|
القاهرة 04 مارس 2026 الساعة 03:32 م

ملف أعده للنشر: مصطفى علي عمار
في ليلة وداع يوم 20 فبراير 2026، رحل الشاعر والأديب الصعيدي جمال الشيمي، تاركا وراءه فراغا كبيرا في قلوب محبيه. كان جمالا في كل شيء، في شِعره، في كلماته، وفي أخلاقه. اليوم، نجتمع لتكريم ذكراه، واستذكار محاسنه، وسماع آراء أصدقائه وأحبائه في شخصه وفي شعره وأدبه.
نستضيف في هذا الملف عددا من الأدباء والشعراء الذين عرفوا جمال الشيمي، وعاشوا معه أجمل اللحظات. سيتحدثون عن تجربتهم معه، ويتذكرون مواقفه النبيلة، ويتحدثون عن تجربته الأدبية..
* ويبدأ الشاعر عادل صابر متحدثا عن إنسانية جمال الشيمي:
قابلته مرة واحدة في حياتي، وكانت في مدينة سفاجا. كان منفردًا في كل شيء إبداعيًا وإنسانيًا، وهو من عائلة أدبية، فشقيقته منى وعفاف الشيمي أديبات كبيرات. عندما قابلته عاملني بحفاوة وكرم، وكأنه يريد أن يَعني في عينيّ. تناولنا وجبة العشاء سويًا، وكان يحاول إسعادي بأي شيء. وكان بصحبتنا أدباء من سفاجا: عبيد أبو طربوش وعبد الباسط هناك. ثم اصطحبنا إلى مقهى جلسنا فيها وقتًا طويلًا نوطد المعرفة.
كل من عرف جمال الشيمي لا يذكره إلا بكل خير، ويحظى بثناء كبير من كل من عرفه. وأكثر من عاشروه هم أدباء سفاجا، أمثال عبيد طربوش وشاذلي عبد العزيز وعبد الباسط... وسيط الطيب في الغردقة. شخصية جمال رائعة جدًا، خلوق وإنسان. فمقابلتي له مرة واحدة وكأنه يعرفني منذ زمن. كان خالد الذكر، دائم العطر. رحم الله جمال الشيمي.
* يضيف الأديب حمدي حسين متحدثا عن جمال الشيمي الإنسان.. يقول:
كانت الهيئة العامة لقصور الثقافة قد أرسلت أتوبيسات من القاهرة إلى مؤتمر أدباء مصر، المنعقد في أسيوط. السائقون لا يحفظون الطرق ولا عدد المطبات في شوارعها. تعرض أحد الأتوبيسات لحادث، تسبب فيه السائق بعد أن أكل واحدا من هذه المطبات، ومع المفاجأة التي أصابت السائق حاول تدارك الموقف بفرملة فجائية، مما أحدث قصورا ذاتيا، فطارت أجساد الأدباء الجالسين على مقاعدهم لتصطدم الرؤوس في سقف الأتوبيس.
هذه هي الحالة وهذا هو المشهد الذي عرفت بسببه جمال الشيمي. سمعنا بما جرى، أنا وغيري من الأدباء المشاركين في المؤتمر، وكنا نزلاء في فندق القوات المسلحة. انتابني وعدد قليل جدا من الأدباء حالة من الهلع والقلق على الزملاء الذين تعرضوا للحادث. لم تتناول وجبة العشاء، وظللنا لوقت متأخر من الليل نتابع أخبار صحتهم ونطمئن عليهم بين الحين والحين، من خلال التواصل تليفونيا بأحد الأصدقاء المرافقين لهم والموجود معهم في نفس المستشفى، والذي لم يتأذ بسبب الحادث.
عرفنا أن أخطر الإصابات كانت ارتجاج في المخ للشاعر جمال الشيمي. وتم عمل الفحوص اللازمة، وأن المحافظة لم تتأخر في بذل أقصى الجهد لإنقاذ ورعاية المصابين. ظللنا ننتظر عودتهم بسلامة الله. وصلوا أخيرا ومعهم جمال الشيمي الذي لا أعرفه ولا أعرف شكله. علموا من إدارة الفندق أن زملاء لهم لم يتناولوا عشاءهم بعد، فطلب أحدهم، أعني أحد المصابين، على الفور تجهيز العشاء. وبالفعل جلسنا جميعا على مائدة واحدة، لم يكن العدد كبيرا.
