|
القاهرة 03 مارس 2026 الساعة 06:45 م

ملف أعده للنشر: مصطفى علي عمار
في فبراير 2026، فقدت مصر واحدًا من أبرز رواد الثقافة في صعيدها، الشاعر والكاتب حمادة زيدان..
عاش حمادة حياةً حافلةً بالعطاء الثقافي، مخلفًا وراءه إرثًا كبيرًا في مدينة ملوي بالمنيا. من خلال مؤسسة "مجراية" التي أسسها، عمل على نشر الثقافة والفنون، وتوفير مساحات إبداعية للشباب.
وُلد الكاتب والشاعر مصري حمادة زيدان في ملوي 3/1/1983، وبدأ مشواره الأدبي في الصحافة والكتابة منذ 2010. أصدر رواية "ما بين الحياة والموت.. موت آخر" في 2010، ومجموعة قصصية بعنوان "صمت العرش" في 2015. كان حمادة شخصية محبوبة ومؤثرة، معروفًا بكرمه وطيبته، وداعيًا للعمل الجماعي والتطوعي.
اختير حمادة ضمن 12 رائد أعمال مصري لسرد قصة نجاحه في 2019. رحل حمادة عن الدنيا 23/2/2026 رحيله يمثل خسارة كبيرة للمشهد الثقافي المصري، وسيبقى أثره حيًا في كل ما صنعه.
التقينا بكتاب وأدباء وشعراء عرفوا حمادة عن قرب وكان لهم عنه كلمة وكلمات..

* ابتدرنا ب طوني صليب، شريك مؤسس والمدير الإداري سابقًا في مركز مجراية مع حمادة زيدان، يقول عن علاقته بزيدان
بداية معرفتي بحمادة كانت في القاهرة بعد 2011 في صالونات ثقافية، واكتشفنا بالصدفة إننا من نفس المدينة "ملوي"، وأيضًا جيران، لكن بسبب الانعزال الطائفي الموجود في مدينتنا بسبب تاريخها الأسود مع الجماعات الإرهابية ورموزها مثل خالد الإسلامبولي، قاتل السادات، والجماعة الإسلامية. المهم التقينا فكريًا، وقررنا إننا نؤثر في مجتمعنا المحلي. بدأنا في الاشتراك مع جمعيات ومؤسسات تنموية وتوعوية، وأسسنا صالونًا ثقافيًا مع مجموعة من الأدباء والمثقفين، وهنا بدأت فكرتنا تتبلور، وعرفنا ماذا نريد أن نفعل بالضبط، نحن محتاجين مساحة مشتركة تجمع الشباب بشكل خاص. ومن هنا جاءت "مجراية"، بدأت من حجرة في حارة في مدينة ملوي، عملنا أنشطة كثيرة: معارض كتاب، ومناقشات كتب، وحفلات غناء، ومكتبة شراء واستعارة، وورش تصوير، وصناعة أفلام، واستضافة كتاب، وفرق مسرحية. ثم أخذنا مقرًا أكبر فيه قاعات، وكبرنا وكبر نشاطنا، وتعاونا مع مراكز كبيرة مثل جوتة ونهضة المحروسة، وأنتجنا مسرحيات منها "إعدام ميت" للكاتب حسن الجندي بفرق محلية، وعملنا معارض كتاب شارك فيها نجوم الكتاب المصريين. واستمر السعي، وأخذنا بيت دور، عملناه مسرحًا، ومهما كانت التحديات، كان حمادة مكملًا إلى أن قرر يمشي.

* يضيف شريكه في العمل الثقافي بمؤسسة مجراية مينا يسري قائلا:
تعرفت إلى حمادة عام 2014، حين كان ناشطًا في المجتمع الثقافي المحلي وأحد أعضاء صالون ملوي الثقافي. منذ اللقاء الأول نشأت بيننا صداقة تحولت سريعًا إلى شراكة حقيقية في الحلم والعمل.
لم يكن مجرد صديق بالنسبة لي، بل أخًا ورفيق طريق، تقاسمنا معًا الإيمان بأن الثقافة يمكن أن تغيّر حياة الناس، وأن لأبناء الصعيد حقًا في مساحات فنية ومعرفية تليق بهم.
