|
القاهرة 03 مارس 2026 الساعة 12:44 م

بقلم: حيدر علي سلامة ـ العراق
-
فلسفة الهيمنة: بين المشروع الاستطيقي والدراسات الثقافية
نسعى في هذه الدراسة إلى إعادة مساءلة مفهوم الهيمنة وموقعها ضمن مؤلف كراسات السجن للفيلسوف أنطونيو غرامشي، ولن يقتصر اهتمامنا فيها فقط على إعادة قراءة الأبعاد السياسية التقليدية التي أصبحت من الأخطاء الشائعة والمألوفة في الدراسات والأبحاث حول فكر غرامشي السياسي والثقافي، بل سيمتد إلى إعادة النظر في مفهوم الهيمنة باعتبارها تمثل المدخل الأساسي والرئيسي لفهم تقنيات البحث في النظرية السياسية والثقافية والفلسفية. بمعنى آخر، إننا سوف نتعامل مع مفهوم الهيمنة ليس بوصفها نسقا مفاهيمي ونظريا مكتملا وجاهزا كما في استعمالها الشائع اليوم، وإنما بوصفه بحث وتأويل مفتوح في بنية برنامج غرامشي الاستطيقي والأدبي والثقافي. وبالتالي، فإن مفهوم الهيمنة سوف لن يتحدد أو ينحصر ضمن البيلوغرافيا التقليدية التي طالما عملت على ضمه بشكل قصري وأيديولوجي مع مفاهيم الحزب والمجتمع المدني والمجتمع السياسي -سوف نناقش هذه الأفكار من خلال النماذج المرشحة للبحث والنقد-بل على العكس من ذلك، فإن مفهوم الهيمنة سوف يمثل منطق بحث جديد في النظرية الأدبية والدراسات الثقافية واللسانية والاستطيقية إلى جانب الدراسات الأسلوبية والسيميو-طيقية والشعرية.
من هنا، فإن مفهوم الهيمنة عند غرامشي سيمثل أحد المداخل التفكيكية نحو تحليل جينالوجي لظاهرة شرعية النظرية ونظرية الشرعية التي تحولت إلى مجموعة من المبادئ والاسس الحتمية الكامنة في بنية العمليات الثقافية من جانب؛ وفي بنية تقنيات ومناهج واشكال الكتابة واسلوبيات التفكير عند المثقفين والباحثين والأكاديميين. ولعل مصطلح الادب والماركسية عند غرامشي هو، في الواقع، خير من يعبر عن طرح مجمل هذه الإشكالات التي اتينا على ذكرها أعلاه، خاصة اذا علمنا ((ان أفكار غرامشي في الادب وثيقة الصلة والترابط مع مفهوم الإنتاج الثقافي، بحيث ان القراءة الدقيقة لكتاباته في هذا الموضوع تستلزم بالضرورة ان نأخذ ذلك بعين الاعتبار فيما يتعلق بكتاباته الأخرى، على الوجه الخصوص هذه رؤية غرامشي في العلاقات القائمة بين الادب وبين المجالات الأخرى لفاعلية الانسان...وهنا يطرح غرامشي إشكالية تتعلق بإمكانية السماح لنقده الادبي ان يمارس النقد لمملكة الاستطيقا النقدية Critical –((aesthetic realm. Rentate Houlb: Beyond, Antonio Gramsci, Marxism and Post modernism, Rutledge, 1992, p. 33
لهذا، فإن عمليات تشكيل العلاقة بين كل من: النقد الادبي ونقد الاستطيقا التقليدية، في كراسات السجن عند غرامشي، سوف يشكل جسد المعرفة والسياسة لعمل الهيمنة. بعبارة اخرى، فإن البرنامج الاستطيقي عند غرامشي لا ينفصل عن برنامج نقد السلطة والسياسية وتمثلاتها المتداولة في بنية وممارسات الحياة اليومية، وهذا ما توضح من كون ان ((الجزء الأعظم من ملاحظاته في الثقافة والادب ينبغي ان تفهم باعتبارها جزءًا من منهج السياسة الثقافية، وكنتيجة لسياسته (او استراتيجيته) في التحالف الذي طوره ومارسه قبل أن يتم سجنه). (Ibid, p.33)
إن عملية فهم غرامشي لبرنامج الهيمنة وعلاقته ببرنامج الاستطيقا/ ونقد نقد الاستطيقا، يمثل المفتاح الأساسي لإعادة قراءة كراسات السجن من جهة؛ وعلاقة غرامشي بالماركسية والمادية التاريخية من جهة أخرى. خاصة أن غرامشي كان ((من الأساس استطيقياً وناقداً أدبياً، اهتم بأسئلة الشعرية Poetics والاستطيقا، وكان انشغاله بالقضايا والمشاكل التي طرحها مفهوم الأدب جزءًا لا ينفصل عن نقده لمصطلح الأدب بوصفه يعبر عن Canon قانون مطلق/أو ناموس ميتافيزيقي يسيطر على الوجود، إضافة إلى الموروث الأدبي التقليدي الذي لطالما كان تابعاً للعلاقات المطلقة للاستطيقا إلى جانب الأخلاق والأنطولوجيا، أو العلاقة التاريخية للنوع الأدبي، اللاشعور الجمعي والإنتاج الاقتصادي)). ( Ibid,P,37)
