|
القاهرة 03 مارس 2026 الساعة 06:57 م

تحقيق: مصطفى علي عمار
رمضان في مصر هو شهر مليء بروحانيات وتقاليد وعادات، يجمع بين الصيام والصلاة والقرآن، وبين الأكلات الرمضانية والزيارات العائلية. في هذا التحقيق الصحفي، سوف نعرض كيف يعيش المصريون الشهر الكريم، ومدى تأثيره عليهم، من خلال مجموعة من الأسئلة في جوانب مختلفة من الحياة المصرية خلال رمضان.. التقينا بكتاب وأدباء عرب ليحدثونا عن تجربتهم مع الشهر الفضيل..

إبراهيم عوض: رمضان فرصة للاستكثار من عمل الخيرات والإقلال من الشرور، ويجب استغلال الشهر الكريم في التقرب إلى الله
استهل الحديث عن روحانيات رمضان و ذكرياته فيه الأديب والناقد إبراهيم عوض يأخذنا في رحلة ذكريات رمضانية، حيث يتحدث عن تجربته الشخصية مع الصيام منذ الصغر، وعن تأثير رمضان على حياته اليومية يقول:
لم أكسر الصيام منذ انتظمت فى أدائه بدءا من الثانية عشرة رغم ما تعرضت له مرارا وأنا صبى لم أبلغ الحُلُمَ بَعْدُ من عطش محرق كان الشيطان يوسوس لى خلاله أن أطفئ ظمئي بشربة ماء حتى أتخلص من تلك البُرَحَاء. وكنت، وأنا صغير لم أبدأ الصيام بعد، أضيق أشد الضيق حين آكل بعد صلاة الجمعة، وهو اليوم الذى لا أذهب فيه إلى الكتاب وأكون قريبا من أبى، فأجده لا يشاركني الطعام.
ويتحدث عن تجربته في أكسفورد، حيث دخل المستشفى لإجراء عملية، ورفض شرب الماء حفاظاً على صيامه.
فيقول: أما في أكسفورد في أواخر عشريناتي بعد أن كبرت وسافرت إلى بريطانيا مبعوثا للدراسة من أجل الحصول على الدكتورة فقد دخلت المستشفى مرة لمدة يوم لإجراء عملية منظار على المثانة للتأكد من خلوها من الالتهاب، وأتتني الممرضة الصغيرة الظريفة بعدها تطلب منى أن أشرب بعض الماء ليَرَوْا نتيجة العملية أو لشيء من هذا القبيل، فاعتذرتُ، ولكنها أصرت، فقلت ضاحكا تخلصا من الموقف: إن الله سوف يغضب منى إذا أفطرت. فقالت: إنه لا يمكن أن يغضب لمجرد تناولك شربة ماء لا راحت ولا جاءت. إلا أنى رددت وأنا ماضٍ فى الدعابة: أنا متأكد أنه سوف يغضب، بينما هي تجيبني بقولها: لا أظن ذلك. وانتهى الأمر بأن مر الوقت الباقي من اليوم، وكان مدة صغيرة، ومن ثم خرجت من الموقف المضحك على الوضع الذى آثرتُه. ولا أدرى هل كنت على صواب فى قراري هذا أو لا، إلا أنى، بيني وبينكم، قد استثقلت أن أفطر وأعيد صيام اليوم وحدى في الوقت الذى لم يكن قد بقى من النهار سوى جزءٍ جِدِّ قليل.