تبسم وقال لنا: "يعني أنتو مكلتوش لحد دلوقتي، عشان قلقانين علينا؟" فقلت له: "طبعا يا أستاذ......" فقال لي: "جمال/ جمال الشيمي".
كان هذا أول لقاء يجمعني به، وكانت هذه أولى الكلمات التي سمعتها منه. جلسنا بعد العشاء نتكلم ونعرف منه تفاصيل الحادث، فأخبرنا بما رويته لكم سلفا. وسأل عن فلان وعلان وفلتكان، فقلت له إن ثلاثتهم "اتعشوا من بدري وناموا". ضحك ضحكا هستيريا وسأل: "هل سمعوا بما جرى؟" قلت له: "نعم، عرفوا بالحادث وعرفوا الأسماء أيضا". فقال لي: "وناموا عادي؟" تعالت الضحكات. "أنتو اللي ماتعرفونيش. ما جالكمش نفس تتعشوا، وهما اللي جاين معايا في عربيتي من البحر الأحمر اتعشوا وناموا.... يا سلااااام".
منذ هذه اللحظة نشأت بيننا صداقة قوية وعلاقة إنسانية ووجدانية وروحانية كبيرة جدا، واستمرت إلى ما بعد المؤتمر، لروحانية كبيرة جدا، لدرجة أنني أتصل به لما أهف على خياله، ويتصل بي لمجرد التفكير فيه.
أخبرني في مرة من المرات: "فاكر ثلاثي أضواء المسرح اللي سألت عليهم؟" قلت له: "أيوه، فاكر". فقال لي: "إنهم صمموا وأسروا أن يعودوا بالسيارة إلى البحر الأحمر، وقالوا له: زي ما جبتنا تروحنا". حتى بعد أن أخبرهم أنه تعرض لارتجاج في المخ، وأن قيادته للسيارة فيها خطر بالغ. ولا حياة لمن تنادي... وبعد ضغط منهم ركبوا جميعا السيارة. وفي طريق عودتهم، كان يحكي لي بمرارة، وكيف أنه تعرض لمضاعفات أثناء السفر، وكان لابد من الذهاب لأقرب مستشفى... كانت قنا هي الأقرب، ولكنهم أسروا على المضي قدما إلى البحر الأحمر. شوف يا أخي، تحامل على نفسه وتغلب على وجعه، وأكمل الرحلة، ومش كده وبس، دول كمان أسروا إنه يوصلهم لبيوتهم. طيب انزلوا هنا وخذوا السرفيس، لأ... توصلنا. وكان يسألني: "هم دول شعرا؟ هم دول أدباء فعلا؟"
كانت هذه القصة هي صدمته الكبرى في هذا الوسط الثقافي، ومن هم على شاكلة هؤلاء الأصدقاء. وأخبرني بأنه لما كان يشتد به الوجد والحنين إلى الأهل والوطن، أثناء إقامته في كندا، كان ينزل في الماء المتجمد كي تهدأ ثورته وتخفت رغبته. كانت هذه نقطة التحول في حياة جمال الشيمي الضاحك الساخر. ومن بعدها تحول إلى الحكمة والفلسفة وطرح الأسئلة الجدلية والافتراضية. وتغيرت نظرته كليا في الحياة. عرف أن الحياة مع وجود مثل هؤلاء البشر، قميئة ولا تستحق أن تعاش. واتجه إلى ربه بقلبه وعقله وبكل ذرة في جسده. فأصبح يميل إلى الحكمة في كل أفعاله وأقواله وتصرفاته، حتى في كتاباته وقراءاته.
كان عصبيا في ردة فعله، مع كل ما يتنافى مع الأخلاق والسلوك والقيم، حاد في ألفاظه، ثم يهدأ ويعتذر سريعا حتى لو لم يكن مخطئا. لقد تغير جمال الشيمي. لم يعد هو الضاحك الساخر. ليس هو جمال الشيمي الذي قرر أن يجعل فلته صالونا ثقافيا للأدباء، وكان يستضيف فيها الشعراء والأدباء، ويتركها لهم، ويعطي لهم المفاتيح، ويغمرهم من فيض جوده وكرمه.
