|
القاهرة 03 مارس 2026 الساعة 12:50 م

قصة: نبيل بهاء الدين
عاد كرم إلى وطنه بعد غياب دام أكثر من ستة عشر عامًا. طوال تلك السنوات، كان يتنقل مع والدته وإخوته من بلد إلى آخر، يطاردون الأمن والاستقرار، يهربون من شبح الحرب الذي طاردهم منذ أن اندلعت شرارتها في مدينتهم.
ما إن وطأت قدماه أرض الوطن حتى شعر بثقل غير مرئي ينغرس في صدره. كانت المدينة قد تغيرت، البيوت اختفت أو تهدمت، والوجوه التي عرفها إما كبرت أو غابت. لكنه رغم كل شيء، ظل بيته القديم شاخصًا، بقايا جدرانه تقف كأشباح من الماضي. أبواب مهشّمة، نوافذ مكسورة، لكن الأساسات ما زالت راسخة، كأنها تأبى النسيان.
اقترب من الباب الخارجي، ومرّر يده على الجدار الرملي المتآكل. تذكر صراخه ولعبه في الحوش، ضحكات إخوته، وصرخات والدته وهي تناديهم للعشاء. تذكر وجه "سارة"، جارته و حبيبته ، وتلك النظرة التي لم يفهمها يومًا.
أغمض عينيه لوهلة، فمر شريط الذكريات سريعًا كلمح البرق. لحظة خروجه من المدرسة، رائحة الطعام تتسلل من نافذة المطبخ، وأصوات الرسوم المتحركة في التلفاز.. كل شيء بدا وكأنه حدث بالأمس.
لم يكن كرم يملك سوى حقيبة صغيرة، بداخلها بعض الملابس، دفتر قديم، وصور عائلية بالية. لكنه قرر أن يبدأ من جديد. أن يعيد ترميم بيته القديم، ليس فقط بالحجارة، بل بالذكريات، بالحب، وبأخيه حسن الذي قرر أن يعود معه إلى الجذور.
بدأوا في تنظيف الركام، وإصلاح الأساسات. ساعدهم بعض الجيران ممن بقوا في المدينة وممن سبقهم بالعودة. كان العمل شاقًا، لكن كرم لم يشتكِ. كان يحفر في التراب كمن يبحث عن ذاته، كمن ينقّب عن قلبه الضائع.
وفي إحدى الليالي، وبينما كان يجلس على سطح المنزل المتصدّع، رأى طائرًا كبيرًا يحلّق فوقه. بدا الطائر غريبًا، لا يشبه الطيور التي اعتاد رؤيتها في المنافي. حلق الطائر عاليًا، ثم صرخ صرخة طويلة، وكأنها نداء من عالم آخر.
تأمل كرم الطائر طويلًا، وتمتم: حتى الطيور عرفت طريق العودة.. لكنها لا تبدو كما كانت.
في أحد الأيام، طرق باب المنزل رجل ستيني الملامح، وجهه مغمور بملامح الغربة والذكريات. كان عماد وأبوه أحد جيران الطفولة، وصديق والده القديم. جلسوا معًا، وتحدثوا عن البلاد، عن ما تغيّر، عن الحرب، عن الشتات.
قال عماد بصوت خافت: كنت أتابعك من بعيد على السوشيال ميديا. رأيت صورك في إسطنبول، ثم في بيروت، وفي أوروبا... كنتُ أعرف أنك لن تنسى. الوطن لا ينسى أبناءه، حتى لو نسوه.
سكت قليلًا ثم أضاف: أنا من ساعدت في التواصل مع الجمعيات هنا لترتيب عودتك.. كان من الظلم أن تبقى هناك، بينما الحرب انتهت.
شكره كرم بحرارة. لم يتوقع أن أحدًا لا يزال يذكره. كانت لحظة دافئة وسط هذا البرد الداخلي الذي لم يفارقه.