ثم يستعيد عوض ذكريات طفولته في رمضان، ويقول: كما كنت مغرما ككل أولاد الريف في ذلك الوقت بصوت طبل المسحراتي والبازة التي تسبق بها أم عوض طبل المسحراتي بقليل، فكأنها تمهيد له. وكانت أم عوض تكتفى بأن تنادى الناس في البيوت قائلة فى بساطة محببة: "أنا ام عوض يا ولاد". وفى ليلة من الليالي، وكان أبى قد مات، عزمت على أن أبقى في الشارع حتى أرى، وجها لوجه، المسحراتى وهو يقرع طبله أمامي لا مجرد سماع من داخل البيوت خلف الأبواب المغلقة، فنمت على التراب فوق مصطبة بيت الشيخ أحمد زيد صانع القفف والغلقان بعيدا بضعة أمتار عن بيتنا، إلى أن استيقظت على صوت طبل المسحراتى، فكنت كمن بُعِث من القبور إلى الحياة مرة أخرى من شدة الفرحة. وبطبيعة الحال لم أخف من العفاريت، إذ كنا نؤمن أن العفاريت تُسَلْسَل في ليالي رمضان، كما كان الوقت صيفا فلا ينام الناس مبكرين كما يفعلون في فصل الشتاء والأمطار والبرد، فضلا عن أن الناس في رمضان يسهرون ولا يخلدون إلى الفراش سريعا على عكس الحال في ليالي الشهور الأخرى، وبعض الدكاكين لا تزال مفتوحة، وأنوار مصابيحها تزيح ظلمة الشوارع.

علي إسماعيل أبو العلا: رمضان شهر كله روحانيات وتقاليد، يجمع بين الصيام والصلاة والقرآن، وبين الأكلات الرمضانية والزيارات العائلية
يأخذ أطراف الحديث الكاتب علي إسماعيل أبو العلا بقوله: رمضان الملهم والمحرك للوجدان، رمضان القرآن، رمضان وصلة الأرحام، رمضان الزينة والأنوار. حين يهلّ هلال رمضان كل عام تنادينا الذكريات وتتدافع المشاعر الجياشة المليئة بالحنين.
وعن روح رمضان في السينما والدراما يقول : عكست السينما المصرية ملامح الشهر الكريم، كما في فيلم بين القصرين الذي نقل أجواء الحارة المصرية بطقوسها الرمضانية. وصارت مشاهدة مسلسلات مثل ليالي الحلمية تقليدًا أسريًا بعد الإفطار. كما كانت المسلسلات التاريخية طقسًا مقدسًا عشنا من خلالها قصص الأنبياء، ورحلة الدين من زمن آدم عليه السلام وختاما بسيرة المصطفى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. من هذه المسلسلات مسلسل لا إله إلا الله ومسلسل محمد رسول الله.
كما كنا ننتظر الفوازير كل ليلة حيث المبدع سمير غانم والفنانة نيللي ثم شريهان وقصص ألف ليلة وليلة كلها أعمال تنبض بالحياة الرمضانية.
يضيف أما الفنون: ألحان وأنوار في الموسيقى، ارتبط صوت محمد عبد المطلب بأغنيته الشهيرة رمضان جانا بقدوم الشهر:
رمضان جانا وفرحنا به
بعد غيابه أهلاً رمضان
كما أبدع سيد مكاوي في ألحان روحانية خالدة. بأغانيه المسحراتي، اصحا يا نايم وحد الدايم رمضان كريم. كما أبدع رحمه الله كل ليلة يشاركنا السحور بصوته الجميل:
مسحراتي منقراتي
كما غنى لكل الحرف والمهن.
وفي الرسم، يتكرر الفانوس والهلال والزخارف الإسلامية رمزًا للبهجة. ويقول شاعر معاصر:
يا فانوسَ الحيِّ أشرقْ ضاحكًا
فالليلُ في رمضانَ أنوارُ
رمضان زمان.. ورمضان اليوم. ولا أستطيع أن أنسى فقرة كاركتير للفنان رمسيس بريشته المبدعة كما أبدع معه الكاتب أحمد رجب في كفر الهنادوة بكتاباته الساخرة.
أما سهرات كبار السن حيث كانوا يقضون رمضان في بساطة؛ حيث موائد متواضعة، وتلاوة قرآن، وسهرات ذكر. أما اليوم، فقد دخلت التكنولوجيا، وتعددت وسائل الترفيه، لكن بقيت روح العائلة جوهر الشهر.
كانت ليالينا إذا ما أقبلتْ
سكن الضجيجُ وسبّحتْ أرواحُ
يكمل: كانت المدن تتزين حيث تتلألأ شوارع المدن والقرى، نلاحظ قاهرة المعز ترتدي أزهى الزينات و خاصة في خان الخليلي وشارع المعز. كما يظل مدفع الإفطار لحظة ينتظرها الجميع.