استضافني ذات مرة ونزلت عنده في هذه الفيلا المحاطة ب"كمباوند" خاص، وله بحر خاص وشط خاص ورمل خاص، وحديقة خاصة، وحمام سباحة، ومركب تجديف. كل هذه المتعة وكل هذا الجمال، يتركه مع المفاتيح ويذهب للمبيت مع أسرته في بيت آخر. أخبرني ذات صباح أن في ثلاجة الفيلا قطعة جبنة قريش، وحذرني من مجرد التفكير في الاقتراب منها. وأخبرني أنه قادم إلي بوج، فقلت له: "هو فيه حد يفطر جمبري يا جيمي؟" بينما كان يأكل هو جبنته القريش ويقول لي: "كلي هذه... وهذه". ولما سألته لماذا لا تأكل معي من الجمبري، فأخبرني إنه ممنوع من تناول الوجبات البحرية بسبب مرض ما لا أتذكر اسمه، له علاقة باليوريا.
كانت هذه هي المرة الأولى التي أكل فيها الجمبري المطبوخ، وكان لذيذا جدا، ولكنني لم أكل بشهية لتعاطفي معه ومع ما آلت إليه ظروفه الصحية. توالت اللقاءات، وتعددت العروض والهدايا والاختبارات، منها المقالب ومنها المغريات بكافة الأشكال والأنواع. كان يختبرني كل فترة، وانجح في الاختبار. بقيت كما أراد لي أن أكون... إنسانا.
كان يقول لي: "أنت ولي يا حمدي، صدقني". وكنت أقول له: "العفو يا مولانا". فكان يقول لي: "أنت اللي مولانا". ويطلب مني الدعاء.
* ويأخذ أطراف الحديث شاعر قنا أشرف البولاقي ويقول:
بعد عشر سنواتٍ من قصيدتي التي رثيتُه فيها، ماتَ جمال الشيمي!
تلك القصيدة التي بدأتها بقولي:
"يا ربِّي ماتَ جمال
واختَفى هكذا فجأةً دون وداع
دون أن يُمارِسَ عادتَه السِّريةَ
في عِناق المصابِيحِ
واحتضانِ الوسائِدِ في غرفتِه".
التقيته منذ ثلاثة شهور تقريبًا على مقهى بمدينة الغردقة، كان ابنه بصحبتِه، وكان ابني بصحبتي.. جلسا معًا يلعبان الدومينو، بينما جلستُ إليه أتأمل ابتسامتَه وهو يحدّثني عن المحبّة، وعن فيوض اللهِ وأسراره.. يبتسم أكثر وهو يقول لي: "عارف إنك مبتحبش الحاجات دي.. بس واللهِ زي ماباقولّك كده؟"
أردت أن ألتقط صورةً تجمعنا معًا فاعتذر بلطف.. غادرَني مقبّلاً ومحتضنًا ومضى.
كان بيننا اتصالٌ تليفوني مرةً أو مرتين، ثم اتصالٌ أخير يوم 5 فبراير الحالي، أعزّيه في رحيل أختِه، ليقول لي في هدوءٍ وأسىً: "كلنا راحلون يا صديقي".
شهدت السنوات الخمس الأخيرة بيننا تواصلاً تارة، وانقطاعًا تارة، كنت عاتبًا عليه في بعض أمورٍ، لكنني منذ اللحظة التي بدأ يتعرض فيها -خلال العامين الأخيرين- لعدّة نوبات مرَضية، تواصلت معه ونسيتُ كل تعاتبٍ وتَشاكٍ.. ولاحظت أنه بدأ أكثر حِلمًا، ورضا، وإيمانًا بالقضاء والقدر، بدا لي وكأنه يتشكل شخصًا وروحًا جديدين.. لكن بسبب قِلة لقاءاتنا لم أستطع أن أضع يدي على ملامح هذا التشكل الجديد.
مات جمال الشيمي بعد أن ترك في نفسي أثرًا طيبًا بسبب محبته لي، وسؤالِه عني وعن أهلي وولدي.
