|
القاهرة 03 مارس 2026 الساعة 06:37 م

كتب: محمد السيد
يعتقد الكثيرون أن أول من قدم فوازير رمضان بالتليفزيون "ثلاثي أضواء المسرح" والحقيقة أن "نيللي" قدمتها قبلهم لتكون أول نجمة فوازير في التاريخ، كما يعتقد الكثيرون أن الفوازير أول تعاون فني بين "نيللي" والمخرج "فهمي عبدالحميد"، والحقيقة أيضا عكس ذلك؛ فقد جمعهما فيلم أنيميشن قبل الفوازير بسنوات، وهو ما سنعرفه في المقال الآتي.
شهد التليفزيون المصري مع بداياته في مطلع الستينيات من القرن الماضي أول تجربة فوازير من بطولة "نيللي" التي لم تكن قد تجاوزت العشر سنوات بعد، بمشاركة شقيقتيها "فيروز" و"ميرفت"، واللاتي قدمن سويا قبل عدة سنوات فيلم "عصافير الجنة"، وكَوَّنَّ ثلاثيا أطلق عليه "الثلاثي فيروز" على غرار فرق "الثلاثي المرح" و"ثلاثي النغم"، وقام بتلحين الفوازير الموسيقار "حلمي بكر"، وكانت عبارة عن اسكتشات استعراضية تحكي مواقف درامية مختلفة.
بعد سنوات وتحديدا في عام 1967 أعاد المخرج "محمد سالم" تقديم الفوازير من خلال "ثلاثي أضواء المسرح" المكونة من "سمير غانم" و"جورج سيدهم" و"الضيف أحمد" بعنوان "وحوي يا وحوي" وتميزت بالطابع الفكاهي تمثيلا وغناء، وشارك بها العديد من النجمات مثل "نجلاء فتحي"، "صفاء أبو السعود"، و"هالة فاخر". واستمر تقديم الفوازير حتى نهاية الستينيات التي انتهت بوفاة "الضيف أحمد" الضلع الثالث في فرقة الثلاثي.
بعد وفاة "الضيف" لم تتوقف الفوازير كليا، لكن ثمة محاولة أخرى قدمها "سمير وجورج" بعنوان "صورة وفزورتين"، قبل انقطاعهما عن الفوازير حتى إشعار آخر.
كان المخرج "فهمي عبدالحميد" رئيسا لقسم الرسوم المتحركة بالتليفزيون المصري وقدم مع الأخوين "علاء مهيب" و"حسام مهيب" مجموعة من أفلام التحريك كان منها فيلم "الخط الأبيض" من بطولة الفنانة "نيللي" عام 1963 وكان الفيلم همزة الوصل التي قربت بينهما ليتعرف "فهمي" عن قرب على موهبة "نيللي" الاستعراضية والتي كانت في ذلك الوقت طالبة بمعهد الباليه، وهو ما دفعه فيما بعد لأن يسند إليها بطولة أول فوازير عام 1975 غير من خلالها شكل الفوازير تغييرا جذريا اعتمد فيه على ثلاثة أشياء وهي الاستعراض، الرسوم المتحركة، والخدع السينمائية، وكانت أولى الفوازير بعنوان "صورة وفزورة" تقوم فكرتها على الشخصيات الكاريكاتيرية التي كان "فهمي عبدالحميد" مغرما بتصميمها ومحتوى الحلقات تمثيلي لكن التتر استعراضي وهو ما جذب انتباه "نيللي" من السينما إلى التليفزيون، الذي وجدته متنفسا لها لتفجير طاقاتها الاستعراضية التي لم تستطع تقديمها في السينما بالشكل الأمثل.
بعد نجاح "صورة وفزورة" قدم فهمي مع "نيللي" ثنائيا فنيا استمر سبع سنوات من خلال "صورة وفزورتين"، وهو نفس الاسم السابق لفوازير "سمير" و"جورج" ولكنها هذه المرة أول فوازير تقدم بالألوان الطبيعية بعد أن كانت بالأبيض والأسود، ثم "صورة و3 فوازير"، فـ"صورة و30 فزورة"، وتقوم فكرتها على الشخصيات النسائية في التاريخ، وكان يكتب الفوازير "أنور عبدالله" و"لينين الرملي" ويقوم بتلحينها "حلمي بكر" ويصمم استعراضاتها "حسن عفيفي" وهو أيضا مصمم الاستعراضات الذي صمم كل فوازير "نيللي".
