|
القاهرة 17 مارس 2026 الساعة 04:52 م

ملف أعدّه: مصطفى علي عمار
في كل جيل من أجيال الثقافة العربية أسماء لا تمر مرورًا عابرًا، بل تترك أثرًا يظل ممتدًا في الوعي والدرس والذاكرة. ومن بين هذه الأسماء يبرز اسم الأستاذ الدكتور أحمد درويش، الذي غاب جسدُه، لكن حضوره العلمي والنقدي سيظل حيًّا في المكتبة العربية وفي عقول أجيال من الدارسين والباحثين.
لم يكن أحمد درويش مجرد أستاذٍ جامعيّ يدرّس البلاغة والنقد الأدبي، بل كان واحدًا من الأصوات النقدية التي نجحت في بناء جسرٍ متين بين التراث والحداثة. فقد تعامل مع التراث العربي بوصفه منبعًا حيًّا للفكر والجمال، وفي الوقت نفسه انفتح على المناهج النقدية الحديثة، قارئًا ومحللًا ومترجمًا، دون أن يفقد حسّه العربي الأصيل أو خصوصية رؤيته النقدية.
على مدى ما يقرب من ستة عقود، ظل درويش حاضرًا في قلب الحركة الثقافية العربية: أستاذًا في قاعات الدرس، وباحثًا في فضاءات الفكر، وناقدًا يضيء النصوص الشعرية والأدبية بقراءة عميقة تجمع بين الدقة الأكاديمية وذائقة الأديب. وقد ترك وراءه رصيدًا كبيرًا من المؤلفات والدراسات التي أصبحت مراجع مهمة في مجالات البلاغة والنقد الأدبي والأدب المقارن.
ولذلك لم يكن رحيله حدثًا عابرًا في الوسط الثقافي، بل لحظة حزن حقيقية عبّر عنها كثير من الأدباء والنقاد والباحثين، الذين رأوا فيه نموذجًا نادرًا للعالم الموسوعي والأستاذ المتواضع الذي جمع بين العلم الواسع والخلق الرفيع.
في هذا الملف تحاول "مصر المحروسة" الاقتراب من ملامح هذه القامة العلمية الكبيرة، عبر شهادات عدد من الأدباء والنقاد الذين عرفوه عن قرب، أو تأثروا بكتبه ومحاضراته، لنستعيد معًا سيرة ناقدٍ كبيرٍ ظلّ وفيًّا للأدب العربي، ومدافعًا عن جمال لغته وثراء تراثه.
استهل الكاتب الدكتور هيثم الحاج علي، أستاذ مساعد الأدب العربي الحديث والنقد بجامعة حلوان ورئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب، حديثه عن الراحل الأستاذ الدكتور أحمد درويش واصفًا إياه بأنه قامة علمية كبيرة آمنت بدعم الشباب، وترك أثرًا عميقًا في تلاميذه وزملائه.
ويضيف الحاج علي أن القيمة الحقيقية للعالم، كما تجلت في تجربة الراحل الكبير، لا تتوقف عند ما يتركه من كتب ونظريات ورؤى نقدية، بل تمتد إلى الأثر الإنساني العميق الذي يتركه في نفوس تلاميذه، وفي الجهد الصادق الذي يبذله لتمهيد الطريق أمام أجيال جديدة تجد في علمه ونزاهته بوصلة تهتدي بها. لا شك أن د. درويش جسّد نموذجًا فريدًا للأستاذ الذي جعل من دعم الشباب قضية شخصية يخوض من أجلها معركته بإخلاص، متجاوزًا ما قد تعترض طريق الباحثين من تعقيدات إدارية أو روتينية. ويستعيد في هذا السياق تجربة شخصية جمعته به حين تشرف الراحل بالإشراف على رسالة الماجستير الخاصة به، التي جاءت بعنوان *«تقنيات التجريب في القصة القصيرة عند يوسف الشاروني»*، وذلك في وقت كان يعمل فيه بسلطنة عُمان.
ويشير الحاج علي إلى أن البعد الجغرافي لم يكن عائقًا أمام متابعة الدكتور درويش لتفاصيل العمل العلمي؛ إذ كان يحرص على متابعة أدق مراحل الرسالة، بل كان يأتي إلى مصر خصيصًا لمتابعة تطورات الدراسة وإجراءات المناقشة. ولم يكن حضوره – كما يقول – حضورًا شكليًا لإتمام المراسم، بل كان وقوفًا حقيقيًا إلى جانب الطالب، ساعيًا إلى تذليل العقبات الإدارية وضمان سير الأمور في مسارها الصحيح، في سلوك يعكس إيمانًا عميقًا بأن دور الأستاذ لا ينتهي عند الضبط المنهجي للبحث، بل يمتد إلى حماية مستقبل الباحث نفسيًا ومهنيًا.
