|
القاهرة 10 مارس 2026 الساعة 04:00 م

بقلم: أحمد منذر - الأردن
يُعَدُّ الزمن أحد المحاور الجوهرية في أي عمل إبداعي، إذ يشكّل الخيط الخفي الذي تنتظم عبره التجربة الإنسانية، ويُعاد ترتيبها داخل بنية فنية تمنحها معناها الجمالي والدلالي. وقد أصبحت دراسة الزمن في النقد الأدبي الحديث مدخلًا أساسياً لتفكيك النصوص وكشف بنياتها العميقة، ولا سيما مع تطور المناهج السردية التي أضاءت العلاقات المعقدة بين زمن الحدث وزمن الحكي، وما ينشأ عنهما من مفارقات فنية. وعلى الرغم من أن هذه المقاربات ارتبطت غالبًا بفن الرواية، فإن السؤال يظل مطروحًا حول مدى إمكان تطبيقها على النص الشعري التراثي.
إن محاولة استكشاف هذه الإشكالية عبر قراءة تحليلية تطبق مفاهيم السرد الزمني الحديثة على التجربة الشعرية للنصوص الشعرية تكشف أهمية السعي في تلمّس ملامح الزمن السردي في قصائده، والكشف عن الكيفية التي وظّف بها تقنياته لبناء عوالمه الشعرية، معبرًا عن تجاربه العاطفية والاجتماعية في تداخل فني بين الأزمنة يحقق غايات جمالية ودلالية. ومن هنا يتحدد السؤال المركزي : كيف يمكن للمفاهيم السردية المعاصرة، مثل الاسترجاع والاستباق والمدة والتواتر، أن تكشف عن آليات جديدة لفهم شعرية الزمن في الشعر؟
ولا يمكن مقاربة هذه الإشكالية دون التوقف عند الدلالة اللغوية للزمن ومفهومه السردي. فالزمن في النص السردي ليس مجرد إطار محايد أو وعاء فارغ للأحداث، بل هو عنصر فاعل يتشكل من خلال العلاقة بين زمن القصة، أي الزمن الطبيعي لتتابع الأحداث، وزمن الحكاية، أي الزمن الذي يعاد تنظيمه داخل النص. وهذا التمييز، الذي بلورته السرديات الحديثة انطلاقًا من إرث الشكلانيين الروس، يتيح دراسة المفارقات الزمنية التي تصنع جماليات النص وتكشف عن طرائق بنائه الفني.
غير أن تطبيق هذه الأدوات المنهجية على النص الشعري يواجه صعوبة واضحة؛ فالشعر يختلف عن الرواية في ضيق مساحته الزمنية وكثافته التعبيرية. ومع ذلك، يمكن تجاوز هذه العقبة بالتركيز على القصائد التي تتضمن بنية سردية واضحة، إذ إن الشعر، رغم هيمنة طابعه الغنائي، قد يحمل في داخله عناصر قصصية من حدث وشخصيات وزمان، تسمح بتطبيق أدوات التحليل السردي عليه.
ويتجلى التطبيق الأكثر وضوحًا لهذه المقاربة في تحليل آليات السرد الزمني الثلاث: الترتيب، والمدة، والتواتر.
فعلى مستوى الترتيب، يظهر توظيف ابن زيدون لتقنية الاسترجاع بوصفها أداة مركزية للهروب من ضغط الحاضر إلى فضاء الماضي الجميل. فالوقوف على أطلال الزهراء في شعره لا يمثل مجرد تقليد شعري مألوف، بل يتحول إلى استرجاع خارجي يعيد بناء تفاصيل الماضي بحس سردي وصفي، كما في قول ابن زيدون:
إنّي ذَكَرْتُكِ بِالزَّهْرَاءِ مُشْتَاقًا ... والأُفْقُ طَلْقٌ ومَرْأَى الأَرْضِ قَدْ رَاقَا.
