|
القاهرة 17 مارس 2026 الساعة 04:44 م

بقلم: ضحى محمد السلاب
بينما تزدحم الشاشة بمسلسلات رمضان، وفي خضم الصراع الدائر على لقب المسلسل الأعلى مشاهدة، وجدتُ نفسي هذا العام – وللمرة الأولى – أشاهد قناة «ماسبيرو زمان». هناك استوقفني عالم «علي بابا والأربعين حرامي» بسحره الفطري وبساطته الآسرة.
لكن، بعيدًا عن الكنوز والمغارات، تساءلتُ بفضول: هل ما زال «علي بابا والأربعون حراميًا» قادرين على صنع حكاية؟ وهل استلهم مسلسل «النُّص» بطولة أحمد أمين سحر هذه الحكاية عندما قال: «عاشت مصر… عاش الحرافيش»؟ وهل يصنع حرافيش المدينة جزءًا من هذه الحكايات؟
من يصنع الحكاية؟!
في الحكايات الشعبية العربية، كما في الأدب الواقعي الكبير، لا تكون الجماعة مجرد خلفية للأحداث، بل غالبًا ما تكون القوة التي تمنح الشرعية وتسحبها. غير أن الدراما الحديثة كثيرًا ما تعيد ترتيب هذه المعادلة، فتنقل مركز الفعل من الجماعة إلى الفرد، ومن الوعي الشعبي إلى البطولة الشخصية.
تبدو هذه الإشكالية بوضوح إذا قارنا بين تصور «الحرافيش» في عالم نجيب محفوظ، خصوصًا في رواية الحرافيش، وبين حضورهم في بعض الأعمال الدرامية مثل مسلسل علي بابا والأربعين حرامي بطولة يحيى الفخراني ودلال عبد العزيز، ومسلسل النُص بجزأيه الأول والثاني بطولة أحمد أمين وأسماء أبو اليزيد.
الحرافيش عند نجيب محفوظ بوصفهم ميزان العدالة
حين صاغ نجيب محفوظ عالمه الروائي في «الحرافيش»، لم يكن يكتب عن الفقراء بوصفهم طبقة مهمشة فحسب، بل بوصفهم مركز الثقل الأخلاقي في الحكاية. فالحرافيش في الرواية هم من يمنحون الفتوة شرعيته، وهم من يسحبونها حين ينحرف عن العدل.
ولهذا تبدو العلاقة بين الفتوة والحرافيش علاقة تعاقدية ضمنية: ما دام الفتوة يحمي الجماعة ويصون العدالة، فإنه يستحق موقعه. أما إذا تحول إلى طاغية، فإن الجماعة نفسها تصبح قوة مقاومة تسقطه.
من هذه الزاوية يكتسب شعار «عاشت مصر… عاش الحرافيش» معنى يتجاوز الاحتفاء الرمزي بالشعب؛ فهو إعلان عن أن الشرعية في النهاية تعود إلى الجماعة... بداية من مسلسل علي بابا والأربعين حرامي وحتى مسلسل النص في رمضان الماضي والجزء الثاني منه الذي يعرض في رمضان الحالي 2026 بعنوان "النص الثاني".
«علي بابا والأربعين حرامي»: الحكاية الشعبية وبطلها الفردي
عرض مسلسل علي بابا والأربعين حرامي في رمضان عام 1995، وهو عمل مستوحى من إحدى أشهر حكايات ألف ليلة وليلة. وقد كتب السيناريو الكاتب يسري الجندي وأخرجه جمال عبد الحميد، وشارك في بطولته عدد كبير من النجوم مثل أحمد مظهر وعزت أبو عوف وزوزو نبيل وشوقي شامخ.
تبدأ الحكاية من شخصية **قاسم** الذي يتزوج من ابنة تاجر ثري، بينما يعيش شقيقه **علي بابا** حياة الفقر، فهو رجل بسيط من الحرافيش يبيع حلقان. وفي إحدى المرات يشاهد مجموعة من اللصوص يدخلون إلى مغارة لا يفتح بابها إلا بكلمة السر الشهيرة **«افتح يا سمسم»**. بعد خروجهم يدخل المغارة ليكتشف كنوزًا هائلة من الذهب والعملات الثمينة، فيأخذ منها ويبدأ الصراع.
كان تتر المسلسل جزءًا مهمًا من ذاكرة الجمهور، إذ غناه المطرب حسن فؤاد بكلمات تلخص الحكاية الشعبية:
{ يا حبايبي كان يا ما كان
إنسان فقير غلبان
سارح يبيع حلقان
واسمه علي بابا}
كما عبّرت كلمات الأغنية عن الصراع بين الخير والشر:
علي بابا ياما انضنا وتعب
ولف كتير
وقاسم أخوه اغتنى
وبقى له قصر كبير
وكانت هذه التجربة الأولى للمطرب حسن فؤاد في غناء تترات المسلسلات، وقد ساهمت في صنع جماهيريته.خاصة مع الحان الموسيقار عمار الشريعي، الذي استطاع أن يمنح العمل طابعًا ملحميًا يتناسب مع روح الحكاية الشعبية.