ولا يمكن أن ننسى نزاهته العلمية، فمواقفه في هذا الجانب ستظل محفورة في ذاكرة الجامعة؛ فقد كان الحارس الأول لحقوق تلاميذه، والدرع الذي يحميهم من أي اعتبارات خارج إطار العلم. ويذكر موقفًا شخصيًا حين حاول البعض التدخل لتعديل تشكيل لجنة مناقشة رسالته للماجستير التي وضعها الدكتور درويش وفق رؤيته العلمية، فما كان منه إلا أن تدخل بحزم ليعيد الأمور إلى نصابها، مؤكدًا أن العالم الحقيقي هو من يملك الشجاعة الأخلاقية لحماية استقلال قراره العلمي والدفاع عن طلابه.
ويختتم هيثم الحاج علي حديثه قائلًا إن رحيل الدكتور أحمد درويش ليس مجرد خسارة لأستاذ وناقد كبير، بل هو غياب لمنهج كامل في التربية والاحتواء. فقد علم تلاميذه أن العلم وسيلة لخدمة الإنسان لا للتعالي عليه، وأن الأستاذ الحقيقي هو الجسر الآمن الذي يعبر عليه طلابه نحو المستقبل. وسيظل أثره – كما يؤكد – حاضرًا في كل كلمة كتبها، وفي كل باحث مد له يد العون بعيدًا عن الأضواء، لتبقى سيرته نبراسًا يهتدي به من تتلمذوا عليه، ويواصلون عبره نهج العطاء نفسه.
وعند إعلان خبر وفاته، عبّر صديقه المقرب مصطفى عبد الله، الكاتب والناقد الصحفي ورئيس تحرير بمؤسسة "أخبار اليوم"، عن حزنه العميق قائلاً:
خرجتُ أمس من غرفة العمليات بعد إجراء عمليتين في القلب، وفوجئت اليوم بهذا الخبر المحزن للغاية.
وأضاف عبد الله أن علاقته بالأستاذ الدكتور أحمد درويش تمتد لما يقرب من أربعين عامًا، كتب خلالها عنه كثيرًا، بل أفرد له فصلًا كاملًا في كتابه الأحدث **«متون مضيئة»** الصادر مؤخرًا عن دار غراب للنشر.
وأشار إلى أنه زامل الراحل في عضوية لجنة الدراسات الأدبية بالمجلس الأعلى للثقافة، التي تولى الدكتور أحمد درويش مقرريتها لعدة سنوات، مؤكدًا أن هذه الزمالة أتاحت له التعرف عن قرب إلى جهوده العلمية والثقافية الكبيرة. كما جمعتهما مشاركات ثقافية وعلمية في عدد من الدول، من بينها كوريا الجنوبية والكويت والسعودية والبحرين والجزائر والمغرب، إلى جانب دول أخرى، حيث كان الراحل حاضرًا دائمًا بجهده العلمي ورؤيته النقدية المتميزة في مختلف الفعاليات والملتقيات الثقافية.
فيما يقول الناقد الأدبي محمد عبد الباسط عيد: إن الدكتور أحمد درويش كان واحدًا من أبناء الجيل الذهبي لكلية دار العلوم، ذلك الجيل الذي تجلت في كتاباته ومحاضراته الفكرة الجوهرية التي قامت عليها هذه المؤسسة العلمية العريقة. فقد نشأت دار العلوم منذ ما يقرب من مائة وخمسين عامًا لتجسد رؤية ثقافية تجمع بين الأصالة والحداثة، وبين الثقافة العربية العميقة والاطلاع الراسخ على الثقافة الغربية، في واحدة من أهم ثنائيات النهضة العربية وأعدل توجهاتها.
ويضيف عيد أن هذا المسار العلمي أنجب أسماء كبيرة جسدت هذه الرؤية قبل عقود من التراجع الذي يشهده الواقع الثقافي اليوم، ومن بينهم في مجالي النقد واللسانيات: عبد الرحمن أيوب، وتمام حسان، وعلي عشري زايد، والطاهر مكي، وصلاح رزق، ومحمود الربيعي، ومحمد غنيمي هلال، وسعد مصلوح، وغيرهم من أعلام الفكر النقدي. وينتمي د. درويش إلى هذه السلالة العلمية الكريمة التي عرفت تراثها بعمق كما عرفت الآخر بوعي، فاستفادت من كلا الجانبين، وتركت أثرًا واضحًا في مجال النقد والترجمة الواعية. فلم يكن هؤلاء العلماء يسايرون الجديد لمجرد حداثته، بل كانوا يتعاملون مع ما يثري النقد العربي ويفتح أمام القارئ آفاقًا أوسع للفهم والتأويل، فيغني روحه ويثري عقله.
