|
القاهرة 14 مارس 2026 الساعة 06:46 م

بقلم: محمد خضير
تظل الثقافة المصرية، عبر تاريخها الطويل، واحدة من أبرز ملامح الشخصية الوطنية وأقوى أدوات حضور مصر في محيطها الإقليمي والدولي، فمصر هى الحضارة، وتمثل فضاءً حضاريًا واسعًا تشكل عبر آلاف السنين من التفاعل الثقافي والفكري والإبداعي.
ـ التعبير عن الذات
وفي قلب هذا المشهد الحضاري يبرز مفهوم القوة الناعمة بوصفه أحد أهم مفاتيح التأثير المصري في العالم، ذلك التأثير الذي صاغته الفنون والآداب والفكر والتعليم، كما صاغته صورة الإنسان المصري المبدع القادر على التعبير عن ذاته وعن قضايا مجتمعه بروح إنسانية منفتحة.
وفي ظل التحولات العالمية المتسارعة، يزداد الاهتمام بإعادة قراءة هذا المفهوم وتفعيل أدواته، خصوصًا في دولة تمتلك من الرصيد الحضاري ما تمتلكه مصر، ومن هنا تبرز أهمية الرؤية الثقافية التي تتبناها الدكتورة جيهان زكي وزيرة الثقافة، والتي تنطلق من فهم عميق لدور الثقافة باعتبارها قوة مؤثرة في تشكيل الوعي وبناء صورة مصر الحضارية في الداخل والخارج.
ولقد ارتبطت القوة الناعمة المصرية عبر عقود طويلة بنتاج فكري وفني صنعته أجيال من المثقفين والمبدعين، الذين استطاعوا أن يقدموا للعالم صورة مصر المضيئة، وهو ما أكدته وزيرة الثقافة خلال اجتماع لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ برئاسة النائب محمد كمال، ومناقشة ملفات القوة الناعمة لمصر، من خلال اهتمام اللجنة بملف القوة الناعمة.
ـ الخبرة الثقافية
والتأكيد على خبره الدكتورة جيهان زكى الطويلة ورؤيتها الثقافية التى تجعلها الأقدر على قيادة وزارة الثقافة، ويبرز هذا الدور أكثر القوى الناعمة المصرية من القاهرة حيث خرجت أعمال أدبية وفنية ومسرحية وسينمائية أصبحت جزءًا من الذاكرة الثقافية العربية والإنسانية، وأسهمت في تعزيز حضور مصر الثقافي في المنطقة والعالم.
وتأتي الرؤية الثقافية الحالية لوزيرة الثقافة لتؤكد أن هذا الإرث الكبير يجب أن يتحول إلى طاقة متجددة قادرة على مواكبة العصر.. فالثقافة هي مشروع مستقبلي يعيد صياغة العلاقة بين الإنسان والمعرفة والفن والإبداع، وفي هذا الإطار، يظهر توجه واضح لوزيرة الثقافة نحو إعادة الاعتبار لدور المؤسسات الثقافية بوصفها حواضن للمعرفة والإبداعظ. فقد لعبت قصور الثقافة، منذ تأسيسها، دورًا مهمًا في نشر الثقافة بين المواطنين، وإتاحة الفرصة أمام المواهب الشابة للتعبير عن أنفسهم في مختلف مجالات الفن والأدب.. ومع تطور الزمن، بات من الضروري إعادة هيكلة وتطوير هذه المؤسسات لتصبح أكثر قدرة على التواصل مع المجتمع، وأكثر انفتاحًا على احتياجات الأجيال الجديدة.
ـ تكامل المنظومة الثقافية
وتتجلى إحدى ملامح الرؤية الثقافية التي تؤكدها وزيرة الثقافة في النظر إلى الثقافة باعتبارها منظومة متكاملة تتقاطع مع التعليم والإعلام والعمل المجتمعي.. فالثقافة تتفاعل مع مختلف مؤسسات الدولة والمجتمع، بهدف بناء وعي جمعي قادر على مواجهة التحديات الفكرية والاجتماعية، كما تتضمن هذه الرؤية اهتمامًا خاصًا بتوسيع نطاق الوصول إلى الثقافة، بحيث لا تظل حبيسة المراكز الحضرية الكبرى، بل تمتد إلى القرى والنجوع، حيث يعيش قطاع واسع من المواطنين الذين يمتلكون طاقات إبداعية تحتاج إلى الاكتشاف والرعاية.. فالثقافة عندما تصل إلى كل بيت تصبح أداة حقيقية لبناء الإنسان وتعزيز قيم الانتماء والمعرفة.
