تجارب سابقة، كنت أتمكن من تجاوز الفترات الصعبة بسرعة نسبية، لكن هذه المرة بدت الأمور مختلفة تمامًا. وجدت نفسي غارقة في حالة مستمرة من القلق المتزايد. ورغم استمراري في ممارسة حياتي اليومية من عمل وخروج، فإن القلق كان يفرض سيطرته على كل التفاصيل، حتى أن اتخاذ أبسط القرارات كان كفيلًا بإدخالي في نوبات من التوتر والذعر.
ولم تعد الوسائل التقليدية التي اعتدت اللجوء إليها للتخفيف من حدة الضغوط، كإشغال الوقت أو التخطيط للسفر أو القيام بنزهات طويلة، قادرة على إحداث فارق يُذكر. عندها أدركت أنني بحاجة إلى فهم أعمق لما أمرّ به، وأن الاستعانة بمعالج نفسي أصبحت ضرورة لا خيارًا. غير أن اتخاذ قرار البحث عن معالج مناسب شكّل بدوره عبئًا إضافيًا، إلى أن دلّتني إحدى صديقاتي على معالجة رأت أنها قد تكون الأنسب لحالتي.
كانت المعالجة النفسية التي لجأت إليها نرويجية، وقد عكست غرفة الاستشارات الخاصة بها، بألوانها الهادئة التي تراوحت بين الأزرق والكريمي أجواءً من السكينة والدفء. منذ الزيارة الأولى، شعرت بشيء من الارتياح. سردت لها تفاصيل ما أمرّ به، فأكدت لي أن تجاوز هذه الحالة ممكن، غير أنني لم أكن مقتنعة في البداية.
ومع مرور الأسابيع، بدا نهجها، الذي جمع بين التعاطف والحزم والواقعية، مطمئنًا إلى حد كبير، وبدأت أشعر بأن هناك من يدعمني. إلا أن القلق ظل يتصاعد داخلي بوتيرة متسارعة.
وخلال إحدى الجلسات، بينما كنت غارقة في دائرة قاسية من الإفراط في التفكير، طرحت فكرة غير تقليدية، قائلة: "اعتبري الفترة بعد الساعة السادسة والنصف مساءً وقتًا خاليًا من القلق".
استوقفتني العبارة، فسألتها عن المقصود، فأوضحت: "ببساطة، من السادسة والنصف مساءً وحتى استيقاظك في اليوم التالي، لا يُسمح لك بالقلق". بدا الأمر مستغربًا، فسألتها عن جدواه، لتؤكد أن الهدف هو منح العقل فرصة حقيقية للراحة، وإتاحة المجال للجوانب الأخرى في الشخصية البعيدة عن هيمنة القلق لتستعيد دورها.
وشددت على أن القلق يشبه المتنمّر. وكما هي الحال مع أي متنمّر، لا بد من وضع حدٍّ له.
لم أكن، بطبيعة الحال، مقتنعة بجدوى هذه الاستراتيجية. فقد بدا لي أن السبيل الوحيد للخروج من حالتي هو استنزاف القلق تمامًا، والانشغال به طوال ساعات اليقظة حتى أصل إلى "حلّ" لكل ما يقلقني. وكان من الصعب تقبّل فكرة كبح هذه الهواجس حتى ولو لساعات قليلة، إذ تخيّلت أنها قد تتفاقم إذا حاولت تجاهلها.
غير أن المعالجة النفسية ردّت بهدوء لافت: "ستظل مخاوفك قائمة في الصباح، إذا أردتِ العودة إليها" وعلى نحو غير متوقع، منحتني هذه العبارة قدرًا من الطمأنينة.
وبقدر من التردد، قررت أن أجرّب هذه القاعدة. في الليلة الأولى، تمكّنت من تأجيل الأفكار المقلقة حتى الساعة الثامنة مساءً، قبل أن تعود لتجتاحني من جديد. كان إنجازًا بسيطًا، لكنه بدا كافيًا في تلك اللحظة.
بعد أسابيع قليلة، سألتني المعالجة النفسية عن مدى تقدّمي. أخبرتها أنني تمكنت من تمديد "وقت اللاقلق" حتى الساعة العاشرة والنصف مساءً، لكنني ما زلت غير مقتنعة بأن هذه الاستراتيجية تُحدث فارقًا حقيقيًا. اكتفت بالقول: "واصلي المحاولة" ففعلت.
استغرق الأمر بعض الوقت، لكنني نجحت في نهاية المطاف في تمديد قاعدة "اللاقلق" لتشمل الفترة حتى صباح اليوم التالي. وبعد ذلك بفترة وجيزة، حدث التحوّل. بدأت أشعر بخفة غير مألوفة، ولم أعد أتأرجح في بحر من القلق، بل بدأت أستعيد إحساسًا بالسعادة والتفاؤل. عندها أخبرت معالجتي أن الأمر بدأ يؤتي ثماره.
بعد مرور نحو 18 شهرًا، شعرت بأنني أصبحت قادرة على مواجهة حياتي بمفردي. ولم يكن الفضل في ذلك يعود إلى "قاعدة اللاقلق" وحدها، بل إلى مزيج متكامل من العلاج النفسي بالكلام والنصائح العملية، مثل الاهتمام بالتغذية، والحصول على نوم كافٍ، وممارسة الرياضة، وتجنب الاندفاع في الحياة اليومية. ومع ذلك، لم أستطع التقليل من أهمية القوة التي منحني إياها تأجيل القلق وتركه جانبًا طوال الليل.
وفي العام الماضي، خلال رحلة إلى بانكوك، لفت انتباهي لافتة في إحدى الحانات كُتب عليها: "منطقة بلا قلق" أعجبتني كثيرًا، إذ كانت بمثابة تذكير بأن بإمكان الإنسان أن يجعل من حياته مساحة خالية من القلق، وأنه ليس مضطرًا لأن يكون رهينة له، ففي بعض الأحيان، يمكننا نحن من نتحكم بالمسار ونتخذ زمام الأمور بأنفسنا.
|