ويؤكد عيد أن من اقترب من أحمد درويش محاضرًا أو إنسانًا لمس فيه تلك الكفاءة اللغوية الرفيعة التي جعلته واحدًا من فصحاء عصره؛ إذ كانت اللغة تجري على لسانه سلسةً آسرة، غنية البيان، مطواعة التعبير، تتزين بالاستشهاد الشعري والحكايات والمواقف التي يستدعيها بسهولة وبراعة.
ويختتم حديثه متأملًا في جدوى ثنائية الأصالة والمعاصرة التي مثلها ذلك الجيل من كبار الأساتذة، متسائلًا عن حجم الخسارة التي يتكبدها المشهد الثقافي العربي مع رحيل واحد من شيوخ العربية. فمع كل رحيل، كما يقول، نشهد عصرًا كاملًا من الإتقان والإجادة والتكوين العلمي يطوي صفحاته، وهو أمر يدعو إلى الحزن العميق.
وتقدّم الدكتور أحمد بلبولة، عميد كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، بخالص العزاء والمواساة إلى أسرة الأستاذ الدكتور أحمد درويش، وإلى أسرة قسم البلاغة والنقد الأدبي بالكلية، وإلى كلية دار العلوم وجامعة القاهرة، فضلًا عن الوسط الثقافي في مصر والعالم العربي، في رحيل أحد أبرز أعلام النقد والبلاغة.
وأكد بلبولة أن الأستاذ الدكتور أحمد درويش، الأستاذ المتفرغ بقسم البلاغة والنقد الأدبي والأدب المقارن، يعد قامة علمية كبيرة وشاعرًا وناقدًا من النقاد البارزين في العالم العربي. وقد أسهم بدور فاعل في إثراء الحركة الثقافية المصرية، من خلال رئاسته للجنة الدراسات الأدبية واللغوية بالمجلس الأعلى للثقافة لأكثر من دورة، إلى جانب ما كتبه من مقالات نقدية وفكرية وثقافية في عدد من الصحف والمجلات المصرية والعربية.
وأشار إلى أن حضور الدكتور درويش الإعلامي كان له أثر واضح في دعم حركة التنوير الثقافي في مصر والعالم العربي، فضلًا عن مؤلفاته العلمية التي تجاوزت أربعين كتابًا، ومقالاته الأكاديمية المتعددة، وإسهاماته المتميزة في مجال الترجمة.
وأضاف أن الدكتور أحمد درويش كان أستاذًا أكاديميًا مرموقًا، تخرّج على يديه في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة أجيال من النقاد والشعراء والأكاديميين في مصر وعدد من البلدان العربية، كما قام بالتدريس في عدد من الجامعات العربية والأجنبية.
ويصف الدكتور حسن علي دبا، أستاذ النقد والثقافة ورئيس المركز الأوروبي للصحافة والإعلام، الراحل الدكتور أحمد درويش بأنه ظاهرة نقدية فريدة في مسار النقد العربي المعاصر.
ويقول إن وفاته لم تكن أمرًا هينًا على الدرس النقدي؛ إذ كان من أبرز من نجحوا في الجمع بين أصالة النقد العربي كما تجلت في جهود السابقين، وبين تيارات الحداثة النقدية. فقد درس في باريس خلال بعثته العلمية، في البيئة التي نشأت فيها العديد من المذاهب والاتجاهات النقدية الحديثة، غير أنه لم ينجرف وراءها أو يتعامل معها باعتبارها نصوصًا مقدسة، كما لم يتوقف عند مقولات القدماء دون مراجعة. بل استطاع أن يستوعب الاتجاهين معًا، وأن يقدم للدرس النقدي الأكاديمي صيغة متوازنة تمزج بين التراث والحداثة، وهو ما جعله – في رأيه – ظاهرة مميزة في هذا المجال.
ويضيف أن الدكتور أحمد درويش كان مدرسة معرفية قائمة بذاتها، فقد جمع بين عمق التراث وأصالة المنهج، وبين حداثة الطرح ودقة التحليل. ولم يكن ناقدًا عابرًا في صفحات الكتب، بل كان صوتًا علميًا رصينًا أسهم في توجيه الحركة الأدبية والنقدية، وشارك في صناعة الوعي الثقافي، كما ربّى أجيالًا من الباحثين على أمانة الكلمة ونبل الرسالة والصدق في الانتماء للغة العربية وآدابها.
