|
القاهرة 03 مارس 2026 الساعة 12:53 م

كتب: د. جمال الفيشاوي
ضمن فاعليات أسبوع برا الجامعة قدمت كلية الهندسة بالمطرية جامعة العاصمة (حلوان سابقاً) على مسرح نهاد صليحة بأكاديمية الفنون العرض المسرحي "القفص" تأليف سعيد مدكور، ومن إخراج جمعة إبراهيم الذي حصل على المركز الأول كأفضل عرض مسرحي في مهرجان مسرح المنوعات للعروض الذاتية للعام الجامعي 2025/2026. عُرضت المسرحية يوم الأحد 14 ديسمبر 2025 على مسرح الفنون والثقافة بالجامعة، وحصد عددًا من الجوائز المتعددة نظراً لتميزه.
عندما نتطرق لعنوان العرض يدور في الذهن النص المسرحي القفص للكاتب الإيطالي ماريو فراتي؛ لكن عند قراءة نص فراتي ومشاهدة العرض نجد أن التناص في الاسم فقط رغم أن نص فراتي يشير إلى الحرية والعزلة حيث يحبس بطل العمل نفسه مع الكتب وصنع في هذا القفص منهجية عقلية على الفكر والتحصيل النظري دون تجربة أو اختيار، لكن العرض مختلف.
تدو الفكرة الرئيسية للعرض حول الحرية وأن الإنسان يريد أن يتعامل مع أخيه الإنسان بما تفرضه الإنسانية ويفعل ما يريده دون قيود تقهر الإنسان وبخاصة في العمل.
تدور الأحداث حول موظف يدعى آدم يعمل في أرشيف أحد المؤسسات أو المصالح الحكومية متزوج ولديه بنت تدعى نور يعاني من الفقر والقيود المجتمعية التي تفرض على الإنسان الفقير ذي الدخل المادي الضعيف رغم أنه يعمل فهو لا يستطيع أن يوفر الاحتياجات التي تتطلبها الحياة المعيشية في المنزل من طعام وشراب وغير ذلك، ويشعر بقمة القهر عندما تمرض ابنته ولا يستطيع الحصول على المال ليعالجها حيث إنها تحتاج لإجراء عملية مكلفة مادياً، فيضطر أن يطرق أبواب الاستدانة للحصول على المال لعلاجها ويكون أول هذه الأبواب هو عملة؛ لكن مديره في العمل يرفض طلبه، فكانت نتيجة القهر أن ابنته توفيت، فيصاب بصدمة جعلته لا يفكر في أي شيء ويهمل عمله ويقرر عدم الذهاب إليه؛ لكن يصادف قراره بالتخلي عن عمله موت مديره في العمل وطبقاً للأقدمية يقع الاختيار عليه بأن يصبح المدير، فيقبل هذا العرض..
وهنا سؤال يطرح نفسه على المتلقي لماذا قبل آدم العودة للعمل؟ هل لأنه سيموت هو وزوجته جوعاً بسبب قرارة بعدم العمل وكسب المال، أم عاد لينتقم من المجتمع في صورة الانتقام من مرؤوسيه، حيث لم يقف أحداً منهم معه في وجه المدير الظالم الذي رفض أن يقرضه المال بصفته الوظيفية وتسبب ذلك في موت ابنته، أم ماذا؟ لكن العرض لم يوضح ذلك بشكل واضح ومؤكد، غير أننا نجده يتصرف مع زملائه بنفس تصرفات المدير السابق، ومن الممكن أن نقول أن وجود أي شخص على رأس السلطة في عمل ما يفرض عليه متطلبات معينة لا تتضح لغيره واكتشفها آدم عندما أصبح على رأس السلطة في عمله؛ لكنه يظهر أمام العامة أنه مدان حيث لا يحقق المساواة، واستخدم سلطته في قهر (موظف 1) ونقلة إلى الأرشيف حتى يهابه زملاؤه، وظهر ذلك في الحوار بين الموظف وآدم، وكذلك ليمارس سلطة القهر التي مورست عليه من قبل، ومن الممكن القول أنه فعل ذلك حتى تفكر الناس وتبحث عن حقوقها وظهر ذلك منذ بداية نقل (موظف 1) إلى الأرشيف الذي بدأ يقرأ ليعرف حقوقه وواجباته، كما بدأ جميع العاملين تثور على الظلم وتفتح شباك الحرية والتي رمز له داخل العرض بشباك غرفة المدير، وتكسر كل القيود التي كانت تكبل موظفي الشركة.