مرت الأسابيع، وبدأ المنزل يستعيد بعضًا من روحه. الغرف أصبحت مأهولة، النوافذ تُركب من جديد، والحديقة الصغيرة أُحييت بورود يانعة. لكن كرم لم يكن سعيدًا بالكامل. شيء ما كان يأكله من الداخل، فراغ لا يُملأ، ووحشة تسكن صدره رغم كل هذا البناء.
في إحدى الأمسيات، جلس مع أخيه حسن قرب المطبخ. تأمل حسن الجدران وقال مبتسمًا: هنا كانت أمي تطهو لنا العدس والبطاطا.. وهنا كان أبي يجلس ويضحك وهو يشاركنا العاب الفيديو. أتذكر؟
ثم أشار إلى الحديقة: وهنا... كانت سارة وأخوها علي يلعبون معنا بالكُرة. أتتذكر؟
تجمّد كرم مكانه، وأحس بشيء ينخزه في صدره. الاسم ارتطم به كطلقة: سارة.
منذ عودته، لم ير سارة. لم يسأل عنها حتى. كأن عقله أبعده عن الوجع بتجاهله. لكنها الآن عادت بكل تفاصيلها: ضحكتها، شعرها المنسدل، يدها الصغيرة وهي تلوّح له من الشرفة، رسالتها الصغيرة التي وضعتها في دفاتره يوم سفره.
حينها فقط، فهم كرم.
لقد عاد إلى الأرض، إلى البيت، إلى الذكريات.. لكنه لم يعد إلى الوطن. لأن الوطن، كما أدرك الآن، لم يكن الأرض فقط. لم يكن الجدران أو الشوارع أو الطيور. بل كان سارة. كانت تلك البنت التي أحبها ولم يقل. التي تركها دون وداع، والتي لم يجدها الآن.
تذكر كيف كانت تسأله عن الأحلام، عن السفر، عن الحرب. وكيف أخبرها يومًا أنه سيعود، وسيبني منزلًا جميلًا بجانب بيتها. كانت تضحك، وترد عليه: لو رجعت، وأنا هنا، مش هسامحك لو ما جبتليش وردة.
تنهّد كرم، وأغلق عينيه، ثم قال: كم من الحروب ننجو منها، لكن لا ننجو من امرأة؟
في اليوم التالي، لم يخرج فقط بحثًا عنها، بل بحثًا عن الجزء المفقود منه. سأل عنها كثيرًا، سمع أخبارًا متضاربة، فظل يبحث. وفي كل شارع مرّ به، كان ينتظر أن تصادفه، في المخبز، في المكتبة القديمة، في السوق الذي اعتاد أن يشتري منه الكعك وهي بجانبه.
قرر أن يكتب لها رسالة، لم يعرف إن كانت ستصل أم لا، لا يعرف لها عنوانا ولا مكاناً لكنه كتب:
سارة،
عدت، كما وعدتك، لكنك لستِ هنا.
بنيت البيت، ونظّفت الحديقة، وتركت مكانك كما هو، فارغًا.
أعرف أنك قد تكونين نسيتِ، أو غادرتِ، أو حتى لم تعودي تهتمين…
لكنني فقط أردت أن أخبرك…
أنني لم أعد لأن الوطن ناداني، بل لأنك لم تخرجي من قلبي.
في تلك اللحظة، لم يكن يكتب فقط لامرأة غابت، بل كان يكتب لتاريخه العاطفي، لذاكرته، لنفسه التي فقدها في أروقة الغربة. ربما لم تكن سارة كل الحكاية، لكنها كانت الرمزية الأوضح لفكرة الوطن في ذهنه. الوطن، كما فهمه كرم، لم يكن إلا لحظة صفاء مع من نحب، مكانًا آمنًا نخبئ فيه أحلامنا وأخطاءنا وذكرياتنا.
وفي إحدى الليالي، عاد الطائر الغريب، يحلق فوق سطح المنزل. لكن هذه المرة، لم يصرخ. بل دار دورة كاملة فوق الحديقة، ثم هبط على الشجرة القديمة التي زرعها والده منذ عقود وما زالت صامدة وشاهدة على الأحداث أو ما تبقي منها.
