|
القاهرة 03 مارس 2026 الساعة 12:55 م

بقلم: د. هويدا صالح
في خضم التناول الدرامي والإعلامي للأحداث المأساوية في قطاع غزة، برز مسلسل "أصحاب الأرض" (رمضان 2026) كحالة درامية استثنائية، ليس فقط لضخامة إنتاجه أو لنجومه (مثل إياد نصار ومنة شلبي)، بل لطبيعة خطابه السياسي والإنساني شديد الذكاء. فقد اختار صناع العمل، بقيادة المخرج بيتر ميمي، التخلي عن الأساليب التقليدية في التناول، ليقدموا وثيقة بصرية تخاطب الوجدان العالمي بلغة لا يمكن دحضها: لغة المعاناة الإنسانية البحتة.
وبمتابعة رد فعل الإعلام العبري على أحداث المسلسل يتضح مدى تأثيره ، وإلى أي مدى وصلت رسالته الفنية والسياسية. لقد أفلحت الرؤية الإخراجية للمسلسل في الإفلات من فخ "الحنجورية" والخطابات المباشرة الرنانة التي تدغدغ عواطف الجمهور المحلي لكنها تفشل في إقناع الآخر أو عبور الحدود. ذكاء طاقم "أصحاب الأرض" تجلى في إدراكهم أن إظهار الوجه القبيح للاحتلال لا يتطلب خطباً عصماء، بل يتطلب كاميرا تنقل بصدق تفاصيل الحياة اليومية المقهورة.
تابعتُ بدهشةٍ ردودَ فعل أهل غزة من جهةٍ أخرى، إذ أكد هؤلاء أن المسلسل عكسَ بصدقٍ ما عانوه منذ السابع من أكتوبر، مشيرين إلى دقة اللهجة الفلسطينية وتمكُّن الممثلين من أدائها. وهذا ليس بالأمر الغريب، فقد استعان المخرج بيتر ميمي بفنانين من فلسطين والأردن للمشاركة في هذا العمل المتميز في رسالته وقيمته الفنية.
بل إن بعض أهل غزة أشاروا إلى أن الدور الذي أدّته منة شلبي، دورَ الطبيبة المصرية، يستحضر قصةً حقيقية؛ إذ تطوَّع طبيبٌ مصري يُدعى محمد توفيق بالدخول إلى غزة لتقديم المساعدة الطبية، وأخذ معه جهازاً لجراحة العيون، أسهم في إنقاذ مئات الأطفال من الإصابة بالعمى.
المسلسل لم يبروز دور فصائل المقاومة المسلحة (كحماس وغيرها) ولم يغرق في تفاصيل العمليات العسكرية، بل وجه عدسته نحو "البطل الحقيقي" في هذه المأساة: الإنسان الغزاوي البسيط. ركز العمل على الأب المحاصر الذي لا يستطيع الاطمئنان على بناته بسبب انقطاع الإنترنت، وعلى العائلات التي تعيش تحت وطأة القصف وتكافح لتوفير أبسط مقومات الحياة. هذا التهميش المتعمد للجانب العسكري لصالح الجانب الإنساني نزع من الدعاية المضادة سلاحها المعتاد في وصم العمل بـ "دعم الإرهاب"، ووضعه في إطاره الصحيح كعمل يدافع عن الحق في الحياة.
لم يكتفِ القائمون على المسلسل بإنتاج عمل للجمهور العربي المتعاطف سلفاً، بل امتد ذكاؤهم التسويقي والرسائلي إلى استهداف الوعي الغربي. من خلال الاهتمام بالترجمة إلى الإنجليزية (سواء في المواد الترويجية أو في إتاحة العمل عالمياً)، تم فتح قناة اتصال مباشرة مع المشاهد الغربي الذي يتعرض غالباً لسردية أحادية الجانب.
المشاهد الغربي قد يختلف معك في السياسة، وقد يكون لديه تحفظات أيديولوجية، ولكنه لا يستطيع أن يقف محايداً أمام مشاهد تدمير المنازل فوق رؤوس ساكنيها، أو تفريق العائلات، أو معاناة الأطفال. الترجمة هنا لم تكن مجرد أداة لغوية، بل كانت "جواز سفر" لتهريب الحقيقة إلى عقول وقلوب لطالما تم تضليلها، مما يساهم بشكل فعال في تغيير الرأي العام العالمي تجاه ما يحدث في غزة.
لعلَّ المقياسَ الحقيقي لنجاح أي عمل يتبنى قضيةً وطنية هو ردُّ فعل الطرف الآخر. فما إن انطلقت الحملات الترويجية للمسلسل حتى شنَّت وسائل الإعلام العبرية، كالقناة 12 الإسرائيلية وغيرها، هجوماً حاداً عليه. بل وصل الأمر إلى حدِّ تدخُّل المتحدثة باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي للإعلام العربي، إيلا واوية، لمهاجمته علناً واتهامه بـ"تزييف التاريخ" و"غسيل العقول".
هذا الغضب والانزعاج الإسرائيلي الرسمي والإعلامي يمثل اعترافاً ضمنياً بقوة المسلسل. فالاحتلال لا يخشى الخطابات الحماسية التي تتبخر في الهواء، بل يرتعب من "القوة الناعمة" عندما تُستخدم بذكاء. تخشى إسرائيل الأعمال الفنية التي تفكك سرديتها أمام العالم وتفضح الانتهاكات بأسلوب درامي مؤثر يعيش في الذاكرة ويتعاطف معه الملايين.
أثبت مسلسل "أصحاب الأرض" أن الدراما يمكن أن تكون سلاحاً فتاكاً إذا ما تم توجيهها بذكاء. من خلال التخلي عن الشعارات، والتركيز على ألم الإنسان، ومخاطبة العالم بلغته، نجح العمل في إيصال رسالته ووضع المأساة الفلسطينية في بؤرة الضوء الإنساني العالمي، كاشفاً الوجه الحقيقي للصراع، ومثبتاً أن أصحاب الأرض هم من يملكون الحقيقة، والحقيقة لا تحتاج إلى صراخ لتُسمع، بل تحتاج فقط لمن يرويها بصدق.
|