على مدار أكثر من اثني عشر عامًا قدنا معًا مؤسسة مجراية للعمل الثقافي والفني، وأسّسنا عددًا من الفعاليات التي حاولت خلق هذا الأثر، كان أبرزها معرض ملوي للكتاب الذي استمر لست دورات متتالية، وضم ورشًا وندوات وعروضًا موسيقية وسينمائية. كان هذا المشروع حلم حمادة الخاص، وكان يعمل عليه بشغف وإخلاص نادرين.
تميّز حمادة بطاقة لا تهدأ وروح داعمة لكل موهبة جديدة، خاصة الأطفال. كان مؤمنا بأن من حقهم أن يجدوا مناخا فنيا وإبداعيا أفضل مما توفر لنا في طفولتنا، وكرّس جزءا كبيرا من وقته لتنمية مهاراتهم في الحكي والمسرح والتعبير.
رحيله خسارة فادحة لي شخصيًا، وللمشهد الثقافي كله، سيبقى أثره حيا في كل ما صنعناه، وفي كل شخص منحه فرصة أو أضاء له طريقا.

* تأخذ أطراف الحديث الأستاذة سهى زكى أديبة وصحفية بالجمهورية تقول:
حمادة… يا صاحب الحلم النقي، لم أستطع بعد أن أستوعب أن اسمك يُكتب اليوم بصيغة الغياب.
أن يصبح النداء عليك مشوبا بالحزن، وأن يتحول حضورك الدافئ إلى ذكرى نستند إليها كي لا نسقط.
حمادة زيدان لم يكن مجرد مثقف نشيط في صعيد مصر، ولا مجرد أحد مؤسسي “مؤسسة مجراية للثقافة والفنون” في ملوى…
كان حالة إنسانية نادرة، وشغفا خالصا بالفكرة، وإيمانا عميقا بأن الثقافة حق أصيل للناس، وليست ترفا يمنح أو يمنع.
لم يجد ابتعاده عن المركز الثقافي للعالم العربي كله "القاهرة " اي سبب أو حجة لأن يتقاعس عن تحقيق أحلامه ، بل قرر أن يكون أحد أشعة النور لهذا المركز العظيم ويعمل علي جعل المكان البعيد جدا عن عاصمة الثقافة هو أيضا شعاع نور ووعي وحقق الحلم بالفعل واتفق هو ومجموعة من أصدقاءه علي تأسيس "مجراية " وقرر أن يأتي بنجوم المبدعين الي "ملوي " ليساهم بهم في صنع نجوم جدد ..
أتذكر أول دورة لـ"مجراية" كأنها الأمس.
كنت أنا ومي خالد وأسماء عواد وأحمد أبو خنيجر، وكان هو يتحرك بين الجميع بطاقة لا تشبه طاقة مدير فعالية، بل طاقة إنسان يرى حلمه يكبر أمام عينيه.
كان يراقب التفاصيل الصغيرة بعين العاشق، ويمنحها قيمة كأنها مشروع حياة.
كان ينتبه لذلك الشاب الذي يمسك بورقته بيد مرتعشة، فيربت على خوفه قبل أن يصحح سطره،
و يلتفت إلى تلك الفتاة التي تحاول أن تنطق أول جملة في حياتها بثقة، فيحمي ارتباكها من سخرية العالم، ويمنحها شجاعة البدايات.
لم تكن "مجراية" مجرد ورشة عابرة.
كانت موقفا ثقافيا واضحا، و تحديا صريحا لفكرة أن الصعيد بعيد.
لم يعد الصعيد هامشا في تصوره، بل كان قلبا نابضا في الداخل، مليئا بعطشٍ للوعي والنور.
كانت ردا عمليا على التهميش، ورسالة تقول إن الإبداع ليس عنوانا في العاصمة فقط،
وإن النص يمكن أن يولد في شارع هادئ بملوى، ثم يمضي لينير مساحات أوسع مما نتخيل.
كبرت الفكرة بعد ذلك.
