|
القاهرة 24 مارس 2026 الساعة 10:37 ص

*سمية عبد الكبير
?في الردهة الفسيحة لمبنى مجلة (ارتقاء) الثقافية، كانت رائحة الورق الممتزجة بالقهوة المرة تشكل عبقاً مقدساً يوحي بالنزاهة والترفع، هناك، خلف مكتبه الأبنوسي المصقول، يجلس الأستاذ "منير"، رئيس التحرير الذي يشع وجهه بابتسامة مصنوعة بدقة لتناسب كل من يطرق بابه، كان "منير" يرتدي قناع الملاك الحارس للثقافة، يتحدث عن العدالة الاجتماعية في مقالاته الافتتاحية بلغة تقطر عدلا، ويستشهد بفلاسفة مثل "كانط" و"هيجل" في نبذ الظلم، حتى انطبع في أذهان الجميع أن قلبه ليس إلا منبعا للفضائل.
?لكن، خلف تلك الابتسامة، كانت تكمن آلية معقدة من الانتقائية المقيتة، لم يكن التقدير في "ارتقاء" خاضعاً لجودة القلم، بل لمدى انحناء الظهر، كان منير يوزع العلاوات كأنه يوزع صكوك غفران، يمنحها لمن يتقن فن التملق، ويحجبها عمن يجرؤ على مناقشته في فكرة.
?في صباح تشريني بارد، كُسرت رتابة العمل بدخول شاب يدعى "مازن"، لم يكن مازن يمتلك الكاريزما الصحفية المعتادة وليس لديه خبرة في العمل، وبدا كأنه فُرض على القسم الثقافي فرضا.
لم تمر ساعات حتى سرت في الممرات همسات الاستياء؛ فتعيينه جاء في وقت كانت الإدارة تتحجج فيه بالتقشف لرفض ترقية الكوادر القديمة.
?كان الزملاء ينظرون إليه كجسم غريب، "من أين أتى هذا؟" تساءل سعد، المحرر الذي قضى عشر سنوات ينتظر رتبة "محرر أول"، وما زاد الطين بلة هو سلوك منير تجاه الوافد الجديد؛ فقد استبدل صرامته المعهودة مع المبتدئين بلينٍ مريب، وكان يعامله بأسلوب فيه انكسار وقد لاحظ الموظفون وتساءلوا: "من يكون هذا؟ هل هو قريبه؟" ولكن لا أحد يعرف الإجابة.
?تصاعد التوتر حين أُعلنت قائمة المكافآت السنوية، تصدّر اسم "مازن" القائمة، متجاوزاً أسماء حفرت في صخر الصحافة لسنوات، ساد صمتٌ ثقيل في صالة التحرير، صمت يسبق العاصفة.
?في تلك الليلة، دخل سعد إلى مكتب منير محتجاً، ليجد "الملاك" قد خلع قناعه، لم يعد هناك أثر لحديث الفضيلة، بل واجهه وجه متجهم، وعينان تشعّان قسوة.
?"ماذا أفعل لكم؟ لقد قمت بعمل اللازم ولكن الإدارة رفضت، ليس لديهم ميزانية يا سعد".
?خرج سعد منكسراً، لكنه لاحظ شيئاً لم يلحظه من قبل: صورة قديمة لمنير في بداياته كانت موضوعة بزاوية على الرف، وشبه مريب يجمع بين منير في شبابه كما في الصورة وبين "مازن" الموظف الجديد.
?لم تقبع الحقيقة في مخبئها، ففي الحفل السنوي للمجلة، وبينما كان منير يلقي خطبة عصماء عن "الأخلاق كدعامة للمجتمع"، دخلت امرأة غريبة، ملامحها منهكة بمرور السنين والظلم، لم تكن تريد مالاً ولا جاهاً، بل أرادت لحظة اعتراف واحدة أمام الملأ الذي يقدس هذا "القديس المزيف".
?بكلمات بسيطة، كشفت المستور: مازن ليس مجرد موظف محظوظ، بل هو "الخطيئة" التي حاول منير دفنها قبل خمسة وعشرين عاما في إحدى القرى النائية، هو الابن غير الشرعي الذي جاء به منير حتى يسكت ضميره المتأخر، ليس حباً في الأبوة ولا محاولة لتعويض الخطأ، بل خوفاً من فضيحة قد تطيح بعرشه الورقي، فقرر أن يدفع ثمن صمت الغريب من علاوات الموظفين الكادحين.
?ساد ذهول شلّ الأركان، نظر الجميع إلى منير؛ لم يجدوا الملاك، ولا المثقف الكبير، بل وجدوا رجلاً عارياً من كل قيمة، يرتجف خلف مكتبه الأبنوسي الذي بدا الآن كأنه تابوت لسمعته.
استقال منير، أو بالأحرى "اختفى"، وبقي مازن في مكتبه، ليس كموظف، بل كشاهد حي على انكسار الأوثان.
?وتفرق الزملاء، لكن شيئاً ما في روح "ارتقاء" قد انطفأ، فالثقة إذا ذُبحت على مذبح النفاق، لا تحييها ألف مقالة عن الفضيلة.
|