مات جمال الشيمي بعد أن آيسَ تمامًا من الوسط الثقافي، وبعد تجاربَ فاشلةٍ في عالم النشر تعرّض فيها لألاعيب المحتالين والنصابين ممن يمارسون الكتابة والإبداع للأسف الشديد! لكنه رغم كل ذلك لم يتوقف عن الكتابة، وأظنه ترك لنا عدة كتبٍ مخطوطة، عرضَ بعضها عليّ زاهدًا في نشرها أو طبعها.. مِن ذلك روايتان: "آخر الخصيان"، و "حكايات زهرة البستان".
والحق أن جمال قاطع الحركة الثقافية منذ أكثر من عشر سنوات، مكتفيًا بصفحته على الفيس بوك، ومكتفيًا بما يكتبه من قصص وقصائد وروايات، كان يعرض علينا بعضها بين وقتٍ وآخر، وزهد تمامًا في مسألة النشر هذه. وفي السياق نفسه بدا أكثر اقترابًا من المحبة الإنسانية، ومن الإيمان بالفكرة الدينية وتجلياتها، وبدا أكثر هدوءًا وسلامًا مع نفسه ومع الآخرين.
جمال الشيمي قصة حياةٍ تستحق أن تُروى، وتستحق أن تُتَامل بسبب كثرة محطاتها، وكثرةِ تقلبات صاحبها، وكثرةِ أسفاره ومغامراته، وكثرةِ ما تعرّض له من أحداثٍ كاتبًا وإنسانًا وربّ أسرة.. في حياته قصص وحكايات كثيرة، طلبتُ منه يومًا ما أن يكتبها، ولا أعرف إن كان قد استجاب لي أم لا.. لكن المؤكد أنه استجاب أخيرًا لنداء ربِّه.
* فيما يرى شاعر سفاجا الشاعر شاذلي عبد العزيز:
أن الراحل جمال الشيمي كان شخصية محبوبة ومرحة، يحب يسعد الناس حوله ويساعدهم، وأيضا كان مهتم بقضايا الوطن العربي. وان خسارتنا فيه كبيرة فعلًا ويؤكد على إنسانيته قائلا: كان إنسان بمعنى الكلمة: فكان رحمة الله عليه إنسان مفرط الحساسية، لا يكره أحد، يحب الجميع، وواضح جدًا، يساند الجميع، وكل من يحتاج مساعدة معنوية أو مادية كان رحمة الله عليه يقدمها دون طلب، يرى سعادته في سعادة الأصدقاء، كان يحب أن نجتمع معه ومع الأصدقاء، يعشق البهجة والبحر والمرح، لا يشغله أي سرعات الوسط الثقافي، همه الصحبة واللمة الجميلة، له أفكار مجنونة ولكنها لذيذة ومقبولة، يحمل بداخله هم الوطن العربي كله، مشغول جدًا بقضايا العرب مع الغرب، كان رحمة الله عليه كمال المصباح يضئ للجميع لمن يحبه أو من مختلف معه، فقدنا لجمال الشيمي كبير جدًا ولا يعوضه كثيرون من الوسط، رحمة الله عليه.
* وفي محبته يقول عنه صديقه د .سيد أحمد الطيب:
من يراه لأول وهلة يظن أنه إنسان قاسي القلب، جامد؛ ذلك لأن ملامحه تُخفي ما يحمله قلبه من حُب وسلام ورضا. لا يحمل حقدًا لأحد لأنه باختصار: لا يترك لسانه ما يحمله قلبه من ضيق وضجر.. يعبر عن رأيه اللحظي.. ثم يصمت.. ويعود إليك معتذرًا حتى لو كنت أنت المخطئ... ويتقبل من أخطأ فيه مع أول مقابلة... طفل في وجه رجل... يبتعد في حزنه ليبكي وحده ويتألم وحده... يُسر للبحر ما يؤلمه.. ويستأنس لكلاب وقطط الشوارع.. ويبحث عنها ليستأنس بها... سريع في اتخاذ القرارات... وسريع في العدول عنها... ربما يكون الناقد الذاتي هو السبب.. كريم.. مضياف... تظن أنك في بيتك عنده... يحبك أن تشاركه فرحته ولا تشاركه أحزانه.. باختصار إنه جمال الشيمي.