جلس كرم أسفل الشجرة، ينظر إليه، وقال: حتى الطائر وجد مكانه.. وأنا؟
من خلفه، جاء صوت خافت: يمكن تكون لسه بتدور… أو يمكن سكنك كان جوّاه طول الوقت.
التفت كرم بسرعة. كانت فتاة تقف بعيدًا في الظل. ملامحها لم تتضح، لكنها مألوفة. اقتربت، وضوء القمر كشف وجهها.
كانت سارة.
لكنها لم تبتسم، لم تتحدث، فقط نظرت إليه طويلًا، ثم استدارت ومشت.
وبقي كرم مكانه، لا يعرف إن كانت عادت لتودّع، أم لتقول شيئًا لم تستطع… أم أن كل شيء، كان مجرد وهم آخر من أوهام العودة.
وفي قلبه، تردد السؤال ذاته، مؤلمًا كطعنة باردة: ماذا لو كان الوطن قد مات فينا منذ زمن، ولم نعد نحن نملكه، بل يملكنا؟
ظل كرم جالسًا تحت الشجرة التي احتضنت الطائر العائد، وكأنها تعرفه منذ سنوات. النسيم الليلي كان باردًا، لكن فيه شيء مطمئن، كأن الريح تمسح عن روحه بعضًا من صدأ السنين. نظر إلى الجدران التي رممها بنفسه، تلك الأحجار التي حملت ذاكرته وصمدت طويلًا حتى صارت كأنها تعرف ما يدور في أعماقه أكثر مما يعرف هو نفسه.
أغمض عينيه، وتساءل بصوت خافت: "هل نحن من نصنع أوطاننا، أم أنها تصنعنا؟ وهل يمكن أن يسكن الإنسان بيتًا لا يسكنه قلبه؟"
كان الليل هادئًا بشكل غريب، والأنوار الخافتة القادمة من نوافذ الجيران ترسم خطوطًا من الحنين على جدران منزله. سمع صوت قطار بعيد، صوت قديم كان يوقظه صباحًا وهو طفل. ضحك بخفة وقال: "كل شيء هنا يحاول إقناعي أنني عدت... لكنني لا أصدق."
المكان يبدو مألوفًا حد الألم. ليس لأنه لم يتغير، بل لأن ما تغير فيه، هو ما ظل عالقًا في قلب كرم. فكل شارع يمر به يحمل رائحة ما، وكل زاوية فيها ظلٌ قديم لذكرى غير مكتملة. أحيانا يشعر وكأنه يسير وسط حلم طويل، وكل من فيه أشباح لماضٍ كان يحسبه نائمًا.
توجه إلى سطح المنزل مرة أخرى، حيث اعتاد الجلوس كل مساء. السماء كانت صافية، والقمر مكتملاً، ينظر إليه ببرود محايد، كأنما يقول له: "كل العشاق ينظرون إليّ في وحدتهم، لست مميزًا."
أخرج دفتره القديم، الدفتر نفسه الذي اصطحبه في كل منفى، الغلاف المهترئ نفسه، والأوراق التي بللتها أمطار الغربة. كتب بخط متردد:
"كلما حاولت ملء الفراغ بداخلي، اتسع. كأن روحي بيت مكسور النوافذ، تهب عليه رياح الحنين كلما ظننت أنني أغلقته."
وفجأة، تذكر مشهدًا قديمًا: وجه والدته وهي تزرع الريحان عند باب البيت. كيف كانت تبتسم رغم كل شيء، وتقول له: "البيت اللي فيه ريحة طيبة، عمره ما يخاف من الغياب."
في اليوم التالي، ذهب كرم إلى السوق، واشترى شتلات ريحان ونعناع وياسمين. بدأ يزرعها عند المدخل، في الحديقة الصغيرة التي أعدها بنفسه. حين لمس التراب بيديه، شعر كأن قلبه ينبض من جديد. ليس لأن الحياة عادت، بل لأن الحياة لم ترحل قط.