المائدة الرمضانية أما حلويات رمضان فحدث ولا حرج فمثلًا الكنافة والقطايف وقمر الدين أبطال المائدة المصرية. ويقول شاعر طريف:
كنافةٌ سكنتْ فؤاديَ نشوةً
والقطايفُ في الصحونِ بهاءُ
القرآن… القلب النابض للشهر يزداد الإقبال على التلاوة في المساجد والبيوت، ويقبل الكثيرون على صلاة التراويح والفجر، وتقام السهرات القرآنية الممزوجة بالابتهالات الدينية والتواشيح لأصحاب الأصوات الشجية تملأ نفوسنا شجنا وطلاوة وتنعش قلوبنا بسيرة الرسول العطرة.
يا قارئَ القرآنِ رتلْ خاشعًا
فالنورُ في ليلِ الصيامِ دعاءُ
يضيف: رمضان في مصر ليس مجرد تقويم يتبدل، بل هو ذاكرة جمعية، ومشهد متجدد من التآلف والروحانية. هو شهرٌ تتلاقى فيه القلوب قبل الأجساد، وتتقارب فيه المسافات مهما ابتعدت الدروب.

جمال بربري: رمضان في مصر ليس مجرد شهر في التقويم، بل هو "نبض قلب" يتجدد كل عام ليؤكد أصالة هذا الشعب وتدينه الفطري
فيما يرى القاص الأسواني جمال بربري أن رمضان في مصر ليس مجرد شهر في التقويم، بل هو "نبض قلب" يتجدد كل عام ليؤكد أصالة هذا الشعب وتدينه الفطري.
وعن رمضان في الوجدان المصري يقول: حينما تعانق المآذن ضحكات الشوارع، لا يمر رمضان على مصر كغيره من الشهور، بل يحلّ كـ "حالة شعورية" فريدة تمزج بين قدسية السماء وبهجة الأرض. في مصر، رمضان ليس مجرد انقطاع عن الطعام، بل هو إعادة صياغة للزمن والمكان، حيث تتحول الشوارع إلى دواوين مفتوحة للحكايات والتكافل..
لطالما كان الشهر الكريم "بطلاً" في الأدب المصري؛ فمن حارات نجيب محفوظ التي تفوح برائحة البخور، إلى أشعار فؤاد حداد التي خلدت "المسحراتي"، ظل رمضان مصدراً للإلهام. ولم تقف السينما والدراما بمعزل عن ذلك، بل صنعت "ذاكرة بصرية" للمصريين عبر الفوازير والمسلسلات التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من طقوس السهرة، مما عزز الهوية الشعبية وربط الأجيال بتقاليدها.
تنفرد القاهرة بزينتها التي تبدأ من "الخيمة" وتصل إلى فوانيس النحاس التقليدية. هذه البهجة تمتد للمطبخ المصري الذي يحول "الفول المدمس" إلى أيقونة للسحور، و"الكنافة والقطايف" إلى لغة تواصل اجتماعي. فالمائدة المصرية في رمضان هي "ميدان للتصالح"، حيث تذوب الخلافات أمام طبق مشترك في "عزومة" عائلية أو "مائدة رحمن" تجسد أسمى معاني التكافل.
ليبقى رمضان في مصر مزيجاً عبقرياً بين العبادة والعادة، وبين صمت المحاريب وضجيج الفرح في الحواري، ليظل دائماً "شهر البركة" الذي لا يغادر الوجدان.

