|
القاهرة 03 مارس 2026 الساعة 12:52 م

كتب: حسين عبد الرحيم
منذ أسابيع قليلة، صدر للشاعر والأكاديمي وليد الخشاب ديوانه الأخير بعنوان "لام ليلى". هذا هو الديوان الخامس للخشاب، ونشرته دار المرايا بالقاهرة، والتي سبق وأن نشرت الديوان السابق لوليد الخشاب بعنوان "كشك اعتماد" عام 2019. يبدو أن الشاعر يتأنى دائماً قبل إصدار دواوينه، فقد نشر ديوانه الأول "الموتى لا يستهلكون" عام 2001، ولم ينشر ديوانه الثاني "التي" إلا بعد مرور اثنتي عشرة سنة. كما أن الفاصل بين ثالث ورابع ديوان للخشاب، وبين الرابع والخامس، يتراوح بين خمس وست سنوات. بحساب المتوسط، نرى أن الناقد والمترجم والشاعر وليد الخشاب قد أصدر خمسة دواوين خلال ربع القرن، أي بمعدل ديوان كل خمس سنوات.
يتمايز ديوان الخشاب الأحدث "لام ليلى" أشد التمايز عن ديوانه السابق "كشك اعتماد". فالديوان الصادر عام 2019 مكتوب بلغة أقرب إلى النثر وإلى المحكية اليومية. وهو يكاد يكون سيرة ذاتية لطفولة الشاعر ومراهقته في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، مكتوبة بصيغة قصيدة النثر. بينما الديوان الحالي مكتوب بلغة مشبعة بالصوفية وبمواضعات تراثية من حيث المفردات والتراكيب والإحالات، تتخلله في كثير من الأحيان موسيقى تفعيلية. بل وإن بعض مقاطع ديوان "لام ليلى" تلتزم الوزن الخليلي التقليدي وكثيراً ما تبدو محاكاة أو استدعاء لأبيات كلاسيكية في الغزل. والديوان بأكمله، بلا مواربة، مخصص لغرض واحد قديم، ألا وهو الغزل، وإن كان تناول الشاعر للغزل يتراوح بين إعادة إحياء التقاليد وتجديدها.
يقدم غلاف "لام ليلى" تلخيصا بصريا للديوان. فالغلاف ينقسم إلى نصفين رئيسين. إلى اليمين كتلة يغلب عليها الأسود والظل. يرى فيها المشاهد فتاة وقد انسدل شعرها الطويل الفاحم وربما تموج قليلاً بفعل مداعبة النسيم. وإلى يسار المشاهد كتلة يغلب عليها الأحمر تمثل بوابة ذات طراز عربي يتوجها قوس. تبدو الفتاة معادلا بصريًّا للعشيقة الأزلية ليلى، شعرها أسود بلون الليل الذي يستدعيه المعنى الحرفي للاسم "ليلى". ثم إن العلامات البصرية في الغلاف تتعالق مع مفردات محورية ترصع مقاطع الديوان في الديوان. فكم من مقطع بالديوان يتغنى بشعر ليلى المنسدل وبسواده، وكم به من إشارات إلى رمزية شَعْر المرأة العرفانية الملغزة، حيث يعمل الشَعْر كعلامة على سهر العاشق الملتاع ليلاً، أو كمجاز للفضاء الصوفي الذي يكتنفه الغموض مثلما يرتبط الليل بالغموض. كما يلعب الشَعْر كذلك بالطبع دوراً إيروسياً، كمدلول على نقطة من نقط جاذبية المرأة وسحرها.
