|
القاهرة 03 مارس 2026 الساعة 06:39 م

بقلم: محمد خضير
في مصر شهر رمضان شهر للتعبد، وموسمًا للمعنى؛ زمنًا تتداخل فيه الروحانية مع الثقافة والفنون، وتتصالح فيه الذاكرة الشعبية مع الإبداع المعاصر، ومع أول رمضان عقب تولى الدكتورة جيهان زكى وزيرة الثقافة، حرصت على انطلاق برنامج فعاليات شهر رمضان المبارك بعنوان: «رمضان مصري» الذي انطلق برؤية ثقافية شاملة، تتجاوز فكرة الاحتفالات الموسمية إلى مشروع وطني لإعادة ترتيب العلاقة بين الفن والمجتمع، بين التراث والراهن، وبين المركز والأطراف.
أكثر من 4560 فعالية ثقافية وفنية هو مؤشر مهم يدل على فلسفة عمل ترى أن الثقافة لا ينبغي أن تُختزل في قاعات مغلقة أو مناسبات بروتوكولية، وإنما يجب أن تنتشر في الشوارع والساحات والحدائق والمناطق الجديدة، لتصبح جزءًا من الإيقاع اليومي للمواطن.. هنا تستكمل وزارة الثقافة دورها بأنها حاضرة وفاعله في حياة الناس، خصوصًا في شهر تتضاعف فيه الحاجة إلى الخطاب القيمي والوجداني.
* الهوية المصرية
يحمل عنوان «رمضان مصري» دلالة عميقة؛ تشير إلى أهمية وقيمه الاحتفال بالشهر الكريم، والتأكيد على خصوصية التجربة المصرية في الاحتفاء به.. هذه الخصوصية تتجلى في المزج بين الإنشاد الديني، والسيرة الشعبية، والموسيقى العربية، والمسرح، والندوات الفكرية، ومعارض الكتب، وورش الأطفال.. إنها صيغة ثقافية تستوعب التعدد داخل إطار هوية جامعة.
كما أن برنامج صندوق التنمية الثقافية، الذي يضم 116 فعالية متنوعة، يقدم نموذجًا لهذا المزج.. فحين تعود السيرة الهلالية إلى الخشبة، أو تتجاور التنورة مع العروض الموسيقية المعاصرة، فإننا أمام قراءة جديدة للتراث، لا تستنسخه بل تعيد إنتاجه.. التراث هنا يعد طاقة رمزية قابلة للتداول والحفاظ عليها، ومصدر إلهام للجيل الجديد..كما أن حضور فنون مثل الأراجوز وخيال الظل يكتسب بعدًا يتجاوز الطابع الاحتفالي؛ فهو استعادة لوسائط سردية شعبية لعبت تاريخيًا دورًا في تشكيل الوعي الجمعي، وفي تمرير الرسائل الاجتماعية والأخلاقية بلغة بسيطة وعميقة في آن.. إعادة تقديم هذه الفنون في سياق مؤسسي حديث يعكس إدراكًا لأهمية حماية الذاكرة الشعبية من التآكل في زمن السرعة الرقمية.
* عدالة الانتشار
من أبرز ملامح البرنامج الرمضاني هذا العام هو اتساع رقعة الانتشار الجغرافي.. عبر أكثر من 679 فعالية مركزية، تتحرك الهيئة العامة لقصور الثقافة في ثمانية مواقع كبرى بالقاهرة والأقاليم، إضافة إلى مئات الأنشطة في المحافظات.. وان هناك تطور يحدث فى الحركة الثقافية رغم ضعف الأداء الإداري بالهيئة ولكن قيمه نشاط الهيئة يكمن فى تنوع فنونها وثقافتها وفي العروض، وهو ما يعنى إعادة توزيع الضوء الثقافي.
في أقاليم الهيئة الثقافية السته من إقليم القاهرة الكبري وإقليم وسط الصعيد واقليم جنوب الصعيد، واقليم القناة وسيناء، واقليم غرب الدلتا واقلبم شرق الدلتا، تُقام الفعاليات بوصفها قلبًا نابضًا في حد ذاته.. حين تُنظم أمسيات شعرية وورش فنية في القاهرة والإسماعيلية وسوهاج وقنا أو العريش أو الغردقة، فإن الثقافة تتحول إلى أداة دمج اجتماعي، وتكسر الصورة النمطية التي تحصر الإبداع في العاصمة..
برامج مثل «واحة الشعراء» و«راوي من بلدنا» والمقهى الثقافي تعيد الاعتبار للكلمة المنطوقة، وللشعر والسرد الشعبي، في لحظة يحتاج فيها المجتمع إلى خطاب يعيد صياغة المعنى.. كما أن حفلات توقيع الكتب ومناقشاتها ضمن «إضاءات حول إصدارات الهيئة» تخلق فضاءً للحوار بين الكاتب والقارئ، وتمنح الكتاب حياة تتجاوز رفوف المكتبات.
* الفكر في قلب الاحتفال
ويكتمل المشهد الثقافي الرمضانى بالبعد الفكري والثقافي الذي يقدمه المجلس الأعلى للثقافة بوصفه: "العقل المفكر لوزارة الثقافة" عبر 262 فعالية تحت شعار «رمضان… نور وإبداع».. هنا يتداخل البحث الأكاديمي مع الروحانية، وتلتقي الندوات الفكرية بالأمسيات التراثية.