توسعت الأنشطة، واستضافت "مجراية" أسماء مهمة وتجارب عالمية، وصار اسمها يُذكر باحترام في الأوساط الثقافية.
لكن ما لم يتغير يومًا هو روحك.
تواضعك الحقيقي، وابتسامتك الهادئة، وإصرارك على أن يأخذ الشباب فرصتهم كاملة، بلا وصاية، بلا استعراض، بلا ضجيج.
كان عطاؤك غير مشروط.
لم تكن تسأل عما سيعود عليك، بل عما سيبقى لهم.
كنت تحمي الموهبة الغضة من القسوة، وتدافع عن حقها في التجربة والخطأ، وتفتح لها الباب لتتعلم وتكبر.
لم تكن تتعامل مع المبدعين الشباب باعتبارهم “مشروع أسماء” تخدم المؤسسة،بل باعتبارهم أرواحا يجب أن تصان، وأحلامًا ينبغي أن تجد من يرعاها لا من يستهلكها.
حمادة لم يكن يبحث عن صورة، ولا عن تصريح، ولا عن لقطة عابرة في صحيفة.
كان يبحث عن أثر.
والأثر اليوم حاضر في كل من كتب نصه الأول هناك،وفي كل حلمٍ وُلد،وفي كل صوتٍ شعر أن له مكانا، وأن أحدا يصغي إليه بصدق.
مؤلم أن ترحل باكرا.
موجع أن يختطفنا الغياب قبل أن نشبع من وجودك.
لكن عزاءنا أنك رحلت وقد تركت خلفك فكرة حية، لا نشاطا عابرا.
تركت أثرا إنسانيا سيبقى أطول من الأعمار، وأصدق من الكلمات.
رحمك الله يا حمادة، وجعل كل خطوة خطوتها في سبيل النور في ميزان حسناتك،ولعل أصدق وفاء لروحك أن تظل "مجراية" ماضية،بنفس الإيمان النقي الذي علمتنا إياه، ونفس الحب الذي زرعته في قلوبنا جميعا.

* ويقول عنه الكاتب الصحفي محمد عبد الشكور:
كان رحيل حمادة زيدان صديقي الشاب الموهوب مؤسس مركز مجراية الثقافي في ملوي في المنيا خبر مؤلم، ربنا يرحمك يا حمادة..
التقيته لأول مرة بالصدفة في معرض الكتاب، عرّفني على نفسه، ودعاني لندوة عن السينما في مركز مجراية. وهناك انبهرت بالنشاط والحضور الكبير، وشاهدت حمادة وهو يحقق حلمه في نشر الثقافة والفنون، وفي تعليم الأطفال، واكتشاف مواهبهم.
عدت سعيدا وكتبت عن المكان النموذجي، وأدرت ندوة لحمادة ولرفبق مشواره ودربه مينا يسري في القاهرة، ولم ينقطع التواصل معهما، وسعدت أكثر بكل تطوير أو إضافة جديدة في مجراية.
كان شابا طموحا ومبهجا، وكانت أفكاره وأحلامه باتساع العالم، وأعتقد أنه حقق الكثير منها، إلى درجة تقديم نشاط مسرحي في مجراية.
أعزي نفسي وكل من عرفك وخصوصا صديقك الصدوق العزيز مينا يسري ، وأتمنى أن يتواصل نشاط مجراية العظيم في ملوي، وأن يستمر دعم هؤلاء الشباب ، أصدقاء وزملاء حمادة، لخدمة كل محافظات الصعيد

* ويتحدث مينا عبد الجيد عن تجربة حمادة زيدان الثقافية، واصفا خبر رحيله بالخبر الصادم يقول:
صادم خبر رحيل الناشط الثقافي حمادة زيدان، أحد مؤسسي مؤسسة مجراية للفنون في ملوي، المنيا، ومديرِ المؤسسة. خالص العزاء لجميع أصدقاء ومحبي وعائلة حمادة.
