|
القاهرة 24 مارس 2026 الساعة 10:31 ص

عاطف محمد عبد المجيد
منذ أن أهداني كتابه هذا، كنت شغوفة بالاطلاع عليه، خاصة أنه يوثق سيرة امرأة شجاعة، بحث عنها وأحيا سيرتها كرمز من رموز الشجاعة المدنية في زمن قل فيه من يجرؤ على الانتقاد أو قول كلمة "لا"، لكنها فعلت وكانت الوحيدة في منطقة ألتاوسي التي صوتت ب "لا" متحدية كل السياسات المرسومة، ومنحازة إلى ضميرها الحي وإنسانيتها.
هذا ما تقوله د.إشراقة مصطفى حامد في صدر ترجمتها لكتاب "المرأة التي قالت لهتلر لا" للكاتب الألماني وولفجانج مارتن روث، الصادر حديثًا عن دار صفصافة للنشر والتوزيع والدراسات، وفيه تقول المترجمة إن هذه امرأة اسمها ماريا هايم كوسلر، وهي صاحبة تجربة فريدة دفعت الكاتب للبحث عنها وعن تجربتها، عن صدى صلواتها في الكنيسة، عن خطواتها الجريئة، وعن قبرها وعن كل شيء في حياتها، مشيرة إلى أن الكاتب سلط الضوء على تجربتها لأنها درة نادرة رفضت الانصياع للضغوط الاجتماعية والسياسية خلال فترة حكم النازية، لتصبح رمزًا للرفض والشجاعة في مواجهة الظلم، ذاكرة أنها كانت في الحادية والعشرين من عمرها وصوتت ب "لا" عندما سعى هتلر لضم النمسا إلى ألمانيا، مضحية بنفسها لتحمي بلدها من الاحتلال الفرنسي، لافتة النظر إلى أنها رأت فيها نساء منسيات في عوالم بعيدة، لعبن دورًا تاريخيًّا مميزًا، كالأميرة مندي بنت السلطان عجبنا من جبال النوبة في السودان، التي ناضلت بجسارة ضد المستعمر البريطاني ورغم دورها الكبير لم تُذكر في التاريخ الرسمي.
من هذا الكتاب / السيرة الذي يستهله المؤلف بمقولة رينيه شار التي يقول فيها: يجب أن تواجه التحديات والمصاعب بشجاعة وإصرار، نعرف أن ماريا هايم كوسلر ولدت في العام 1917، وكان عمرها واحدًا وعشرين عامًا يوم أن صوتت ب "لا" في الاستفتاء المعروف "الأنشلوس" في العاشر من أبريل من العام 1938، وقد نشأت ماريا في حي أرزلاتين، وهي الوحيدة التي قالت لا لقرار الاستفتاء في قريتها. والدها يوهان هايم كوسلر ولد في العام 1880 وكان عامل مناجم، أما والدتها فكانت كاتارينا هايم المولودة عام 1886، وقد عاشت ماريا في منزل طفولتها وتزوجت وهي في الثالثة والأربعين من ألويس لينورتنر، وانتقلت عام 1978 إلى دار لرعاية المسنين في ماوترن حيث توفيت عام 1986.
هنا كذلك نقرأ أنه قد يُنسى اسم ماريا هايم قريبًا، لكنها تظل كجبل راسخ ونصب تذكاري فريد في الصلابة والشكيمة لا يمكن تجاوزه، وستظل رمزًا فريدًا للأمل، وشاهدًا على أن الشجاعة المدنية قد تُغمر بالنسيان لكنها لم ولن تندثر أبدًا.
أيضًا يقول الكاتب إن ماريا كانت تتمتع بذكاء لامع وطموح، حتى أنها تفوقت على زميلاتها في الدراسة وأصبحت الأولى في فصلها، ورغم ذلك لم يُنظر إليها في السجلات النازية إلا كفتاة فلاحة بلهاء، في إهانة قاسية لا تليق بمكانتها، وقد قوبل رفضها القوي في الاستفتاء برفض من شباب القرية، مما جعلها تخرج من دائرة الاهتمام كعروس محتملة، كما يُعرف عن زواجها المتأخر أنه كان على الأرجح تدبيرًا أكثر منه علاقة عاطفية، مشيرًا إلى أن ماريا لم يكن بإمكانها أن تتنبأ بأن الضم "الأنشلوس" سيجر النمسا إلى أحلك فصول التاريخ الأوروبي وإلى جرائم الحرب والقتل الجماعي، لكن كان ل "لا" الصوت الجسور، صوت ماريا هايم، صدى كبير في ألتاوسي، متسائلًا: كيف استطاعت هذه المرأة أن تسطع بتفردها، متميزة عن الجموع مستقلة؟ كيف تجسدت فيها تلك القدرة الفائقة على التميز، فبدت كأنها نجمة ساطعة في سماء عاصفة، واجهتها وحيدة لتنال شرف الكلمة والموقف؟
|