ويشير إلى أن الراحل، إلى جانب علمه الواسع، كان مثالًا في التواضع؛ فلم ينحصر نشاطه داخل أسوار الجامعة، بل حرص على الحضور في المجال الثقافي العام، مشاركًا بعلمه وخبرته في العديد من البرامج الإذاعية والتلفزيونية، مسهمًا بذلك في نشر الثقافة النقدية بين جمهور أوسع.
ويقول الدكتور سليمان جادو شعيب: إن أستاذه الجليل الدكتور أحمد درويش، أستاذ البلاغة والنقد الأدبي والأدب المقارن بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة، يُعد واحدًا من أبرز النقاد المعاصرين في ساحة الأدب والنقد في مصر والعالم العربي، بل من الأسماء القليلة التي يشار إليها بالبنان لما امتلكه من مهارات وقدرات نقدية متفردة جمعت بين الأصالة والمعاصرة.
ويضيف أن الدكتور أحمد درويش أثرى المكتبة العربية بعدد كبير من المؤلفات الأدبية والنقدية والبلاغية التي تجاوزت الأربعين كتابًا، إلى جانب مقالاته النقدية والفكرية والأكاديمية المنشورة في العديد من الدوريات والمجلات والصحف المصرية والعربية، فضلًا عن إسهاماته البارزة في مجال الترجمة.
كما كانت له مكانة مميزة في عالم الشعر العربي الحديث؛ إذ صدر له عدد من الدواوين الشعرية، من بينها "ثلاثة ألحان مصرية" و"نافذة في جدار الصمت" و"دواوين أحمد درويش". وقد انعكس مزجه الواعي بين التراث العربي والمذاهب النقدية الأوروبية الحديثة في عدد من مؤلفاته المهمة، مثل "الأدب المقارن: النظرية والتطبيق" و"دراسة الأسلوب بين التراث والمعاصرة" و"بناء لغة الشعر" – وهو كتاب مترجم عن الفرنسية – و"النقد التحليلي للقصيدة المعاصرة".
ويشير شعيب إلى أن الراحل الكبير ظل حتى أيامه الأخيرة حاضرًا في المشهد الثقافي، ناشرًا العلم والفكر والأدب في مصر والعالم العربي، وقد تخرج على يديه عدد كبير من طلاب العلم والباحثين الذين يدينون له بالفضل في مسيرتهم العلمية، ويذكرون دوره الرائد في ميدان النقد الأدبي والبلاغي.
ويضيف الشاعر والناقد "عمارة إبراهيم" مستعيدًا جانبًا من دعم الدكتور أحمد درويش للمبدعين الشباب، وروحه المشجعة في البدايات الإبداعية، فيروي تجربة شخصية كان لها أثر كبير في مسيرته.
يقول: "رحم الله ناقدنا الأستاذ الدكتور أحمد درويش، فقد قدّم للدرس الأكاديمي والعمل النقدي الكثير والكثير. ولن أنسى ما قدّمه لي شخصيًا عام 1999، حين تقدمت بديواني "براح مشاكس" للنشر ضمن سلسلة "كتابات جديدة". وكان يرأس تحرير السلسلة آنذاك الكاتب إبراهيم عبد المجيد، ومدير تحريرها الشاعر الراحل فتحي عبد الله، وسكرتير التحرير أيمن حمدي".
ويضيف أنه بعد فترة من تقديم مخطوط الديوان، تلقى اتصالًا من الشاعر فتحي عبد الله يهنئه فيه، مؤكدًا أن الناقد الكبير الدكتور أحمد درويش قدّم تقرير فحص الديوان بدرجة مرتفعة، وأشاد بقيمته الفنية، موصيًا بنشره. كما كان الفاحص الثاني هو الناقد الراحل الدكتور شاكر عبد الحميد، الذي قدّم بدوره تقريرًا بدرجة قريبة من تقدير الدكتور درويش.
ويؤكد عمارة إبراهيم أن تلك اللحظة كانت بداية معرفته بالدكتور أحمد درويش، ومن ثم توطدت بينهما علاقة ثقافية وإنسانية امتدت لسنوات.
ويستعيد آخر لقاء جمعه بالراحل في اتحاد كتاب مصر، حيث أهداه الدكتور درويش كتابه عن صلاح الدين الأيوبي بإهداء خاص يعكس عمق الصداقة التي جمعتهما. ويشير إلى أنه رغم اختلافه معه في أحد الآراء النقدية التي نشرها على صفحته، وقدّم فيها أحد شعراء مصر بوصفه أهم شاعر عربي في عصرنا، فإن الدكتور درويش تقبل رأيه المخالف بكل احترام وتقدير، في دلالة على سعة أفقه وروحه المتسامحة.
|