أحمد فاروق بيضون: التكنولوجيا أثرت على تجربة رمضان، من تطبيقات الصيام إلى البث المباشر للتراويح، وغيرت من طريقة تعامل الناس مع الشهر
وعن تأثير التكنولوجيا على تجربة رمضان، من تطبيقات الصيام إلى البث المباشر للتراويح يقول المترجم المصري أحمد فاروق بيضون: عندما نتحدث عن الرقمنة والديجيتالية وأثرها الراسخ في شرايين الحياة المعاصرة ومفاصلها؛ لا غرو بأنها أوغلت في تظاهرة الاحتفالية بالشهر المعظم كما يتراءى لنا بين الموروث المتلفز والمسموع والمحرر كتابياَ، تلعب وسائط التواصل الاجتماعي الدور المحوري في هذه العولمة لبث شعائر وعادات وآثرة الشهر الكريم إلى كل ربوع العالم، أدلجة تطبيقات كسوفت وير للفوازير لبلورة شكل تنافسي مغاير عن نمط الفوازير الرمضانية الكلاسيكية، حتى تراثنا المادي كالفوانيس أصبح في طي التبادلية الثقافية المفروضة على عالمنا لما ابتكر الآخر نماذج محاكاة وأوردوها لبلادنا؛ بل والأدهى من ذلك أنها فرضت وجودها مما حض على خلق تنافسية اقتصادية لابتكار أشكال غير معهودة تشذ عن ذاك النحاسي القديم وتماهى مع موديول الدمى وقولبة مغايرة مستساغة لجيل (جين زد) أو (ألفا)، هكذا - باتت مظاهر الاحتفالات بتلك الشعيرة التي نرتجيها كل عام قيد ناموس الطفرة التكنولوجية و know how تتأرجح ما بين مثالب ومزايا،
بيد أن التطبيقات الأكثر رواجا ترتبط بتفاسير آي القرآن الكريم وروزنامة من قراء يتلونه بترتيل وتبتيل وتجويد من أقاصي المعمورة وأدانيها، لكن ما يعيب هذه الموجة العارمة هو ما يلج من دعايا وريلز وغيره من ملهاة تحيد عن الانخراط في الطاعة وقد تعد بمفهوم الآخر waste-time أوقات ضائعة تسرق طقوسنا اليومية المعتادة والمتأصلة في شغافنا وكينونة الأمة الإسلامية، ناهيكَ عن التنائي عن المتعة المفقودة الآيلة في هذا الزمان للحاق بمجالس الذكر والتبحر في علوم الدين وجها لوجه مع المنوطين من العلماء بغية ترسيخ المسألة الفقهية ؛ لأنك بمجرد نقرة تستطيع أن تحصل على أيِّما معلومة على اختلاف سيل من الآراء ومن السهولة نسيانها وذوبانها في مهب الريح، ربما تناهى لأسماعنا مفردات الغزو الثقافي والهيمنة الحضارية، وأجدني تواق لكل جديد يعضد من موروثنا وعاداتنا وليس أن نصبح في حيص بيص نتيه بين كل شاردة وواردة لما استشرفته التكنولوجيا من واقع مغاير لفضاءات مفتوحة وافتراضية، تطلق جرس إنذار وناقوس خطر لما تعلق الأمر بشعيرة لها قداستها مذ بدء الخليقة إلى أن يشاء رب العالمين.

محمد صالح رجب: رمضان في مصر حالة فريدة تمتزج فيها التقاليد العريقة بالأجواء الروحانية، واستلهم الأدباء والكتّاب المصريين من هذه الحالة في أعمالهم الأدبية
وعن ألهام رمضان للأدباء المصريين، وكيف عبروا عن روح الشهر في أعمالهم الأدبية يرى الكاتب المصري محمد صالح رجب أن رمضان في مصر ليس مجرد شهر يصوم فيه المسلمون، بل هو حالة فريدة تتوارثها الأجيال، تمتزج فيها التقاليد العريقة بالأجواء الروحانية. إنه خليط بديع من البهجة والخشوع، من المآذن المضيئة والفوانيس الملونة، وموائد الرحمن التي تمتد في الشوارع والحارات، إلى طبق الطعام الحائر بين الجيران، والأغنيات التراثية مثل "وحوي يا وحوي" التي اختلف البعض حول أصلها بين من ينسبها إلى العصر الفاطمي ومن يرجعها للعصر الفرعوني. ويبقى المصريون في شوق دائم لهذا الشهر الكريم بتفاصيله، فما إن يودعوا رمضان ويحتفلون بالعيد، حتى تهفو قلوبهم إلى رمضان القادم.
