|
القاهرة 10 مارس 2026 الساعة 03:56 م

بقلم: أمل زيادة
سكان كوكبنا الأعزاء،..
ها نحن نلتقي من جديد، كعادة أيامنا الحلوة. لم يتبقَّ من شهر رمضان سوى القليل من الأيام. لا أخفي عليكم أنني أعتبر شهر رمضان هذا العام إعادة اكتشاف لنفسي؛ ففيه تغيّرت قناعات كثيرة، وفيه أدركت أن المعدن الطيب مهما تلوّث فإنه يعود إلى أصله مهما ارتكب من حماقات.
إن شهر رمضان هذا العام شهد طفرة وصحوة نفسية كبيرة، لاحظت أثرها ورأيت صداها في أحاديث العديد من الأصدقاء. أجمل ما فيه بالنسبة لي هذا العام هو أنني عدت للصلاة في المسجد بعد تجربة سيئة في بداياتي، كان من نتيجتها هجرة الصلاة في المسجد حتى ما قبل شهرنا هذا.
من ذكرياتي السيئة في صلاة التراويح آنذاك: ضيق المكان، وانعدام التهوية، وصخب المصلّيات وانخراطهن في أحاديث جانبية تشتت الذهن، وأمر آخر مهم جدًا، وهو عدم مراعاة الإمام للحالة الصحية للمصلّين وتعمده التطويل في الصلوات بشكل يثقل كاهلنا.
لكن كل هذه القناعات تغيّرت هذا العام، خاصة بعد افتتاح المسجد الكبير الذي يقصده الجميع من كل مكان ويحرصون على الصلاة فيه.
ربما كانت سعادة الآخرين بهذا المسجد دافعًا كبيرًا بالنسبة لي للانتظام في الصلاة فيه، رغبةً في مشاركتهم هذه السعادة البسيطة الهادئة. كما أعاد إلى ذهني ذكرى أخرى لم أنتبه إليها وقتها.
تذكّرت أنني منذ عدة سنوات اتصلت بقريبتنا، سيدة مسنّة وقورة، أعتذر لها عن تقصيري في الاتصال بها للتهنئة بقدوم الشهر الفضيل، فردّت عليّ بأن وقت رمضان لا يتسع للأحاديث التليفونية. كانت جملة عابرة بالنسبة لي، اتخذتها ذريعة للتهرب من تقصيري بحق الآخرين فترة لا بأس بها.
لكنني الآن، وبعد هذه السنوات، أدركت مغزى جملتها؛ فهي لم تكن تقصد، مثلي، التغطية على عدم الاتصال أو النسيان والكسل، بل كانت تقصد أنه شهر عبادة وتدبر، وأن وقته لا يتسع لأي شيء آخر، خاصة بعد المغرب.
إن الأجواء الروحانية أثناء صلاة التراويح تشجعنا على المواظبة والاستمرار، بل إنها تنسينا برودة الطقس ودرجة الحرارة التي تصل في أحيان كثيرة إلى عشر درجات مئوية أو أقل. ورغم ذلك، فإن ساحة المسجد لا تتسع للأعداد التي تحرص على التواجد والصلاة.
لا أخفي عليكم أنني أتهرب من أي ارتباطات كي لا تفوتني فرصة الصلاة، ليس ورعًا وتقوى بقدر ما هو عدم ثقة فيما قد يحمله الغد من معوقات.
كعادتي، أنتهز الفرصة للتجربة؛ أخوض تجاربي مهما كانت بسيطة أو خطيرة أو صعبة إلى حد ما، لأنني أبحث عن الحقيقة وعن الهدف من وجودنا على ظهر هذا الكوكب.
سكان كوكبنا الأعزاء...
لي صديق يعيش في دولة الإمارات، أخبرني أنه انضم إلى سباق دراجات. كان يتحفظ في بادئ الأمر على خوض هذه التجربة، لكنه خاضها وعاد منها بحكايات أراها نواة لقصة جديدة.
لذا أشجع الجميع على خوض مغامرات وتحديات الحياة، لأنك إذا اتخذت موقف المتفرج ستفوتك متعة المشاركة.
لا تترددوا في خوض مثل تلك الأمور؛ فلا ينبغي أن تكون عضوًا في نادٍ كبير أو منضمًا إلى الكيانات الرياضية الكبرى لتحصل على فرصة مثل تلك. بالبحث قد تجد ما تريد، وأقرب مما تتخيل.
سكان كوكبنا الأعزاء...
ها نحن نودّع شهر رمضان المعظم، نودعه على أمل أن نستقبله في عام مقبل ونحن بخير وسلام، وبلدنا في أمان دائم.
لا تضيعوا فرصة اغتنام أيامه ولياليه، حتى ولو في أبسط صورها الأسرية. لا تحرموا أنفسكم من نعمة التفقّه والشكر على وجود الوطن الآمن، والمنزل الدافئ، والأسرة الكاملة، والأيام المباركة.
سكان كوكبنا الأعزاء... كونوا دومًا بخير، وحفظ الله مصر دائمًا وأبدًا.
|