تجربة حمادة فريدة في العمل الثقافي المستقل، وهو واحد من القلائل الذين يعملون في الثقافة باستنارة. كما أن تجربة مجراية فريدة؛ لأنها لا تقدم الثقافة، مثل معظم أنشطة المجتمع المدني الثقافية، باعتبارها مساحةً محدودة الانتشار والسقف، كالرسم والموسيقى واستعارة الكتب على مستوى ضيق وغير مشتبك مع الثقافة في العاصمة. بل إن تجربة مجراية استطاعت، في كثير من فعالياتها، خلق تفاعل ملحوظ مع العاصمة، بل وإحضار العاصمة إلى الصعيد في فعاليات مثل معرض الكتاب أو نادي السينما.
يكمل:
أثناء دراستي لماجستير التنمية الثقافية، أجريت بحثا عن مؤسسة مجراية باعتبارها تجربة في صناعة المكان؛ من جراج مهجور إلى مساحة لممارسة الثقافة. وأثناء البحث وثقت جانبًا من رحلة حمادة زيدان وحياته، ووعدته أنني سأنشر في يوم جانبا من رحلتهم خارج إطار الجامعة، ولكن لم أتخيل أن أنشره وأنا أنعيه، لذا سأضعه هنا:
يوضح:
تأسست مؤسسة مجراية الثقافية كمحاولة لتقديم الثقافة في ملوي بعيدًا عن الشكل التربوي التقليدي. جاءت الفكرة بعد أحداث ثورة يناير 2011 وتأثر مؤسسيها بالإحباطات السياسية والاجتماعية. يعد أسسها حمادة زيدان (41 عامًا) ومعه مينا يسري (28 عامًا)، المؤسسين الأساسيين للمؤسسة، إذ عملا على تحويل فكرة بسيطة إلى مشروع ثقافي ريادي يسعى لسد فجوة ثقافية عبر توفير مساحة تجمع الفنانين والجمهور.
.
تخرج حمادة في كلية الحقوق بجامعة أسيوط وعمل بالقاهرة صحفيًا في عدة صحف منها (الصباح العربي) وعاصر أحداث ثورة يناير 2011 بالعاصمة، وأمن بها وكان ينتظر الكثير من التغيير الاجتماعي والثقافي والسياسي أثرها، إلا أن الإحباطات توالت على المستوى العام والخاص، وشعر برغبة في العودة إلى ملوي مسقط رأسه، والاستقرار بها، خاصة بعدما سألته أمه في يوم "أنتو عملتوا ثورة ليه ماكنش لها لزمة". عاد حمادة إلى ملوي ليبدأ مسيرة جديدة تنطلق من الثقافة لا السياسية.
.
يستطرد: بداية النشاط الثقافي في ملوي
مر النشاط الثقافي لحمادة في بلدته عبر عدة مراحل إلى أن وصل إلى مؤسسة مجراية، في البداية أسس صالون ملوي الثقافي مع شركاء له وهم بسمة ناجي، ومحمد رمضان، واستثمروا حالة النشاط السياسي بعد الثورة، ونظموا الصالون في المقاهي، وبعض مقرات الأحزاب الموجودة بملوي، شملت الصالونات جولات ثقافية وقراءات، ومشاهدات أفلام (مقرصنة) نظرًا لعدم توفير الأموال لشراء حقوق الأفلام، كما عمل مؤسسو الصالون فى مساعدة أستاذة المصريات المصرية مونيكا حنا في إنقاذ ما تبقى من من حرق ونهب متحف ملوي في أغسطس 2013 .
يضيف:
جاءت فكرة تأسيس مؤسسة مجراية عام 2014 لتوفير مساحة للممارسات المسرحية في ملوي، خاصة بعدما خرج من رحم المسرح الكنسي للكنيسة المصرية الأرثوذكسية العديد من الفرق المسرحية المستقلة والذين كانوا في احتياج إلى مساحة فنية لتقديم عروضهم الخاصة ، إذا قامت المؤسسة في الأساس بتفكير ريادي، أي سد فجوة ثقافية كانت موجودة في ملوي، وهي إقامة مكان لتوصيل الفنانين بالمتلقين.
.