الصديق الحبيب الذي رحل بعد أن ترك أشجار محبته في قلوبنا، وهو الذي كتبت له من سنوات لمرض أصابه وغيبه عنا الأبيات التالية، فكيف سيكون الحال بعد موته،
كلمة وم الأخر يا جمال:
حبلك على حبل الروح
مفتول
حتقول تعبان
راح أقول مقتول
لساها مساحة الفرح
يا عمي
بين عرض وطول
لساها دي أول دايرة ضحك
يا أبو قلب أخضر
م الخير مغزول.
* ويرثيه د. ياسر بطيخ فيقول:
رحم الله واحدًا من أعزّ وأنبل وأصدق من عرفت. منذ ما يزيد على ثلاثة عشر عامًا جمعني به القدر، فوجدت فيه إنسانًا نادرًا في صفائه، كريمًا في استقباله، حضوره طمأنينة، وكلامه صدقًا لا يعرف الزيف، وفعله خيرًا لا ينتظر ثناءً ولا جزاءً من أحد. عرفته محبًا للخير، ساعيًا إليه في صمت، يمدّ يده بعطاءٍ خالصٍ لوجه الله، وكان مما يعتز به قلبه ويسعد به ضميره دعمه المتواصل لعلاج حالات سرطان الأطفال في معهد أورام سوهاج، يخفف ألمًا هنا، ويزرع أملًا هناك، دون أن يطلب ذكرًا أو شهرة، ولا أنسى وقفته مع الراحل العزيز الشاعر عبد الناصر علام والتي اشترط فيها عليّ ألا يعلم بها أحد.
اليوم يغيب الجسد، ويبقى الأثر، وتبقى السيرة الطيبة التي تتردد في قلوب كل من عرفه. الفقد موجع، والذكريات مثقلة بالشوق، لكنني أجد عزائي في يقينٍ راسخ بأن ما ينتظره عند الله أعظم وأبقى، وأن جميل أفعاله وأقواله وصدقه ومحبة الناس له لن تضيع سدى. لقد عاش كما ينبغي للرجال أن يعيشوا: صادقًا، كريمًا، نافعًا لغيره، وسيبقى في الذاكرة مثالًا للنبل الذي لا يتكرر كثيرًا. نسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يجعل ما قدّم في ميزان حسناته، وأن يجزيه عن كل قلبٍ أسعده، وكل ألمٍ خففه، خير الجزاء.
رحم الله الخلوق الكريم الصادق جمال الشيمي وخالص العزاء للأستاذة الفضلى منى الشيمي
في جوار ورحمة من أحببت يا صديقي
* ويرثيه بقصيدة الشاعر فرج الضوي فيقول:
إهداء إلى النورس المهاجر
" أين تَذهبُ النوارِس؟ "
في الريحِ
أيْنَ تَذهبُ النوارس؟
يَنحَني العُشبُ
يَتكلّمُ المَوج
تَتحرّكُ الغُيوم
تَدورُ طَواحِينُ الهَواء
تَزحَفُ الرمَالُ
إلى مَا ليْسَ لَهَا ؛
تَفترِشُ أيَّ شيء ...
لكِنْ لا نَرَى النوارسَ
إلا حِينمَا تَهدأُ الريح ؛
ويَخرجُ شُعاعُ الشمسِ
مِن سُبَاتِه المؤقّت ...
تَرقصينَ فوقَ المَاءِ
تَأكُلينَ أسْمَاكَه
وتُحادِثينَ المويجاتِ البيضاءَ
الذائبةَ في الزرقةِ المدقعة
آهٍ من أجنِحَتِك أيّتُهَا الغَائِبةُ
يَا ذَاتَ الصوتِ البَحَري الذي
يُشبِهُ رائحةَ نَسيمِ المَوج ...
كُفِّي عَن الغيابِ أيّتُهَا المُهَاجِرُة
رُبَّمَا سَيحِينُ مَوعِدُ الإياب ...