إن هذا الاسترجاع لا يقتصر على استعادة الذكرى، بل يتحول إلى نوع من المونولوج الداخلي الذي يعيد تشكيل الماضي في ضوء ألم الحاضر وحنينه.
وإلى جانب الاسترجاع، يوظف الشاعر تقنية الاستباق التي تتجلى في توقعاته لمصير العلاقة مع المحبوبة أو في استشرافه تقلبات الدهر. ويؤدي هذا الاستشراف دورًا مهمًا في خلق توتر درامي داخل النص، إذ يدفع القارئ إلى ترقب ما ستؤول إليه الأحداث، كما في قول ابن زيدون مخاطبًا محبوبته:
سَوْفَ تُبْلَى بِغَيْرِنَا، جَرِّبِي النَّاسَ وَامْتَحِنِي.
أما على مستوى المدة السردية، فتبرز قدرة ابن زيدون على التحكم في إيقاع الزمن داخل النص الشعري. فهو يسرّع حركة السرد عبر المجمل، حيث تختزل فترات زمنية طويلة في عبارات موجزة، أو عبر الحذف الذي يتجاوز مراحل كاملة من الزمن دون تفصيل. وفي المقابل، يلجأ إلى إبطاء الإيقاع عبر المشهد الذي يقترب فيه زمن الحكاية من زمن القصة، خاصة في المقاطع الحوارية أو في المشاهد الوصفية التي تستغرق في تصوير المحبوبة أو مجالس الأنس. كما تظهر الوقفة الوصفية في تصوير الطبيعة الأندلسية أو مشاهد اللقاء، حيث يتوقف السرد مؤقتًا لتشكيل لوحة شعرية مكتملة الأبعاد، تضفي على النص بعدًا جماليًا وتأمليًا.
أما التواتر، وهو المستوى الثالث من مستويات الزمن السردي، فيكشف عن طبيعة الهواجس المسيطرة على تجربة الشاعر. فإلى جانب الحكاية التفردية التي يروى فيها الحدث مرة واحدة، كما في بعض وقائع حياته كالسجن أو الفراق، تبرز الحكاية التكرارية التي يعاد فيها سرد الحدث نفسه بصيغ متعددة. وهذا التكرار لا يمثل مجرد إعادة لفظية، بل يعكس إلحاحًا نفسيًا على موضوعات بعينها، مثل الفراق والحنين والغدر، بحيث تتحول هذه الموضوعات إلى محاور مركزية في التجربة الشعرية لابن زيدون.
ومن ثم يمكن القول إن الزمن السردي في شعر ابن زيدون لا يمثل إطارًا خارجيًا محايدًا، بل يشكّل تقنية فنية واعية يوظفها الشاعر للتعبير عن تجربته الوجودية. فقد مكّنته آليات الاسترجاع والاستباق من تحقيق نوع من التوازن النفسي، عبر الهروب من حاضر مؤلم إلى ماضٍ مفقود أو مستقبل متخيَّل. كما أتاحت له تقنيات المدة السردية التحكم في إيقاع النص، مسرعًا في المواضع الثانوية ومبطئًا في اللحظات ذات الدلالة العاطفية المكثفة، في حين كشف التواتر عن هيمنة بعض القضايا الوجدانية على عالمه الشعري.
وتكمن أهمية هذه المقاربة في انتقالها من القراءة التقليدية التي تكتفي بالبحث في موضوع الزمن في الشعر، إلى قراءة منهجية تنشغل بتحليل تقنيات الزمن وآليات اشتغاله داخل النص. فهي تؤكد أن الشعر التراثي، على الرغم من اختلافه النوعي عن الرواية، يمكن أن يخضع لتحليل سردي دقيق يكشف عن وعي الشاعر القديم ببنية الزمن الفنية. وهكذا يغدو الزمن في شعر ابن زيدون عنصرًا دراميًا فاعلًا يشارك في إنتاج الدلالة وصياغة الجماليات، لا مجرد خلفية محايدة تتحرك فوقها الأحداث.
|