مسار الحكاية: صراع الخير والشر
تتطور أحداث المسلسل مع تصاعد الصراع بين علي بابا وشقيقه قاسم. فالأخير لا يكتفي بالثراء، بل يمارس الظلم على شقيقه إلى حد استبدال ابن علي بابا بابنته، كما يحاول سجنه أكثر من مرة، مما يضطره إلى الفرار.
وخلال رحلته يكتشف علي بابا كلمة السر للمغارة ويحصل على الكنوز. وبعد سنوات يعود ثريًا ويحاول فتح صفحة جديدة مع شقيقه، لكن المحاولة تفشل. ويتآمر قاسم وزوجته بمساعدة **ملك الجان** للتخلص منه ومن سلطان البلاد، ويظهر الأمر للعامة وكأنه انتقام من عصابة الأربعين حرامي.
يأمر ملك الجان بحبس علي بابا والسلطان في **مدينة النحاس** في عالم الجان، حيث تحكم المدينة زوجة شقيقه " هوانم". وفي النهاية ينتصر الخير ويعود علي بابا ليحكم البلاد، بينما تنتحر زوجة قاسم وتعود المياه إلى مجاريها بين الأخوين.
«النُص»: بطل شعبي في زمن التحولات
أما مسلسل النُص الذي عرض في رمضان الماضي فيقدم صورة مختلفة قليلًا للحارة الشعبية. يجسد أحمد أمين شخصية **عبدالعزيز النُّص**، وهو نشال تائب عاش في ثلاثينيات القرن العشرين ويحاول البحث عن مصدر رزق مشروع.
لكن الأقدار تضعه في قلب صراعات سياسية وأحداث غامضة، ومع تصاعد الأحداث يتحول من مجرد نشال إلى **بطل شعبي تتناقل الأجيال سيرته**.
ويستند المسلسل إلى معالجة درامية مستوحاة من وقائع تاريخية مأخوذة من كتاب «مذكرات نشال» للكاتب أيمن عثمان. والعمل من تأليف شريف عبد الفتاح وعبد الرحمن جاويش ووجيه صبري، ومن إخراج حسام علي.
في تطور درامي مهم للجزء الثاني الذي يعرض حاليا في رمضان 2026 نفذ "النص" وعصابته مهمة جديدة تهدف إلى الإيقاع بجاسوس إنجليزي متخفٍ بين الألمان. وتمكن النص بالفعل من تحديد هوية الجاسوس، إلا أن الأمور لم تسر كما خُطط لها، إذ اختفى الجاسوس بشكل غامض قبل أن يتمكن الفريق من القبض عليه، ما زاد من تعقيد المهمة وفتح الباب أمام مواجهات جديدة.
خلال الأحداث، تواصل "النص" مع الضابط شعراوي الذي أنقذه من محاولة الاغتيال، طالبًا مساعدته في الهروب من البلاد، لكن الضابط فاجأه بطلب مختلف، إذ طلب منه الاستمرار في العمل مع الألمان، ولكن هذه المرة كجزء من خطة لخدمة الجانب المصري، في إطار لعبة استخباراتية معقدة تعتمد على الجاسوسية المزدوجة, لصالح مصر، وسط أجواء الحرب العالمية الثانية.
الحرافيش: الجذور التاريخية للمصطلح
مصطلح "الحرافيش" أو "الحرافشة" (مفردها حرفوش أو حرنفش) يعود إلى طبقة اجتماعية متدنية عاشت في القاهرة خلال العصر المملوكي.
وكانوا يمثلون عامة الناس، الحرفيين، والمهمشين الذين سكنوا الحارات، وعرفوا بـ "سلطان الحرافيش" كرمز لقوتهم وتأثيرهم رغم فقرهم، كما لعبوا دوراً في المقاومة الشعبية ضد الحروب.
ثم عاد المصطلح إلى الواجهة الأدبية مع رواية «الحرافيش» لـ نجيب محفوظ عام 1977.
تتر «النُص»: الحرافيش كهوية شعبية
استدعى المسلسل مفهوم الحرافيش أيضًا في تتر البداية في الجزء الأول من مسلسل النص ، الذي كتبه جورج عزمي، ولحنه إيهاب عبد الواحد، وغناه هاني الدقاق قائلا ً
{عاشت مصر.. عاش الحرافيش
جدعان جدعان مش نص ونص
عاشت مصر.. عاش الحرافيش
ساعة الجد نأدي ونص}
كما تصف الأغنية الحياة الشعبية في الأزقة فتقول:
{بين الزقاق والعطفة
صعاليك على حرافيش
عيشتنا في أصلها حرفة
وآخر النهار معيش}
وقد حققت الأغنية نجاحًا كبيرًا لأنها تعكس فلسفة الحياة في الأحياء الشعبية المصرية، وتربط بين قوتها وصمود أهلها في مواجهة التحديات.
