|
القاهرة 10 مارس 2026 الساعة 04:01 م

قصة: أدهم سراي الدين ـ كندا
لا أدري إن كنت ما تزال تذكر يا أبي.. لا أدري ...
لكنها كانت ليلة تشرينية باردة، وصدى صوت أمي تصرخ فزعة ما زال في أذني:
"الحقني يا كريم الولد حرارته نار"
نهضت أنت من فراشك. وضعت يدك الكبيرة على جبهتي، ثم نبست بصوتك المخرّش العميق: ألبسيه / ورحت ترتدي معطفك القديم، وتلف رأسك "بسلكك" الأحمر، وتدسّ ثنيتي طرفي سروالك بجوربيك.
* * *
لا أذكر كم كان عمري بالضبط، لكني كنت صغيرا، وحملتني على صدرك بعد أن غطيتني بحرام صوفي سميك. أنا أرخيت رأسي على كتفك، ولففت رجلي حول خصرك، وأغمضت جفني بعد أن ثقل المرض رأسي و أنهكه.
.. هكذا خرجت قاصدا منزل الطبيب. أمي تبعتنا حتى باب الدار العتيق، وظلّت هناك واقفة، ومن خلفها نور بيتنا الكامد الأصفر الخفيف. كانت تتابع بعينيها حثيث خطاك المترنحة، وبأذنيها همسك الممزوج بإيقاع المطر، بعد أن ابتلعتنا العتمة.
الآن أدرك كم كنت حزينا، مع أن كلماتك لم يفارقها دفئك وحنانك، وأنت تنبس في أذني أشياء ما عدت أتذكرها الآن جيدًا. ربما عن المدرسة وقابل الأيام السعيدة التي تنتظرني؟
* * *
كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل، ولم يكن منزل الطبيب قريبًا، والطريق خاو إلا من ريح باردة أشاعت في جسدي قليلا من الانتعاش، ومطر هائل ظلّ يهطل بلا هوادة، على مظلتك السوداء ...
لا أدري كم من الوقت بقيت تسير، لكن وعندما وصلنا كانت أنوار منزله مطفأة .
"ربما هم نيام.. فالوقت متأخر جدا" / همست في أذني، رحت تطرق باب دارهم.
كانت يدك تدق الباب بعنف، كأنّ مسّها شيء من جنون، ورحت تصرخ: يا دكتور هاني.. يا دكتور هاتي / و لم تهدأ إلا عندما شاهدنا الضوء يحطم عتمة منزله.
بعد برهة يخرج الدكتور بلباس منامته، وهو يحاول طرد عباءة النوم عن عينيه الذابلتين الناعستين.
خير إن شاء الله يا أبا سليم / قال متثائبا
الولد يا دكتور حرارته نار / كانت عيناك قاحلتين مليئتين بالجزع والفزع والتوسل، وأنت لا تلبث تردد عبارات الأسف والاعتذار على حضورك في هكذا وقت متأخر.
لا بأس .. ادخل أنت مبتل تماما، سوف تصاب بالبرد / الآن أدرك أنك أبقيت مظلتك فوقي مباشرة، حتى أني لم أشعر إلا بقليل من ماء المطر، أشاع فيّ السعادة، بينما كنت أنت مخضلا بالماء الذي راح يتلكأ في السقوط عن ثيابك، وأخاديد وجهك.
.. وغمغمت: لا يهم .. المهم سليم يا دكتور.. سليم حرارته مرتفعة جدًا.
لا تخف / وخرج الطبيب إلى غرفة أخرى، وعندما عاد كان بيده حقنة راح يزرق منها قليلا تحت الضوء ...
أنا كنت أخاف الحقن كثيرًا، لكن الحمى الشديدة، والمرض قد دمرا قدرتي على البكاء، أو المقاومة، فأخذتها ممددا مستسلما لقدري المحتوم بعد أن أحسست أن جسدي راح ينأى عني كثيرا.
.. هكذا ...
ولم يمض وقت طويل، حتى انخفضت حرارة جسدي، فعادت لي من جديد بهجة الأطفال وشقاوتهم، وعاد إليك هدوؤك.
الطبيب كان طيبا، وهادئا جدا، تردد في أخذ ما عرضت عليه من مال، لكنك لم ترض، فقد كنت تدرك أن إزعاجك له في آخر الليل يكفي، فكيف وقد أنقذني من الحمى اللعينة.
* * *
.. وعندما خرجنا عائدين، كانت الأرض قد اكتست بياضا شاحبا، بعد أن تحول المطر إلى ثلج، راحت تندفه السماء كالقطن الأبيض.
لا أدري إن كنت لا تزال تذكر يا أبي ... لا أدري ... لكننا كنا سعيدين معا تحت الثلج، تقودنا الطريق إلى طريق آخر.
حتى ظهر ذلك الشيخ، لا أعلم من خلف أي منعطف نهض بغتة كفطر الغابة. كان مخلوقا غريبا، كساحر أو جني كما في الحكايا التي حكتها جدتي لي ...
بدا هرما على رأسه قبعة رثة تدلى منها خصلات شعر رمادية. ثيابه السوداء شبه بالية. كان منهكًا، متهالكا، مصقوعا، مزدحما بالحكايا الحزينة والباردة، أرهقه الفقر والحزن واليأس حتى بدا يابسًا كالحطب.
.. ووقف قبالتنا، ثم نظر إلي بتوجس و قال: "عسى أن يحملك غدا كما تحمله الآن" / اختلطت كلماته بنواح الريح، فأشعل في جسدي قشعريرة المفاجأة، والشتاء مع أني لم أدرك وقتها مخبوء كلماته ومعناها، لكنك لم تهتز، فقط دسست في جيب سترتك، ثم نقدته ما بقي معك من مال.
أخذ ما أعطيته وأكمل طريقه، يجرجر خطاه المتهالكة، وما يزال يردد كلماته "عسى أن يحملك غدا كما تحمله الآن".
وتابعنا نحن طريقنا. بدا أنك لم ترد أن يبعثر سعادتك، فعدت إلى الحديث معي والابتسام ... وعندما اقتربنا من بيتنا، عاد إلى شعوري بالأمان فأخبرتك:
بابا عندما أكبر سوف أحملك، وبيد واحدة هكذا / ورفعت يدي في الفضاء
حقا / ورحت تضحك .. وتضحك .. وتضحك ومع صدى ضحكاتك تراءى لنا بيتنا الكامد، وظلال امرأة ما زالت واقفة أمام الباب العتيق بعد أن انكمشت قليلا تحت الثلج . كانت هذه أمي.
لا أدري إن كنت ما تزال تذكر يا أبي.. لا أدري.
|