|
القاهرة 17 مارس 2026 الساعة 04:39 م

كتب: أكرم مصطفى
مع دخولنا في الثلث الأخير من شهر رمضان المبارك لعام 2026، وبدء اتضاح الرؤية حول نهايات المسلسلات ومسارات شخصياتها، أجد نفسي – كمشاهد مصري وعربي يقف أمام الشاشة والمنصات الرقمية – أمام موسم درامي استثنائي يحمل الكثير من المتغيرات التي تستحق التوقف عندها. لم يعد رمضان مجرد شهر لعرض المسلسلات، بل أصبح معمل اختبار حقيقي لتطور صناعة الدراما في مصر.
وإذا كان هناك عنوان رئيسي لهذا الموسم، فهو "نهاية عصر المط والتطويل". في المواسم السابقة، كنا نشتكي من الحلقات التي لا تحمل أي جديد سوى حشو المشاهد لإكمال قالب الـ 30 حلقة. أما في رمضان 2026، فقد هيمنت مسلسلات الـ 15 حلقة بشكل شبه كامل على صناعة الدراما، سواء في النصف الأول أو الثاني من الشهر. هذا التحول جعل الإيقاع أسرع، والحبكات أكثر تماسكاً، وأجبر صناع العمل على الدخول في صلب الموضوع مباشرة، وهو ما يحترمه المشاهد الحديث الذي لم يعد يمتلك رفاهية الوقت.
لم تعد شاشة التلفزيون التقليدية هي الحاكم بأمره. في هذا الموسم، لاحظت أن المنصات الرقمية لم تعد مجرد "مكان لعرض الحلقات بدون فواصل إعلانية"، بل أصبحت توجه نوعية الإنتاج. رأينا أعمالاً صُنعت بصبغة عالمية تناسب جمهور المنصات؛ حيث تلاشت الخطوط الحمراء الرقابية التقليدية قليلاً لصالح جرأة الطرح وعمق التناول النفسي للشخصيات.
من الناحية البصرية، نحن أمام طفرة حقيقية. الدراما المصرية في 2026 ترتدي ثوباً سينمائياً فاخراً. الكادرات، الإضاءة، وتلوين الصورة وصلت إلى مستويات تضاهي الإنتاجات العالمية. والأكثر إثارة هذا العام هو الاستخدام الملحوظ لتقنيات الذكاء الاصطناعي والمؤثرات البصرية ، سواء في تصميم تترات المسلسلات، أو في تجسيد حقب زمنية قديمة وتخيل عوالم مستقبلية في مسلسلات الفانتازيا التي أخذت مساحة جيدة هذا العام، مما أخرجنا من عباءة الدراما الاجتماعية المكررة.
ما زالت تيمة "البطل الشعبي" والحارة المصرية تجذب قطاعاً عريضاً من الجمهور، ولكن الملاحظ في 2026 أن صناع هذه الأعمال حاولوا الخروج من النمط الاستهلاكي المتمثل في "البلطجة والصراعات الدموية" إلى أبعاد أكثر إنسانية واجتماعية ترصد تحولات الطبقة المتوسطة والشعبية في ظل التغيرات الاقتصادية. ومع ذلك، لا نزال نحن المشاهدين نقع في فخ التكرار في بعض الأحيان، حيث نجد نجوماً يرفضون الخروج من المنطقة الآمنة، مثل أحمد العوضي في علي كلاي. ، تحت منطق اللعب في المنطقة ويعيدون تقديم الشخصية نفسها بأسماء مختلفة.
رغم التطور المذهل في الصورة والإخراج وأداء الممثلين، إلا أننا كمشاهدين لا نزال نشعر بوجود فجوة في "الورق" (السيناريو). بعض الأعمال بدأت بوعود قوية في حلقاتها الأولى، ثم سرعان ما فقدت بوصلتها في المنتصف بسبب ضعف البناء الدرامي أو الاستسهال في حل العقد. الدراما في النهاية هي "حدوتة"، وإذا ضعفت الحدوتة، لا يمكن لأفضل كاميرا في العالم أن تنقذ العمل، مسلسل "بيبو" الذي يفتقد إلى منطقية الحكاية، كما يفتقد إلى الرؤية الإخراجية وكذلك قدر الممثلين على الأداء..
موسم الكوميديا هذا العام كان متفاوتاً. المشاهد بات أكثر ذكاءً ولم يعد يضحك على "الإفيهات" المستهلكة أو الكوميديا الجسدية المفتعلة. الأعمال الكوميدية التي نجحت في رمضان 2026 هي التي اعتمدت على "كوميديا الموقف" والسيناريو الذكي، بعيداً عن الاستظراف أو الاعتماد المطلق على ارتجال الممثل.
موسم رمضان 2026 هو خطوة متقدمة جداً للدراما المصرية نحو العالمية والاحترافية التقنية. لقد كسبنا إيقاعاً سريعاً، تنوعاً في القوالب، وصورة مبهرة. ولكن لكي تكتمل التجربة في المواسم القادمة، يحتاج الصناع إلى العودة لجذور المهنة: الاستثمار في ورش الكتابة، والبحث عن أفكار أصيلة تخاطب عقل المشاهد قبل عينيه. نحن كمشاهدين نعد بالبقاء أوفياء لهذه الصناعة العريقة، طالما استمرت في احترام عقولنا ووقتنا.
|