وفي مرحلة تالية اشتركت مجراية في مشروع (مكتبة القهوة) بتمويل من معهد جوتة الألماني والذي كان يستهدف المنيا وبني سويف والفيوم، ويشجع المشروع على تجمع الشباب على مقهى لقراءة كتاب والنقاش حولة، أو مشاهدة فيلم في مكان يصلح لذلك، واستثمرت مجراية العمل ضمن مشروع مكتبة القهوة، استثمارًا جيدًا، إذ بدأت في شراء حقوق الأفلام لتعرضها في نادي السينما الذي تنظمه فضلًا عن استعارة الأفلام الألمانية الأصلية من مكتبة أفلام مؤسسة جوتة.
.
بدأت مجراية في مقر صغير بحارة في مركز ملوي، محافظة المنيا، ثم بعد عامًا ونصف تقريبًا أنتقلت إلى شقة أوسع بشارع شريف في ملوي، ولفت نظر المؤسسين أن العمارة بها جراج /بدروم غير مستعمل في الدور الأرضي للعمارة، وقاموا بتأجيره وعمل سلم داخلي حلزوني ليتحول الجراج إلى مساحة فنية
وعن مؤسسة مجراية وأنشطتها يقول:
أبرز ما تقدمه مجراية من أنشطة
* نادي السينما – تحدد دوريته على حسب البرامج وتمويلها.
* مكتبة استعارة - تحوي قرابة 1500 عنوان كتاب.
* معرض ملوي السنوي للكتاب
وتأتي أهميته من كونه معرض الكتاب الوحيد الذي تنظمه مؤسسة مستقلة عن وزارة الثقافة المصرية، أقامت المؤسسة حتى الآن 6 دورات للمعرض، وعلى هامش المعرض هناك أنشطة فنية وندوات، وتستضيف المؤسسة فيها أسماء أدبية من القاهرة وتمزج بين الأهمية (القيمة الفنية) والشهرة الأدبية (كُتاب البيست سيلر) وتباع الكتب بدون ربح وتقدر تقريبًا بـ 50% من ثمنها.

* أما الشاعر والكاتب المسرحي، ومدير عام مركز نوافذ لتنمية المهارات. مينا ناصف يقول:
رحل أحد مؤسسي (مجراية) مدير المؤسسة؛ الناشط الناشط الثقافي حمادة زيدان. هكذا كتبت أغلب الصفحات الفيس بوكية، ولكن حقيقة الأمر كان "زيدان" هو (مجراية)، وكانت (مجراية) هي "زيدان"، والذي دشن تجربة ثقافية فريدة؛ مغردا خارج السرب الثقافي؛ فحول الفنون لخبز يومي يقدمه للعامة والخاصة على حد سواء؛ فأصبحت ملوي على يديه مركزا ثقافيا مستقلا يشع نور. فالرسم والموسيقى إلى جانب استعارة الكتب والفاعليات الثقافية مثل نادي السينما هي وجبته الطازجة التي يجهزها كل صباح ليقدمها إلى العالم.
مرة آخرى تخبرنا الصفحات الفيس بوكية بان مؤسسة (مجراية) تأسست بعد أحداث ثورة يناير 2011، ولكن التواريخ الفعلية تؤكد لنا ان أول مجموعة فنية قدمت نفسها للساحة الثقافية في محافظة المنيا هي مجموعة (عيون)، والتي لم تستمر كثيرا؛ فأغمضت عيناها سريعا، ورحلت مبكرا، واسدل الستار على تجربة لم يكتمل نموها؛ ليظهر بعدها على المسرح الثقافي مركز (دوار الفنون) كأول مركز فني ثقافي مستقل؛ ثم جاءت من بعده مؤسسة (مجراية) ثم (ألوانات).
شكلت هذه المؤسسات الثقافية أضلاع مثلث الثقافة المستقل في محافظة المنيا. اشتغل "زيدان"، والذي تخرج من كلية الحقوق بجامعة أسيوط صحفيا بالقاهرة؛ فعاصر يناير عن قرب، ومن هنا تشكلت ملامح الثورة داخله؛ فعاد إلى مسقط رأسه مدينة ملوي، ليشعل ثورة ثقافية مميزة؛ فأسس (صالون ملوي الثقافي) بالتعاون مع محمد رمضان وبسمة ناجي؛ فقاموا بالعديد من الجولات الثقافية المميزة؛ فتارة ينظموا الصالون في المقاهي، وآخرى في مقرات الأحزاب، وأثناء ذلك وتحديدا في عام 2013 قاموا بمساعدة أستاذة المصريات مونيكا حنا في إنقاذ ما تبقى من متحف ملوي.