في عام 1979 اختارت "نيللي" "عمر خورشيد" لتلحين فوازير "التمبوكا" التي حملت اسم "أنا وانت فزورة" وتقوم فكرتها على الصفات.
شهد عام 1980 عودة للشاعر "صلاح جاهين" كاتب الفوازير الأسبق الذي كان يكتب الفوازير الإذاعية للإعلامية "آمال فهمي"، فكتب للتليفزيون فوازير "عروستي"، التي تقوم فكرتها على الأشياء، وزادت بها جرعة الاستعراض شيئا فشيئا حتى صارت الفوازير استعراضية بحتة، ولاقت نجاحا كبيرا، وهو ما دفع فريق العمل لتكرار التجربة مع "جاهين" من خلال فوازير "الخاطبة" التي لاقت نفس النجاح المدوي وتقوم فكرتها على المهن.
أثناء إحدى الجلسات الفنية بين المخرج "فهمي عبدالحميد" والملحن "حلمي بكر" إذ بـ"وائل" نجل "فهمي" يدخل عليهما غرفة المكتب مرتديا بزة والده وحذاءه، اللذين بالطبع كانا أكبر من حجمه مما جعله يبدو كشخصية بهلوانية تبعث على الضحك، ومن هنا استوحى "فهمي" شخصية "فطوطة" لتقديمها في فوازير العام التالي وعهد إلى الفنان الكوميدي "سمير غانم" لبطولتها مرتديا البزة الخضراء التي تكبره حجما وكذلك الحذاء الأصفر الكبير، تلك الشخصية التي أحبها الجميع وبخاصة الأطفال، وكان ذلك السبب في تقديمها لثلاث سنوات على التوالي، حيث دارت أفكارها عن الأفلام، الشخصيات، والأشياء أيضا التي سبق تقديمها في فوازير "عروستي"، ونظرا لكون "سمير غانم" ليس فنانا استعراضيا ولا يجيد الرقص فقد اعتمدت الفوازير فقط على التمثيل والأداء الغنائي مع وجود بعض الراقصين في الخلفية لتعويض هذا الجانب المفقود.
بعد نجاح حلقات "ألف ليلة وليلة" الدرامية عام 1984 للمخرج "عبدالعزيز السكري"، من بطولة "نجلاء فتحي" و"حسين فهمي" أراد المخرج "فهمي عبدالحميد" تقديم موسم جديد من الليالي الألف من بطولة الفنانة "صفاء أبو السعود" وتم اختيار حكاية "عروس البحور" من حكايا "طاهر أبو فاشا" التي كان قد كتبها للإذاعة سابقا، إلا أن "صفاء" اعتذرت عن المسلسل فيما بعد، ليفكر "فهمي" في شيء جديد وهو الدمج بين الحلقات التمثيلية والفوازير في عمل فني واحد كان بمثابة العودة للاستعراض مجددا في منتصف الثمانينيات من خلال النجمة الاستعراضية "شريهان" والتي درست أيضا الباليه الكلاسيكي، وهو ما أهلها لتقديم الفوازير ببراعة ولاقت نجاحا كبيرا من خلال فوازير "ألف ليلة وليلة" وكانت الفكرة من الذكاء بمكان حيث جعل المخرج "فهمي عبدالحميد" جموع الجمهور آنذاك ينتظرون الحدوتة بشغف يوما بعد يوم والتي تصاحبها الفزورة، وكانت فكرة الفوازير تقوم أيضا على الأشياء للمرة الثالثة. وقام بالتعليق الصوتي الممثلة القديرة "سهير البابلي" التي لعبت دور الرواية على غرار "آمال فهمي" بالإذاعة في السابق.
بعد نجاح "شريهان" ونجاح فوازير "ألف ليلة وليلة" كرر "فهمي" التجربة في العام التالي، والتي قامت فكرتها على الأمثال الشعبية، ولاقت أيضا نفس النجاح، من خلال حكاية "هاندو وشاندو وماندو".