نوع المخرج بين المدارس المسرحية والتي شكلت تطور المسرح عبر التاريخ ومنها الواقعية، التعبيرية، الملحمية (البريختي)، التكعيبية.
قدم في نص العرض بعض الخطوط الدرامية المجتزئة كان من الممكن التخلي عنها أو تطويرها، حيث أنها لم تضيف للعرض مثل ما حدث في بداية العرض بالتعبير الحركي لقصة الحب بين الزوج (آدم) وزوجته؛ لكنه لا يتطور من خلال الأحداث، وحكاية علاقة الحب بين ليلى وموسى دون مبرر درامي، وعندما جاء صاحب منزل آدم لمطالبته بإيجار المنزل ثم ينظر لزوجة آدم نظرة جنسية ويأكل تفاحة دون أي مبرر ثم يبتر ذلك الخط ولم يبنَ عليه.
كان الديكور (محمود صالح) عبارة عن برتكبل في عمق المسرح بارتفاع 40سم يمثل مكتب المدير، وهذا البرتكبل هو الأعلى فيمثل الطبقة العليا من الموظفين وأمامه برتكبل آخر بارتفاع 20سم يمثل منطقة العمل بالمؤسسة، ويمثل هذا البرتكبل الطبقة الأقل من الموظفين، وتنزل من السوفيتا بعض الخيوط حول المكان كله والتي تمثل القيد في هذا المكان حول الموظفين، كما تنزل من السوفيتا شبابيك وعيون على اليمين واليسار وتمثل الشبابيك الحرية ولكنها بعيدة عن الموظفين حيث إنها في مكان مرتفع، وتدل العين على أن هناك من يراقب المؤسسة كلها، والمكان عبارة عن الجزء الأكبر من منطقة العمل داخل المؤسسة، وباقي الفراغ المسرحي على المستوى صفر يمثل أكثر من مكان، فنجد في المقدمة على يمين المتلقي استاند وكرسي ومنضدة عليها تليفون وبعض الكتب والمنظر يمثل غرفة الأرشيف بالمؤسسة الحكومية، وهو على مستوي أقل فيعتبر موظف الأرشيف هو الموظف الأقل مكانة في المؤسسة، وتوجد بعض الحبال في دلالة على أن المؤسسة كلها مقيدة، ويوجد أيضاً بعض الحبال في الجهة المقابلة علي يسار المتلقي، وتمثل منطقة وسط المستوى صفر منزل آدم، ففي يمين الوسط توجد غرفة ابنته وظهرت بها وهي تلعب بلعبها مع والدها آدم، ووسط ويسار المتلقي مدخل المنزل ومكان جلوس الضيوف لوجود أريكة، وأستغل المستوى صفر على يسار المتلقي كمكان لمنطقة القبور عندما ذهب موكب الجنازة من وسط يمين المتلقي إلى يسار وسط المتلقي لدفن ابنة آدم.
الملابس (هدير عاطف) كانت عبارة عن ملابس عادية معبرة عن العصر الحالي، لكن ألوانها باهتة، ومعظمها ذو اللون البني أو البيج لتعبر عن حياة الناس الصعبة والمصابة بالاكتئاب، ونرى أيضاً على ملابس الممثلين بعض الحبال الملتصقة بها، و يدل ذلك على أن القيود أصبحت بداخل كل موظفي تلك المؤسسة.
كانت إضاءة (محمود جراتسي) إضاءة باردة تميل إلى اللون الأزرق الداكن، والرمادي، والأرجواني لإظهار المعاناة من القيود المسيطرة على موظفي المؤسسة، ومدة عزلة آدم عن زملائه في العمل، وتحقق أيضاً التوتر والحزن لفقد آدم ابنته بوفاتها، كما استخدم كشاف وضع في وسط عمق المسرح تمت إضافته عندما فتح موسى باب مكتب المدير ليعبر عن الحرية القادمة من خارج المؤسسة عن طريق شباك غرفة المدير، وهو ما يعد تطبيقاً متطرفاً لتقنية التغريب، حيث يهدف إلى كسر الإيهام وإلغاء الجدار الرابع، ويدفع الجمهور للتأمل والتحليل والتفكير النقدي، والبعد عن الاندماج العاطفي واتخاذ موقف مما يحدث وهو ما يسمى بتثوير الجمهور في مسرح بريخت (المسرح الملحمي).
