|
القاهرة 07 مارس 2026 الساعة 05:25 م

كتبت: إيمان السباعي
تاريخ طويل وثقت فيه الأغنية الوطنية المصرية أحداثا كبرى ومحطات غيرت تاريخ مصر، إنها الميدان الفني والشعوري الذي قاوم عن طريقه المصري المحتل وهام بحب وطنه وغنى لانتصاراته وواسى فيه مصر من هزيمة وبث الحماس لاستنهاض الروح العالية من أجل نصر تحقق، مسيرة ربما بدأت محطتها المهمة من الشيخ سيد درويش الذي غنى للعمال والكادحين ولزعماء الثورة المصرية وأطلق صيحته: "قوم يا مصري مصر دايما بتناديك خد بنصري نصري دين واجب عليك"، ثم جات ثورة يوليو52 لتمنح روحا جديدة للأغنية الوطنية بأصوات مصر العظيمة أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ، وغنت شادية "الدرس انتهى لموا الكراريس" لتوثيق جريمة الاحتلال ذد أطفال مدرسة بحر البقر وغنى العندليب "قلنا هنبني وادي احنا بنينا السد العالي"، ولم تخرس النكسة صوت الأغنية الوطنية بل على العكس أطلقت لسانها مواسيًا واثقا من مكانة مصر التي ستعود قالتها الست "أنا إن قدر الإله مماتي لا ترى الشرق رفع الرأس بعدي"، وكتب عبد الرحمن الأبنودي الحكاية: "عدّى النهار والمغربية جايّة تتخفّى ورا ضهر الشجر وعشان نتوه فى السكة شالِت من ليالينا القمر و بلدنا ع الترعة بتغسل شعرها جانا نهار مقدرش يدفع مهرها يا هل ترى الليل الحزين ابو النجوم الدبلانين أبو الغناوي المجروحين يقدر ينسّيها الصباح أبو شمس بترش الحنين أبداً بلدنا ليل نهار بتحب موّال النهار"، وبعد الانتصار الكبير في حرب أكتوبر 1973 يكتب بليغ حمدي أعذب ألحانه لتغنيها وردة: "أنا على الربابة باغني ما املكش غير إنى أغني واقول تعيشي يا مصر وانا على الربابة بغني وأقول ما املكش غير غنوة امل للجنود.. أمل للنصر".
هذه الروح الوثابة هدأت بعد النصر لكنها ظلت حية تطل علينا من حين لآخر وتوثق لأحداث ألمت بالأمة العربية وبالوطن الغالي مصر.
أعادت ثورة 25 يناير الأغنية الوطنية إلى الصدارة فعادت عايدة الأيوبي التي اعتزلت الغناء لتعزف: ياه يا الميدان كنت فين من زمان؟
جدد الأمل في الحرية روح الأغنية الوطنية قليلا، لكنها سرعان ما توارت مع جيل جديد بموسيقاه الجديدة وأصبحت أمام تحدٍّ يمس استمراريتها وتأثيرها في الجماهير، ومن هنا أطلقت وزارة الثقافة المصرية ممثلة في قطاع شؤون الإنتاج الثقافي برئاسة المخرج خالد جلال مسابقة أنا المصري السنوية للأغنية الوطنية التي تهدف لاكتشاف مواهب الشباب في الغناء والتلحين والتأليف، وتعزيز قيم الانتماء عبر أعمال وطنية جديدة. وصلت المسابقة لنسختها الثامنة (2025-2026) وتستهدف الفئة العمرية من 18 إلى 45عامًا.
ومع انطلاق الاحتفال بذكرى نصر العاشر من رمضان كان الاحتفال بالفائزين بالجائزة هذا العام في دورتها الثامنة وتكريمهم من وزيرة الثقافة الدكتورة جيهان زكي ومن بينهم "عائلة جاويش" حيث فازت أغنية "اسم كل جندي" بالمركز الثالث في المسابقة وتقول كلماتها:
"باسم كل جندي ضحى ع الحدود كان بيحمي ترابها وحافظ ع الوعود حالفين يا بلدي نكون لأرضك مخلصين واللي يعاديكي يا مصر نمحيه من الوجود".
فما حكاية هذه العائلة الموسيقية؟
الأب الأستاذ أحمد جاويش شاعر وممثل بالفرقة القومية بمحافظة كفر الشيخ، يقول إنه نشأ نشأة فنية وورث حب التمثيل والموسيقى من والده وقرر أن ينقل إلى أبنائه هذا الشغف مع والدتهم التي تعمل مدرسة للموسيقى، انتقل الفن إلى الأبناء ليس فقط بجينات طبيعية بل بتثقيف واعٍ وتدريب دؤوب انتهى بأبنائه محمد ومعتصم ومهند إلى دروب الفن دراسةً وممارسة، معتصم هو الشاعر الثاني في العائلة بعد والده وهو من كتب كلمات الأغنية وصاحب فكرة أن تجمع الأغنية أسرتهم في تغريدة حب لمصر، تخرج محمد من كلية التربية النوعية قسم الموسيقى عازفا للناي وعمل مدرسا للموسيقى وكتب كلمات عشرات الأغنيات وعندما علم مصادفة بالمسابقة قرر المشاركة فيها.. ليس وحده بالطبع بل مع العائلة، فلحّن أخوه محمد الذي تخرج من الكلية نفسها عازفا آلة التشيلو الأغنية، وغناها الأخ الأصغر مهند رفقة ابنة عمهم سهيلة جاويش، فالعم أيضا فنان وابنته التي تدرس التكنولوجيا وجدت طريقها إلى التمثيل والغناء وتريد، كما أخبرتني بتصميم هادئ، أن تكمل في هذا المجال.
سألت مهند الذي يدرس علم النفس عن جيله هل لا يزال مرتبطا بالأغنية الوطنية؟ فأجاب بأسف: لا فموسيقى الراب والمهرجانات سرقتهم لكنه تربى على الطرب الأصيل في بيته ولهذا هو هنا الآن، سهيلة لا ترى الذكاء الاصطناعي مهددًا للفن البشري بل مساعدا له المهم ألا "نستسهل"، ويرد محمد جاويش ملحن العائلة متأثرا أن اللحن الإنساني "يتحس" وأن اللحن هو من يعطي التأثير الحقيقي للكلمة فتؤثر في الناس.
دائما للشعر كلمة أخيرة، وهي كلمة الأب أحمد جاويش الذي يؤكد على أهمية الأغنية الوطنية الآن وكلمة معتصم جاويش ابنه الشاعر: في ظل انتشار الفن المصنوع بالذكاء الاصطناعي سيصبح المنتج البشري أكبر قيمة وأكثر تفردًا ومستحيل أن ينتهي فن الإنسان.
أضم صوتي إلى معتصم الذي ينتظر مع الفائزين بمسابقة أنا المصري أن يجدوا الإنتاج الذي يقدم موهبتهم بصورة أكثر انتشارا لكي يتحقق الهدف من المسابقة: اكتشاف المواهب في ربوع مصر ورعايتها من أجل أن تتجدد دماء الفن المصري الذي سيبقى خالدا كالنهر العظيم.

|