في عام 1987 أعاد "عبدالحميد" فصل الفوازير عن "ألف ليلة وليلة"؛ فقدم فوازير مستقلة بعنوان "حول العالم" تقوم فكرتها على بلدان العالم، وشهدت الفوازير النضج الفني لـ"شريهان" التي وصلت إلى أوج تألقها، كما استغنى "فهمي" عن الرسوم المتحركة التي كان يعتمد عليها معتمدا فقط على التمثيل البشري الحي، كما اعتمدت "شريهان" على الاستعراض بملابسها التي احتوت جميعها على الحلي الذي يضوي كالدر، وكتب الفوازير الشاعر "عبدالسلام أمين" الذي تولى مهمة كتابة الفوازير في السنوات اللاحقة ليتفوق على جميع من سبقوه وحتى من أتوا بعده لرشاقة كلماته وثقافته الواسعة التي جعلته خير شاعر للفوازير. على صعيد آخر قدمت "شريهان" مع "فهمي" حكاية "مشكاح وريمة" داخل حلقات "ألف ليلة"، التي كانت تقدم بها شخصيات "فطيمة" و"حليمة" و"كريمة"، ورغم المجهود الذي بذل من قبل المخرج والبطلة وكل فريق العمل بدا واضحا أن التوفيق كان من نصيب الفوازير بينما لم يتم التحضير جيدا للمسلسل، لذا لم يخرج على الوجه الأكمل، ونظرا أيضا لضيق الوقت لم يتم تصميم تتر للنهاية، وهو ما تداركه "فهمي" في العام التالي مصمما شارة للبداية وأخرى للنهاية بالحلقات التي كانت بطلتها "ليلى علوي" وقدم فيها حكاية "الإشكيف".
كان عام 1988 صدمة للجمهور حين فوجئ بممثلين هم أبعد ما يكونوا عن الاستعراض ليجدهم نجوم الفوازير وهم "يحيى الفخراني"، "هالة فؤاد"، و"صابرين"، وقامت فكرتها على "المناسبات" وهو نفس الاسم الذي تسمت به، لتنهال أقلام النقاد عليهم وعليها.
تكرر الفشل في العام التالي من خلال فوازير "الفنون" التي قام ببطولتها "مدحت صالح" و"شيرين رضا" ابنة مصمم الرقصات "محمود رضا" الذي تولى تصميم الرقصات بدلا من "حسن عفيفي"، ذلك الفشل الذي دفع "فهمي" إلى إعادة حساباته مجددا، ووقفة مع الذات أسفرت عن تفكيره في الاستعانة بـ"شريهان" التي كانت على أبواب التعافي من الحادثة التي تعرضت لها وجعلتها طريحة الفراش، أو "نيللي" التي عادت من أوروبا بعد سنوات اعتزال، واستقر به الأمر على "نيللي" خاصة بعد نجاح مسرحيتها الاستعراضية "انقلاب" مع المخرج "جلال الشرقاوي"، وأسند إليها بطولة فوازير "العرافة" التي تغير اسمها فيما بعد إلى "عالم ورق ورق"، إلا أن المفاجأة الأكبر كانت في تغيير المخرج نفسه "فهمي عبدالحميد" الذي وافته المنية دون مقدمات وكان رحيله صدمة للجميع.
قبل رحيل "فهمي" كان قد شرع في إخراج موسم جديد كالعادة من "ألف ليلة" من بطولة "مدحت صالح" و"رغدة" لكنه خرج فقط في 15 حلقة لم تستكمل إلى 30 كما كان الحال في المواسم السابقة.
في مطلع التسعينيات قدمت بالفعل فوازير "عالم ورق ورق ورق" بـ"نيللي" التي بدورها أسندت إخراج الفوازير إلى "جمال عبدالحميد" الذي كان يعمل حينها مونتيرا، ليصبح "جمال" مخرجا للمرة الأولى، ولتبدأ بعدها مرحلة جديدة من الفوازير بدون "فهمي عبدالحميد".
|