لا شك أن الغلاف يوحي تحديداً بأنه ترجمة بصرية لقصيدة محورية في الديوان. فإن تأملنا الغلاف، نرَ ليلى وقد أولتنا ظهرها واستقبلت باباً لا نعرف أيفضي إلى الحب أو المعرفة أو إلى المجهول. باباً قد يكون مدخلاً لقصر يلتقي فيه العشاق، أو باباً لمدينة العلم كما نعرفها في الموروث الصوفي والتراثي. لكن الموقف البصري الذي يجسد غلاف الديوان يستدعي قصيدة كاملة، أو قسماً كاملاً من أقسام الديوان وهو المعنون: "باب ليلى". بل ويبدو الغلاف إعادة صياغة بصرية للمقطع الأول من ذلك القسم، والذي ينشد فيه الشاعر: "وقفت بباب ليلى أؤذن بالعشق/ فلا ليلى أذنت ولا ألقت لي طرفاً".
يجتمع في ذلك المقطع، كما في صورة الغلاف نفسها، الخطان اللذان يحددان ملامح الديوان ككل: خط التغزل في الحبيبة العربية الأشهر، ليلى، وخط التغزل في الحبيب الأعلى، في دائرة العشق المقدس، والذي كثيراً ما رمز إليه الصوفية العرب والمسلمون بالعربية والفارسية معاً، باسم ليلى. ويظل اسم المسكوت عنه في الديوان هو "قيس" عاشق ليلى. من اللافت للنظر أن الديوان كله بصوت عاشق ليلى، لكن لا يرد اسم قيس مرة واحدة بين صفحاته. فقيس هو العاشق العربي الأكبر وليلى موضوع شوقه ومناه، ويقوم روميو وجولييت المقام نفسه في الآداب الغربية، منذ خلَد ذكرهما الشاعر الإنجليزي الأعظم شيكسبير، وجعل اسميهما مرادفين للعشق. فقيس في الآداب العربية المسلمة هو المجنون، والملتاع عشقاً والمسوس بالعشق، لكنه قد يكون أيضاً كناية عن المتصوف الذي يهيم على وجهه بحثاً عن التواصل مع الدائرة العلوية وعالم المقدس. لكن يبدو وكأن الشاعر قد آثر أن يتوارى، أو أن يقف بباب ليلى دون أن يطرقه.
في قصيدة لم يتضمنها ديوان "لام ليلى"، وإن نشرها الشاعر على صفحته الشخصية في منصة فيسبوك، يقول الخشاب: "كل حبيبة ليلى". ويبدو أن ديوانه الأحدث يتمثل تلك الملاحظة، التي تشير على أن اسم ليلى في العربية والفارسية والتركية هو مرادف لكلمة "محبوبة" أو "معشوقة"، أي كان اسم العلم الذي تحمله الحبيبة. فمعظم قصائد الديوان عن محبوبة ذات صفات أسطورية اسمها ليلى. ولعل ديوان "لام ليلى" لوليد الخشاب من أطول ما خصص الشعراء للتغزل في ليلى منذ مدونة قيس بن الملوح عاشق ليلى العامرية الأشهر. لكن الديوان يشير سريعا لمعشوقات العرب الكبريات، ولا يقتصر على العامرية. فإن كان لليلى نصيب الأسد في قصائد الخشاب، فثمة مقاطع في ديوانه تتغزل في هند وعبلة وسلمى. ونموذج هند مثير بتميزه. فقد عرفت العرب عبلة حبيبة عنترة العبسي، وسلمى الخضراء الشريفة حبيبة أبي زيد الهلالي، أما هند فلها وضع خاص. عرفت العرب هندا بنت النعمان ولها قصص مع أزواجها، لكنها لم تشتهر بكونها موضوعا لتغزل حبيب أوحد، أشهر مثل عزة المرتبطة بكُثَير، ولبنى وحبيبها اسمه أيضاً قيس، أو ليلى حبيبة المجنون، وسلمى حبيبة أبي زيد. إنما اشتهرت هند بأنها امرأة مستقلة، حكيمة، وقوية الشكيمة. إنما حولها الشاعر وليد الخشاب إلى محبوبة كبرى في آخر ديوان غزل نشره قبل "لام ليلى"، في أي ديوانه "قمر مفاجئ" الصادر منذ عشر سنوات، والذي يتضمن عدة قصائد يتغزل فيها الشاعر في "هند".