لكن شيئًا ما لا يزال ناقصًا.
في الليل، زاره حلم غريب. رأى نفسه طفلًا، يركض في الأزقة، وسارة خلفه تضحك. وفجأة، تختفي، ويقف وحده في شارع طويل مظلم، تنطفئ فيه الأنوار واحدة تلو الأخرى، حتى يبقى في العتمة. سمع صوتها تقول: "الغربة مش في المكان، كرم... الغربة لما قلبك ميبقاش عارف يرتاح فيك."
استيقظ متعرقًا، وقلبه يخفق بسرعة. جلس في فراشه، وحاول أن يستعيد تفاصيل الحلم. فهم شيئًا واحدًا: أنه لم يهرب من الحرب فقط، بل هرب من نفسه، من أسئلته، من كل تلك التراكمات التي ظن أن السفر يداويها.
خرج إلى الحديقة، كانت الرائحة منعشة. جلس على عتبة البيت، وبدأ يفكر بصوت مرتفع:
"أنا مش لوحدي، لكني أشعر بالوحدة. الناس هنا، البيت هنا، لكن أنا..مش هنا. يمكن محتاج أصدق إني استحق أكون سعيد، استحق أبدأ من جديد، حتى لو ناقصني حتة. حتى لو سارة مش راجعة."
بقي هناك حتى طلوع الفجر. ومع أول ضوء، قرر كرم أن يعيش لا ليُكمل ما فات، بل ليصنع شيئًا جديدًا، لا يشبه الماضي، لكنه يحمل شيئًا من نوره.
ولأول مرة، شعر أن البيت لم يعد بيتًا غريبًا. صار بيته. صار وطنه.
لكنه لم يتخلص من الحنين. الحنين الذي يشبه نغمة موسيقى لا تتوقف. فقط أصبح يعرف كيف يرقص معها، دون أن يسقط.
وكانت تلك بداية جديدة، بلا يقين، بلا نهاية واضحة. فقط بداية… تكفيه.
مرت أسابيع أخرى، وكرم يزرع كل صباح أملًا صغيرًا في زوايا البيت. وفي كل مرة، ينظر إلى الباب، ينتظر طيفًا، وجهًا مألوفًا، أو حتى رسالة تخبره أن الغياب انتهى. لكنه لم يكن ينتظر سارة فقط، بل كان ينتظر جزءًا منه ضاع.
ذات مساء، جلس مع أخيه حسن الذي بدت عليه ملامح النضج والسكينة. قال له حسن: "أتعلم يا كرم، ربما لم نرجع إلى ما كنا عليه، لكننا عدنا لما يمكن أن نكونه... هذا يكفي."
أومأ كرم برأسه. فهم أخيرًا أن لا شيء يعود كما كان، ولا أحد يبقى كما هو. الوطن لا ينتظر، والذكريات تتحوّل إلى صدى خافت، لكن الأثر يبقى.
بدأ يكتب في دفتره فصلًا جديدًا من حياته، دون أن يغلق الفصول السابقة. في كل صفحة كان يترك فراغًا، كأنه يعترف لنفسه أن هناك شيئًا لم يكتمل، ولن يكتمل، لكن لا بأس. لأن الحياة، في جوهرها، ليست اكتمالًا... بل استمرار.
وفي ليلة شتوية، هبت عاصفة قوية، اقتلعت جزءًا من الشجرة التي كان يجلس تحتها. نظر إلى الغصن المكسور، حمله بين يديه، وشعر بأنه يحمل جزءًا من قلبه. دفنه بجوار نبات الريحان، وقال: "اللي بيكسرنا، هو نفسه اللي بيخلينا نزرع."
ثم نهض، ودخل البيت، وأغلق الباب خلفه.. لا ليغلق العالم، بل ليحتضنه كما هو.
وهكذا، انتهت رحلة العودة، ولم تنتهِ.
|