الندوات التي تتناول موضوعات مثل الشعر الصوفي، والعادات الرمضانية في الدول العربية، وقراءات في التراث، تعكس وعيًا بأهمية التوثيق والمقارنة الثقافية.. فحين تُناقش عادات رمضان في مصر وتونس والسودان وفلسطين وليبيا وسوريا، فإننا أمام محاولة لبناء جسر ثقافي عربي، يؤكد أن الهوية المصرية منفتحة على محيطها، وقادرة على الحوار دون ذوبان.. كما أن الاحتفاء بذكرى العاشر من رمضان في سياق ثقافي يربط الفن بالذاكرة الوطنية، ويعيد قراءة التاريخ من منظور إبداعي.. فالثقافة تعد إعادة تأمل له، وتحويله إلى مادة فنية وفكرية تحفظه من النسيان.
* الروحانية في ثوب موسيقي
في فضاءات دار الأوبرا المصرية، يتجسد البعد الجمالي للاحتفال بشهر رمضان.. السهرات العربية والإسلامية، وعروض الإنشاد، والتجارب الموسيقية المتنوعة، تعكس رؤية ترى في الموسيقى لغة قادرة على توحيد الوجدان.. وكذلك التعاون مع سفارات دول عربية وإسلامية لتقديم تراثها الرمضاني يمنح البرنامج بعدًا دبلوماسيًا ثقافيًا، حيث تتحول الخشبة إلى مساحة حوار حضاري.. الموسيقى هنا لا تُقدَّم كأداة للتقارب، ووسيلة لفهم الآخر من خلال إيقاعه الخاص.. كما أن استمرار الموسم الفني، بما يضمه من أوركسترا وعروض مركز تنمية المواهب، يؤكد أن شهر رمضان لحظة ذروة فيه.. فالفن لا يتعارض مع الروحانية، بل يعمقها.
* المسرح… الذاكرة الحية
برنامج قطاع المسرح يربط بين الاحتفال والذاكرة الوطنية، عبر فعاليات تستحضر نصر أكتوبر، وتكرم رموزًا فنية ووطنية... فالمسرح هنا ليس مجرد عرض، بل طقس جماعي يعيد إنتاج اللحظة التاريخية في وعي جديد.. مبادرات مثل «هل هلالك» تعيد إحياء فكرة الاحتفال الشعبي المنظم، حيث تجتمع الفرق الفنية، والموسيقى، والورش الموجهة للأطفال، في فضاء مفتوح.. فالمسرح يتحول إلى ساحة لقاء بين الأجيال، وإلى مساحة يتجاور فيها الطرب مع الحكي، والاحتفاء الوطني مع البهجة الرمضانية.
* الكتاب والتراث
تلعب الهيئة المصرية العامة للكتاب دورًا محوريًا عبر معرض فيصل الرمضاني وبرامج القراءة والخصومات، ما يعزز فكرة أن المعرفة ينبغي أن تكون في متناول الجميع، خصوصًا في شهر يرتبط تاريخيًا بالقراءة والتدبر.
وفي السياق ذاته، تفتح الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية أبوابها أمام الجمهور، مقدمة معارض وورشًا تبرز كنوز التراث المصري.. عرض الوثائق والمخطوطات والمقتنيات الموسيقية وإعادة دمج التراث في الحاضر، ليصبح جزءًا من الوعي المعاصر.
* الطفل وذوى الهمم… ثقافة بلا استثناء
من اللافت في البرنامج الرمضاني هذا العام الاهتمام الواضح بالأطفال وذوي الهمم، عبر ورش فنية، ومسابقات، وعروض عرائس، وأنشطة دمج.. الثقافة هنا تؤدي وظيفة تربوية وتنموية، ورسالة ثقافية اصيله بعيد عن الترفيه المشكلة فقط.
المسابقات اليومية، وورش الحكي، والفنون التشكيلية، تمنح الطفل فرصة للتعبير، وتزرع في داخله علاقة مبكرة مع الفن.. أما إشراك ذوي الهمم في الفعاليات، فيعكس وعيًا بأن العدالة الثقافية جزء من العدالة الاجتماعية.
* رؤية تتجاوز الموسم
ما يميز هذا البرنامج أنه لا يبدو مجرد خطة موسمية، بل امتدادًا لرؤية تسعى إلى إعادة الاعتبار للقوة الناعمة المصرية.. في ظل تحولات إقليمية وعالمية متسارعة، تصبح الثقافة أحد أهم أدوات ترسيخ الهوية، وبناء الوعي، ومواجهة التطرف الفكري.
رمضان، بما يحمله من قيم التسامح والتكافل، يشكل أرضية خصبة لخطاب ثقافي جامع.. وعندما تتكامل جهود المؤسسات المختلفة تحت مظلة واحدة، فإن الرسالة تصل بوضوح: الثقافة ضرورة لبناء العقول والحفاظ على قيم المجتمع.
* الفن كضوء ومعنى
واخيرا وليس بآخر... عزيزى القارئ اسنحواى أن أؤكد لك إن الثقافة والفن حين يضيء ليالي رمضان، فهو لا يكتفي بإضاءة المسارح والساحات، بل يضيء الداخل الإنساني.. ويذكّرنا بأن الهوية هى ممارسة يومية تتجسد في إنشاد وأغنية، وقصيدة، ومسرحية، وكتاب، ولوحه، وورشة طفل يرسم فوانيسه الأولى.. وخاصة أن هذا الحراك الثقافي الواسع يعيد التأكيد على أن مصر، بتاريخها وإبداعها، قادرة على أن تجعل من الشهر الكريم موسمًا للجمال والمعرفة معًا.. وبين الإنشاد والندوة، وبين المسرح والكتاب، تتشكل صورة وطن يعرف أن الفن روحًا تحفظ المعنى وتجدده...
وهكذا، لا يضيء الفن ليالي رمضان فحسب، بل يرسخ فكرة أن الثقافة هي النور الأعمق، ذلك الذي يبقى بعد انطفاء الأضواء.
|