فَليْتَني كنتُ طائرًا بَحَريًا
لِأُعَلَّمِكِ الثبَاتَ في وَجهِ الريح
والحَنينَ للمَواضِعِ الأولَى
وسِرقةَ زُرقةِ البَحرِ
كي نلوّنَ بِهَا الذكريَات ...
فالغَائِبونَ عَن شواطئِ الحضور
لهُم نَصيبٌ في الذاكِرة
كُفِّي عَن الغيابِ أيّتُهَا المُهاجِرة ...
* يختتم الكاتب والناقد بهاء الدين حسن ويصفه بالراعي الرسمي للحركة الثقافية في البحر الاحمر، حيث يقول:
لـم يكن الشاعـر جمال الشيمى مجـرد شـاعـر، يحضـر نــدوة أو أمسيـة ؛ ليقــول قصيــدة ثـــم ينصرف، فقـد كـان ( رحمـة الله عليه ) بمثابـة الراعي الرسمي لأمسيات ونـدوات نـادى الأدب بقصر ثقافـة الغردقـة .
حبـه للشعر جعلـه يحـول منزله إلى استراحة ، لاستضافـة الشعراء والأدباء، وكان (من خلال علاقاته الطيبة) يدعـو الشعراء من محافظات أخرى، ليقيم لهم أمسيات في قصر الثقافة، فعن طريق جمال الشيمي عرفت الغردقة الشاعر عماد على قطرى (رحمه الله) والشعـراء حسنين السيـد وحاتـم مـرعى وياســر بطيخ وعمــرو الشيخ وسعيــد عبدالمقصـود ومصبــاح المهـدى والشاعرة حنـان شاهين وتقى المرسى، والشاعـر محمـد حسنى إبراهيـم والفنان عهدي شاكر وغيرهم وغيرهم .
كان جمـال الشيمى يعـد همـزة الوصل بين شعـراء البحـر الأحمر وشعراء وجه بحرى، قبل أن يبتعـد عن الحيـاة الثقافيـة، بعد موجـة من الإحباطات أصابت الوسط الثقافي بالبحر الأحمر من ناحية ، ومروره بعدة أزمات صحية من ناحية أخـرى .
ولد جمـال الشيمى فى قريــة الرئيسية التابعة لمركز نجع حمادى بمحافظة قنا .
تخــرج فى كليــة الحقــوق بجامعـة طنطــا، وعمـل كمحـام في بدايـة حياته فى إحدى الشركات بأسـوان، ولأنـه لا يحب القيـود فقـد تخلص من الوظيفـة، وكأي شـاب داعبــه حلم السفر إلى الخـارج ، لكنـه لـم يختـر؛ كأبنـاء الصعيد السفر إلى الخليج ، إذ كيف لهارب من قيود الوظيفة يسلم نفسه لقيود الكفيل؟
اختار جمال الشيمى السفر إلى بلجيكا، وبعـد غربة امتدت لأكثر من عشرين عاما، عاد ليستقر بــه المقـام فى الغردقـة، ومن خـلال اقامتـه فى الغردقة وحبه للشعر والثقافة، بدأ يحتك بقصر ثقـافــة الغـردقـة وبالشعــراء، وراح يواظب على حضـور النــدوات والأمسيــــات ويشـارك فى المؤتمرات.
أصدر حوالى ست مجموعـات شعـرية ، نال من خلالها عضوية اتحاد الكتاب، منها " أنا وأنت والبحـر " و " المـرأة والمجنـون " و " العجـوز والجـارة " ، وجميعهــا صـدرت على نفقتــه الخاصة، علما بأن علاقاته كانت كفيلة بأن تجعله يصدرها عن مؤسسات ثقافية حكومية، دون أن يتكفل بدفع مليم واحد، لكنه كان لا يحب استخدام الآخرين واستغلال صداقاته لخدمة مآربه الخاصة، وتلك المجمـوعات الشعريـة هى ما أفصح عنها، لكنه لم يفصح عن قصصه القصيرة التى كتبها وظل محتفظا بها ، لم يفصح عنها أو ينشرها في كتاب .
برحيـل الشاعـر جمـال الشيمى فى 20 فبـراير 2026تكـون الحركـة الثقافية في البحر الأحمر فقدت واحدا من رعاتها.
|