ولذلك عزيزى القارئ: نجد من بين الملامح المهمة التى تضعها الدكتورة جيهان زكى في توجه أيضًا السعي إلى توظيف التكنولوجيا الحديثة في العمل الثقافي، باعتبارها وسيلة فعالة للوصول إلى الجمهور، خاصة الشباب.. فالعالم الرقمي اليوم يمثل مساحة واسعة للتفاعل وتبادل الأفكار، ومن الضروري أن تكون الثقافة المصرية حاضرة بقوة في هذا الفضاء، بلغة معاصرة قادرة على جذب الاهتمام وإثارة الحوار.
كما إن هذا التوجه يعكس إدراكًا متزايدًا بأن القوة الناعمة أصبحت مرتبطة بقدرة الدولة على تقديم محتوى ثقافي حديث يتفاعل مع التحولات العالمية ويواكب تطور وسائل الاتصال.
ـ البعد الدولى
وفي سياق آخر، يظل البعد الدولي للثقافة المصرية أحد أهم عناصر قوتها الناعمة.. فمصر تمتلك شبكة من العلاقات الثقافية التي تمتد إلى مختلف أنحاء العالم، وقد ساهمت هذه العلاقات عبر العقود في بناء صورة حضارية إيجابية عن مصر.. ومن هنا تأتي أهمية تعزيز الحضور الثقافي المصري في الخارج، من خلال الأنشطة الثقافية والفنية والتبادل الثقافي مع مختلف الدول.
ومن الطبيعى عزيزي القارئ يكتسب هذا البعد أهمية خاصة في ظل الخبرة الثقافية الدولية التي تتمتع بها وزيرة الثقافة، والتي تعكس فهمًا عميقًا لآليات العمل الثقافي العالمي وأهمية الحوار الحضاري بين الشعوب. فالثقافة المصرية بطبيعتها ثقافة منفتحة، قادرة على التفاعل مع الثقافات الأخرى دون أن تفقد خصوصيتها وهويتها.
ـ الثقافة نبض الحياة
كما أن الفنون المصرية، بمختلف أشكالها، تظل أحد أبرز تجليات القوة الناعمة.. فقد استطاعت السينما والمسرح والموسيقى والأدب أن تنقل صورة نابضة بالحياة عن المجتمع المصري، وأن تخلق حالة من التواصل الوجداني بين مصر وجمهورها العربي والدولي.
كما أن دعم الإبداع الفني يمثل ركيزة أساسية في تعزيز هذه القوة، لأن الفن قادر على التعبير عن روح المجتمع وإبراز ملامحه الحضارية بطريقة تتجاوز حدود اللغة والجغرافيا.. فالأعمال الفنية العظيمة تملك القدرة على التأثير في الوجدان الإنساني، وعلى بناء جسور من التفاهم بين الشعوب.
ومن هذا المنطلق، فإن الرؤية الثقافية التي يجري العمل على ترسيخها اليوم تسعى إلى إعادة تفعيل دور الثقافة بوصفها خط الدفاع الأول في مواجهة التطرف والفراغ الفكري. فالثقافة تمنح الإنسان القدرة على التفكير النقدي، وتفتح أمامه آفاق الحوار والتسامح وقبول الآخر.
وعندما تتوافر هذه القيم داخل المجتمع، يصبح أكثر قدرة على مواجهة التحديات الفكرية والاجتماعية التي قد تهدد توازنه. فالثقافة في جوهرها ليست مجرد نشاط ترفيهي، بل هي عملية بناء مستمرة للوعي الإنساني.
ـ المكانة الثقافية
واخيرا وليس بآخر.. يبقى ملف القوة الناعمة أحد أهم الملفات التي تعكس مكانة مصر الحضارية وقدرتها على التأثير في محيطها الإقليمي والدولي.. فمصر التي صنعت تاريخًا ثقافيًا عظيمًا تمتلك اليوم فرصة حقيقية لتجديد هذا الدور، عبر رؤية ثقافية تستند إلى التراث وتستشرف المستقبل في آن واحد.
وفي قلب هذه الرؤية يبرز التأكيد على أن الثقافة المصرية ليست مجرد ذاكرة للماضي، بل هي طاقة متجددة قادرة على صناعة المستقبل، وأن تعزيز القوة الناعمة لمصر يبدأ من الإيمان بدور الثقافة في بناء الإنسان وترسيخ قيم المعرفة والإبداع والانفتاح على العالم.

|