كانت استعراضات (أسامه مهني) عبارة عن تعبير بالحركة في بداية العرض يعبر عن حلم لآدم والذي يؤكد على ذلك أننا نشاهد بعد مشهد التعبير الحركي في بداية العرض ظهور آدم وهو نائم على المنضدة الموجودة في غرفة الأرشيف بالمؤسسة، فقد كان يحلم حلم جميل عندما تعرف زوجته وبداية حياتهما الزوجية معها، وأعتقد أنه كان يجب أن يتطور هذا الخط الدرامي داخل العرض، وتنتقل هذه السعادة إلى مخاوف تتحول لكابوس بوفاة ابنته، كما نشاهد تعبيرا بالحركة لآدم الذي كان يقف داخل أتوبيس يتحرك وهو ممتلئ بالبشر فيحدث احتكاك بين آدم وبعض الركاب فيسقط على أرضية الأتوبيس؛ لكن الناس لا تبالى بسقوطه، ويشير ذلك إلى مدى معاناة الموظف داخل وخارج عملة أثناء الذهاب أو العودة من العمل، وعبر بالحركة من أقصى يمين المتلقي بالسير في جنازة ابنة آدم والتي خرجت من منزله مرفوعة على الأيدي على شكل شبه صندوق (نعش) ومحملة على الأكتاف ويسير بها المشيعين متجهين جهة اليسار لتصل إلى مثواها الأخير.
قام المخرج بعمل بعض الصور السينمائية بالممثلين بعمل كادرات ثابتة معبرة عن مخاوف آدم من المجتمع نفسه ليشرك معه الجمهور بنفس إحساسه، فنجد آدم في منزلة يتناقش مع زوجته فنشاهد تكوين من الممثلين وكأن الجيران تتنصت (تتجسس على محادثات الآخرين دون علمهم)، وتكوين آخر يعبر عن بعض النظرات تعبر عن الشفقة على ابنة آدم المريضة وحالتها متأخرة، في دلالة على أنها سوف تفارق الحياة، وفي لحظة تذكر آدم لابنته بعد وفاتها نجدها تظهر وتتحرك كطيف وكل الممثلين ثابتة متجمدة كالتماثيل ومقيدة بقيود المجتمع.
كانت الموسيقي (شريف أشرف) معبرة عن الأحداث ففي بداية العرض وأثناء التعبير بالحركة نسمع جرس الأطفال في الأحلام وهو ما يحمل عدة تفسيرات وهو ما يدل على البراءة، أو النمو الشخصي، أو يعكس مشاعر الضعف أو الحاجة للرعاية، وفي بعض الأحيان كانت الموسيقي طاغية على صوت الممثلة التي قامت بدور ليلى، فصوت المرأة أضعف من صوت الرجل فكان من الواجب مراعاة ذلك.
أجاد الممثلين في العرض كلٍ في دورة،؛ لكن توجد بعض الهنات في أداء بعضهم وسيتم القضاء عليها بالاشتراك في العديد من التجارب المسرحية واكتساب الخبرات.
كل التحية لكل من شارك في ظهور هذا العرض للنور:
الممثلون: وليد علاء (موظف 1)، جمعه إبراهيم (آدم)، كريستين منير (ليلى)، منه جمال (موظفة 3)، مروان أشرف (المدير + صاحب البيت)، جني هشام (موظفة 5)، محمود طاهر (موظف 4)، ميرنا أحمد ( موظفة 6)، لوجي وليد (موظف 7)، يوسف حافظ (موظف 2)، سما طارق (الأم+ موظفة 8)، بسملة صابر (نور)، علاء الفقي (موسى).
تنفيذ ديكور (السيد محمد، وليد علاء)، اكسسوار(منة جمال، انجي هشام)،، مكياج (سما طارق)، تصوير فيديو (مينا صلاح)، دعاية وإعلان (سينو أحمد رشدي)، مساعد مخرج (مروان أشرف)، مخرج منفذ وتنفيذ موسيقى ( افريم كامل).






|