يستطرد: هذه الحالة الفريدة كانت محط اهتمام الأدباء والكتّاب المصريين، فعبروا عنها من زوايا ورؤى مختلفة. منهم من صوّر انتظار المصريين ولهفتهم لاستقبال الشهر الكريم، ومنهم من رسم لوحات نابضة للاستعدادات الرمضانية من تخزين الطعام والشراب، وتزين المساجد وتعليق الفوانيس. وانحاز بعضهم إلى التفاصيل الصغيرة، فجعلوا من طبق الطعام "الرايح والجاي" رمزاً للكرم والتكافل. كما لم يغفل الأدباء إظهار الفوارق الاجتماعية في هذا الشهر، وكيف تختلف تجربته بين الأحياء الشعبية والأحياء الراقية.
في طليعة من كتب عن رمضان أديبنا العالمي نجيب محفوظ، الذي تناول الشهر الفضيل في روايته "خان الخليلي" من زوايا متعددة. فتارة يصف استعداد المصريين وتأهبهم لاستقبال رمضان ويشبهه بمن ينتظر ضيفاً عظيم القدر، ويقول إن رمضان لا يأتي على غرة أبداً، وإنما تسبقه استعدادات تليق بمكانته. وتارة أخرى يرسم لنا لوحة رمضانية أوسع عبر شخصية الأم، المسؤولة عن "جلال الشهر وجماله"، والتي انشغلت مبكراً بـ"تهيئة المطبخ، وتبييض الأواني، وتخزين ما تيسر من النقل والسكر والبصل والتوابل. وكان قدوم رمضان في نفسها فرحة وسرور، فرمضان هو شهر المطبخ كما أنه شهر الصيام".
يكمل: أما اللحظة المنتظرة، التي تهفو إليها القلوب وتتعلق بها الأبصار، فهي لحظة استطلاع الهلال. وقد عبر محفوظ عن تلك اللحظة التي امتزج فيها البعد الروحاني بمظاهر البهجة الشعبية قائلاً: "وجاء مساء الرؤية، وانتظر الناس بعد الغروب يتساءلون، وعند العشي أضاءت مئذنة الحسين إيذاناً بشهود الرؤية.. وتزينت المئذنة بعقود المصابيح.. فطاف بالحي جماعات مهللة هاتفة: "صيام صيام كما أمر قاضي الإسلام". فقابلتها الغلمان بالهتاف والبنات بالزغاريد، وشاع السرور في الحي كله".
هذا بعض ما كتبه محفوظ، لكن كُتاباً كُثراً تناولوا رمضان، ومنهم طه حسين الذي تحدث في كتابه "الأيام" عن تأثير الشهر على أهل قريته، وكيف كانت بيوت التجار والأثرياء منارات رمضانية للتجمع والإنصات للقرآن قبل عصر التلفزيون. وفي "قنديل أم هاشم" ليحيى حقي، كان رمضان دواءً لإسماعيل مما أصابه بعد رحلة الاغتراب، حيث هدأت الأجواء الرمضانية من روعه وأعادته إلى نفسه.
بينما يعرض يوسف إدريس في قصته "رمضان" ضمن مجموعته "جمهورية فرحات" صورة مختلفة للشهر الكريم، حيث يرصد استعدادات الأهالي في القرية لرمضان من خلال تجربة طفل يخوض الصيام لأول مرة، ويجد نفسه محصوراً بين رغبته في مشاركة الكبار فرحة الصيام، وأسئلته البريئة عن معنى الصيام والحلال والحرام. إدريس في نصه هذا لا يقدم رمضان كشهر للصوم فحسب، بل يجعله فرصة للتعلم واكتشاف الذات.
أما إحسان عبد القدوس فقد استغل لحظة الإفطار وما بعدها ليخلق مفارقة عجيبة، في زمن تختلط فيه الأوراق فتتساءل معه: من الجاني؟ المفطر الهارب من أجل وطنه أم الحراس الصائمون المنشغلون بإفطارهم؟ كما رصد لنا الكاتب العادات الأسرية بعد الإفطار، حيث "كانت العائلة مجتمعة كعادتها عقب الإفطار، في حجرة القُعاد، والراديو يلقي إليهم أغانيه".
ختاماً، رمضان في الأدب المصري لم يكن مجرد زمن عابر، بل كان عنصراً فاعلاً استطاع الأدباء من خلاله رصد تحولات المجتمع المصري، بكل أبعادها الروحانية والاجتماعية والإنسانية.
|