وفي عام 2014 بدأ "زيدان" يفكر في تأسيس مؤسسة (مجراية) ليوفر لأبناء مدينته مساحات فنية حرة وآمنة، وبالفعل خرجت (مجراية) إلى النور، واستنشقت نسمات العمل الثقافي بالتعاون مع مشروع (مكتبة القهوة) الممول من معهد جوتة الألماني، والذي استهدف المنيا وبني سويف والفيوم، وفي الوقت الذي بدأت فيه حرب التنافس الثقافي تشتعل بين (دوار الفنون) وغيره من المؤسسات الثقافية، والتي كانت ترى في المنافس عدو لها؛ قام "زيدان" بدعوتي لأقدم أمسية شعرية بمشروع (مكتبة القهوة)؛ وكأنه من ناحية يحتفي بي كشاعر، وناشط ثقافي، ومدير عام لمركز (دوار الفنون)، ومن ناحية آخرى يقول لمثل هؤلاء نحن جميعا شركاء هم واحد، ولسنا أعداء؛ هذا هو "زيدان" الإنسان.
جاءت كورونا وما بين تقلبات داخلية وخارجية أصبحت أغلب المؤسسات الثقافية تعيش حالة يومية من الصعود والهبوط، ولأسباب لا داعي لذكرها خرج (دوار الفنون) من المشهد الثقافي، ولحقت به (ألوانات)، وبقى الضلع الثالث (مجراية) صامدا ليكون آخر ضلع موجود في مثلث "رواد" الثقافة المستقلة بالمنيا؛ فاتمنى من الجميع الحفاظ على (مجراية)؛ بل وتقديم كل سبل الدعم لها كي تستمر؛ فهي آخر سطر ثقافي مستقل موجود على الأرض؛ بالطبع لا أنكر وجود باقي الكيانات الثقافية المستقلة؛ الجديد منها والقديم، فكل الدعم والاحترام والتقدير للجميع، ولكن (مجراية) هي المركز الثقافي الوحيد الباقي والموجود فعليا من جيل "رواد" المؤسسات الثقافية المستقلة في محافظة المنيا.
حمادة زيدان ليس مجرد ناشط ثقافي مستقل، ولا مجرد شخص تعاملت معه في إطار العمل الثقافي؛ حمادة زيدان جزء من تاريخ الثقافة المستقلة في محافظة المنيا، وواحد من أهم المدراء الثقافيين في المحافظة. للأسف الشديد، وببالغ الحزن والأسى أنعي لكم يا أصدقائي رحيل إنسان نبيل شكل حجر زاوية ثقافي بصعيد مصر؛ إنه المخلص للفن والثقافة حمادة زيدان.

* تواصلنا مع شقيقه عمرو الذي وجه رسالة إلى روح أخيه يقول:
أخي الغالي…
رحلتَ وتركتَ في القلب فراغًا لا يملؤه أحد، وصوتًا ما زال صداه يطرق أذني كلما اشتقت لك
كنتَ السند قبل أن أطلب، والضحكة قبل أن أبتسم، والطمأنينة حين تضيق الدنيا
علّمتني أن الأخ ليس مجرد قرابة، بل روح تشبهك، وقلب يخاف عليك أكثر من نفسه.
رحلت يا أخي، لكن طيبتك باقية فينا، وأثر خدمتك للناس شاهد عليك، وطموحك سيظل درسًا لنا أن نكمل الطريق الذي أحببته.
فإن غاب الجسد، فذكراك في القلب حيّة لا تموت، ودعائي لك لا ينقطع
عزاؤنا أنك تركت ذكرى جميلة وسيرة عطرة، ودعوات لا تنقطع.
نسأل الله أن يبدلك دارًا خيرًا من دارك، وأهلًا خيرًا من أهلك، وأن يجعل قبرك نورًا وراحة وسلامًا، وأن يجمعنا بك في جنات الفردوس.