ولعل المقطع الذي يلخص فيه الشاعر ذوبان كل المحبوبات في "ليلى" هو المقطع الذي يسبق فصل "باب ليلى" في ديوانه، إذ يصرح فيه: "سلمى خضراء/ وعبلة زرقاء/ وهند بلون العشق/ في الصحراء". وكأن سلمى الخضراء، وهو اسمها في السيرة الهلالية، وعبلة السمراء بدرجة كانت العرب تسميها "زرقة"، وهند ذات اللون القمحي القريب من لون الرمال، كلهن تجليات تصب في نهر واحد، هو نهر ليلى.
ومع طغيان حضور ليلى، وانفراد معشوقات العرب الشهيرات بالديوان، تبدو هناك قطرات متناثرة من عطر فتيات أخريات لا يسميهن الشاعر. فلا يخلو ديوان "لام ليلى" من مقطع أو اثنين يتغزل فيه الشاعر في فتاة شقراء. لكنها ربما تجسيد لما هو أكبر من مجرد فتاة أو محض نموذج أنثوي غير عربي. ففي مقطع عن تلك الشقراء الرائعة، كما يشير إليها الشاعر، يتضح أن الكلام عن حضارة الغرب مشخصة في عاصمة من عواصم الفكر والروح الغربيين، إذ يقول الخشاب: "شقراء رائعة/ (...) وحدها/ باريس/ تنثر الفلسفة على تنورات الصبايا". فالحبيبة هنا هي العاصمة الفرنسية. وإن كانت ليلى سوداء الشعر باب العشق والتصوف، فباريس شقراء الشعر باب الفلسفة، كما يظهر في الاستشهاد السابق.
لكن أيا كان الغزل عفيفاً، متصوفاً، أو محتفياً بالثقافات الغربية، يصطبغ ديوان "لام ليلى" بمسحة إيروسية، ربما كانت أخفها وأبعدها عن الشبق هي الإشارات لشعر ليلى أو لتنورات الصبايا في باريس. لكن في نقاط محدودة، تلتمع صورة شهوانية هنا أو هناك، لتذكر القارئ بأن الحدود الفاصلة بين الحب الروحي والحب الجسدي مرنة ومتحركة. فلا يخلو غزل عفيف من لمحة جسدية، ولا يقتصر الغزل الصريح على المفاتن الحسية.
تندر لحظات مثل تلك التي يتغزل فيها الخشاب في محبوبته -دون أن يسميها هنا- بقدر من الجرأة يتناقض بقوة مع الحياء الذي يبديه في معظم الديوان. مثلما في الأسطر التالية:
"نهداك/ يُنبِتان الشِّعْرَ في الصحراء/ الظل/ تحت إبطيكِ/ عند شعيرات الملح". فنراه هنا يتوسل بمفردات الصحراء التقليدية، لكنه يسمي بعض مفاتن المحبوبة بصراحة، ويكني عن أفعال حسية بإشارات موجزة، مثل ذكره للشعيرات وللإبطين.
يبدو من عنوان الديوان "لام ليلى" ومن المقاطع المختلفة عبر صفحاته، التي تُمَجِدُ الحروف العربية أن حرف اللام حرف سري يشير بغموض إلى ليلى وإلى المحبوبة الكبرى، التي قد نسميها ربة الشعر أو ربة الجمال. وتكشف هذه القراءة ما يبطنه الديوان، إذ يصرح في صفحاته الأولى: "وما لام ليلى بسرٍ". لكن الحقيقة أن اللام تظل لغزا عبر صفحات الديوان، وإن تجلى واضحاً للعيان أن اللا إشارة للمعشوقة الأبدية، ليلى.
|