عاشت مصر.... عاش الحرافيش
في الأعمال الدرامية، يختلف تصوير الحرافيش بحسب سياق القصة، ففي مسلسل "النص" يظهر الحرافيش كفئة من الناس المهمشين الذين يعكسون الواقع الاجتماعي والاقتصادي وصراعات الفقر، فتكون شخصياتهم واقعية وحياتهم اليومية محور التركيز. أما في مسلسل **"على بابا والأربعين حرامي"**، فالحرافيش هم لصوص ضمن قصة مغامراتية شعبية، حيث تتركز الأحداث على المغامرة والذكاء والعدل، وتكون شخصياتهم قوية ودرامية، لا مجرد انعكاس للواقع الاجتماعي، بل جزء من حكاية شعبية تحمل روح الإثارة والمغامرة.
عند المقارنة بين العملين يتضح أن الحرافيش يظهرون بطرق مختلفة، لكنهم في الحالتين لا يمتلكون الدور الحاسم الذي منحهم إياه نجيب محفوظ في روايته.
تكشف هذه المقارنة أن شعار «عاشت مصر… عاش الحرافيش» يحمل دلالتين محتملتين:
إما أن يكون إعلانًا عن مدى قوة الطبقة البسيطة من الشعب بوصفها مصدر الشرعية والتغيير،
وإما أن يتحول إلى احتفاء رمزي بالشعب داخل حكاية يظل زمامها بيد البطل الفرد.
وبين الحالتين تكمن المسافة بين شعب يصنع التاريخ… وشعب يُحتفى به وهو يشاهده.
يمكن فهم حضور **الحرافيش** في أعمال مثل **على بابا والأربعين حرامي** و**النص والنص الثاني** في ضوء تقليد سردي عميق في الثقافة العربية يقوم على فكرة **البطل الشعبي المرتبط بالجماعة**. ففي هذا التصور لا يظهر البطل كفرد معزول، بل كامتداد لطبقة العامة التي تمنحه شرعيته الأخلاقية والاجتماعية. الحرافيش هنا لا تمثل مجرد خلفية درامية للأحداث، بل ترمز إلى القوة الكامنة في المجتمع؛ فهم الفقراء والمهمشون الذين يشكلون الضمير الجمعي للمدينة. لذلك يصبح الصراع في هذه الأعمال صراعًا بين سلطة أو قوة منحرفة وبين الجماعة الشعبية التي تبحث عن العدالة. ويقترب هذا التصور من الرؤية التي جسدها نجيب محفوظ في رواية الحرافيش، حيث تتحول الطبقات الشعبية إلى مصدر القيم مثل الشهامة والتضامن، وإلى معيار يقاس به صدق الأبطال.
ومن هذا المنظور، فإن الحرافيش في هذه الدراما تؤدي وظيفة رمزية واجتماعية معًا: فهي تمثل القاعدة الحقيقية للمجتمع، والمجال الذي تُصنع فيه الشرعية الأخلاقية للبطولة؛ فالبطل يكتسب مكانته عندما ينحاز إلى العامة ويدافع عنهم، بينما يفقد هذه المكانة عندما ينفصل عنهم أو يستغلهم. وبذلك يصبح حرافيش المدينة في هذه الأعمال ليست مجرد شخصيات ثانوية، بل تجسيدًا لروح المجتمع وذاكرته الشعبية، الذي يرى أن العدالة الحقيقية تنبع من الناس العاديين لا من مراكز السلطة.
المصادر
1...تتر "النص" يحقق نجاحًا كبيرًا.. هاني الدقاق يغني للصعاليك والحرافيش ..موقع جريدة الدستور 2025
2...عاشت مصر عاش الحرافيش».. أحمد أمين يكشف عن كلمات تتر «النص
أمنية فوزي ...موقع المصري اليوم 2025
3...الحلقة الأولى من مسلسل النص.. معنى كلمة حرافيش
بسنت جميل ...2025 موقع اليوم السابع
4... نوستالجيا مسلسلات رمضان.. "على يا على" مين يقدر ينسى العترة الفولالى و40 حرامى
نورا طارق 2019 ..موقع اليوم السابع
5...رمضان زمان وحياة سيدنا الولي.. تتر ساهم في نجاح ”علي بابا والأربعين حرامي
محمد أبو زيد 2023 موقع الطريق الأقرب للحدث
6.... أحداث "النص التاني" الحلقة 5.. محاولة اغتيال تكشف لعبة الجواسيس ..موقع فوشيا 2026







|