ستبقى في قلوبنا ما حيينا… رحمك الله رحمة واسعة،
سلامٌ عليك يا قطعةً من قلبي… إلى أن نلتقي عند الله.
ثم أضاف متحدثا عن أخيه:
أخي الذي علّمني معنى الطيبة…
لم يكن أخي إنسانًا عاديًا يمر في حياتنا مرور الكرام، بل كان روحًا نقية تمشي على الأرض. كان طيبًا إلى أبعد حد، طيبةً صادقة لا تعرف التصنع ولا المصلحة. كان يرى الخير في الجميع، ويتمنى الخير لكل من حوله، وكأن قلبه خُلق ليُعطي لا ليأخذ.
كان خدومًا بطبعه، لا يتأخر عن مساعدة أحد، يسعى لقضاء حوائج الناس قبل أن يُطلب منه ذلك. كانت سعادته الحقيقية في أن يرى غيره مرتاحًا وسعيداً ،
وكان أيضًا نشيطًا لا يعرف الكسل، ممتلئًا بالحياة، يحمل طموحًا كبيرًا وأحلامًا كثيرة. كان يسعى دائمًا للأفضل، ويعمل بصمت وإصرار، يؤمن أن الاجتهاد طريق النجاح، وأن الإنسان يُعرف بأفعاله لا بكلامه.

* ويرثيه صديقه الشاعر أحمد سعيد ويقول:
مات حمادة،
صديقَ رحلةِ الشباب،
ابنَ الشقاءِ والمعافرة،
الذي كان يمشي في المظاهرات
كأن الشارع يعرف اسمه.
كان يضحكُ
والغازُ يملأُ السماء،
ويكتبُ بيانًا على عجلٍ
فوق رصيفٍ لا يتّسعُ لليأس.
الحياةُ
يدٌ خفيّةٌ
تطعنُ قبل أن تمتدَّ بالطعام.
مات حمادة،
شريكَ الهتافِ الأول،
وصاحبَ الفكرةِ التي كنّا نؤجّلها
حتى يتحسّن المزاجُ العام.
توقّف الحلمُ فجأةً،
كدفترٍ أُغلق
والقلمُ ما زال دافئًا.
يكفيك الآن يا رفيق،
أن تضعَ عن كتفيك
أعلامًا أثقلها المطر،
وكتبًا ظنّت نفسها
أقوى من الرصاص.
فالجسرُ الذي عبرناه معًا
كان يرتجفُ تحت أقدامنا،
لكنّك كنتَ تمشي
كأن السقوطَ احتمالٌ صغير.
استرح قليلًا…
دعِ الميدانَ يتّسعُ لاسمك،
ودعِ الحروفَ التي زرعتَها
تبحثُ عن صوتٍ جديد.
وإن مرَّ طيفُك في غرفةِ الكتابة،
سنتركُ الكرسيَّ خاليًا،
كأنك خرجتَ لتدخّن
وستعود.
* ويقول الكاتب هيثم الكاشف:
صداقتي بحمادة زيدان امتدت لسنوات طويلة، عرفته إنسانًا صادقًا، وصريحًا، عاشقًا للكتابة والفن من كل قلبه. حمادة عاش آخر 12 سنة من حياته في بناء كيان ثقافي اسمه "مجراية" حلمه الأكبر الذي بدأ صغيرًا في محاولة منه لنشر الثقافة والمسرح والفن في مدينة "ملوي" وهي مدينة منغلقة على نفسها بلا أي دور سينما أو مسرح أو أية فعاليات أو مساحات ثقافية على الإطلاق. طول عُمره كان مؤمن إنه الثقافة مش مجرد رفاهية.. ولكن حق للجميع، وده اللي خلاه يسعى لغاية ما "مجراية" اصبحت واحدة من أهم الدور الثقافية بالصعيد، انتجت من خلالها العديد من المسرحيات، وقامت بإستضافة كبار الكُتاب، واحتضنت العديد من الموهوبين، والفرق المسرحية، والمبدعين الصغار.
رحل حمادة، ويبقى أثره حاضرًا.. وباق.
الوداع يا صاحبي..
|