إذن، إن التفكير في إعادة بناء العلاقة التاريخية والتأويلية بين مفهوم الاستطيقا/والنقد وتشكيل الخطاب الثقافي عند غرامشي، هو مسألة تمثل، في واقع الأمر، إعادة اكتشاف لمفهوم الهيمنة وطرق قراءتها وفك شيفراتها الرمزية واللسانية. بمعنى، أن غرامشي هنا سوف لن يتعامل مع هذا المفهوم من خلال ترسانة مفاهيم الماركسية الأرثوذكسية/والمادية التاريخية التقليدية، وإنما من خلال مختلف التكنولوجيات التي تسيطر وتهيمن على عمليات تشكيل اللغة وإنتاج النص والمعنى في السياقات الثقافية والتاريخية. وعليه، فإن غرامشي لم يكن يبحث في طبيعة الهيمنة بوصفها أنظمة استراتيجية تشكل النظرية السياسية من جهة؛ وبنية النظام السياسي/ السلطوي من جهة أخرى، بل على العكس من ذلك، إن غرامشي عمل على قلب هذه العملية، وذلك من خلال سعيه الدؤوب والمستمر إلى التعامل مع هذا المفهوم بوصفه نظرية بحث في سلطة اللغة والخطاب وإكراهات إنتاج المعنى وأيديولوجيا تشكيل الذوات الإنسانية بواسطة تقنيات البلاغة والإقناع، حيث تغدو الهيمنة هنا "ممارسة إقناعية" بامتياز يتحدد فضاء تشكلها بين الرضى والقبول والطواعية والقسر والإكراه المستمر. وهذا ما جعل غرامشي يؤكد على ضرورة رصد "فينومينولوجيا الهيمنة" وأركيولوجيا تشكلها ومواطن كمونها في بنية اللغة والعلامة والمعنى واستطيقا إنتاج النص في سياقاته السوسيو-تاريخية والثقافية، لأن مجمل هذه العمليات سوف تعيد قراءة مفاهيم كثيرة في الخطاب الفلسفي والابستمولوجي والعلمي على حد سواء، لا سيما وهي تكشف عن مفهوم الهيمنة عندما يتحول إلى برادايم تداولي يعيد تشكيل نفسه من خلال مبادئ كلية/ثابتة وانتاجه لمفاهيم الوجود والعالم والممارسات الإنسانية المختلفة.
-
مفهوم الهيمنة: بين بنية اللغة وبنية الأنطولوجيا
مثل هذا الشكل من أشكال البرادايمات، سوف يمثل الأساس الأنطولوجي لبداية إعادة التفكير والتأويل لمفهوم الهيمنة، وذلك من خلال تفكيك هذا الأساس، والبحث في خصائصه ومظاهره النصية والأسلوبية واللسانية، يمكن تجاوز حالة العزل بين المفاهيم التالية؛ الأنطولوجيا؛ الاستطيقا؛ الابستمولوجيا والتقريب فيما بينها. وهذا يعني، أن مفهوم الهيمنة عند غرامشي سوف يمثل مجموعة من التعهدات/ أو الالتزامات الأنطولوجية ontological commitments تساعدنا على البحث في بنية اللغة عامة وبنية لغتنا خاصة. وبالتالي، فإن العلاقة الإشكالية التي نحاول البحث فيها، تكمن في اكتشاف الرابط المسكوت عنه بين كل من: بنية الهيمنة Structure of hegemony وبنية اللغة وبنية الواقع/او الواقعية Structure of reality. وإذا ما حاولنا ان نعيد ترجمة هذه العلاقة بالمفهوم الماركسي، فإنها ستمثل البنية الفوقية للهيمنة، حيت نلاحظ كيف ستكون بنية الواقع انعكاسًا لبنية اللغة-بالطبع العلاقة هنا بعيدة عن التصورات الميكانيكية والأرثوذكسية للماركسية التقليدية التي رفضها غرامشي، العلاقة هنا تعبير مجازي-. وبما أن غرامشي عمل على مجاوزة الإرث الميتافيزيقي في الفكر الفلسفي عامة والسياسي والماركسي خاصة، فقد عمد إلى تقديم تأويلات جديدة للهيمنة تنتقل بالوجود الإنساني من سيطرة الوصف الميتافيزيقي المجرد لبنية وعينا إلى أسلوب التفكير style of thought. بمعنى آخر، إن غرامشي هنا يتجاوز مفهوم الأنطولوجيا الأرسطية التي يتركز البحث فيها على بنية الأشياء بذاتها، وهذا يعني أن غرامشي لا يتعامل مع الأنطولوجيا بوصفها تسأل عن ما الذي يوجد هناك في الواقع، بل إن سؤال الأنطولوجيا هو حول كيفية تشكيل/ وتفكيك بنيات الواقع من خلال خطاب الهيمنة والأيديولوجيا.
فمن خلال هذه المقاربات المطروحة أعلاه، سوف يتضح لنا كيف أن فهم معظم ثيمات ومفاهيم غرامشي التي جاء على تحليلها في كتابه الأساسي "كراسات السجن" لا يمكن أن تفهم انطلاقا من مواضعها الإشكالية الدقيقة، دون محاولة إعادة التفكير في تأويل العلاقات الإشكالية المتداخلة بين: مفهوم الهيمنة والأنطولوجيا واللسانيات، خاصة أن مقولات الأنطولوجيا التقليدية قد سيطرت على اللغة واللسانيات بشكل كبير. فإذا كانت الأنطولوجيا تستند إلى نتائج وخلاصات العلوم الطبيعية، فإن اللسانيات اعتمدت كثيرا على مفاهيم الأنطولوجيا، ولهذا، تحولت اللسانيات إلى مناهج وصفية /وضعية/امبريقية مجردة، أكثر مما هي زمانية. وربما هذا ما جعل عمل اللسانيات يتركز على مفهوم لازمانية الوجودbeing non-temporal . لهذا، فإن طبيعة البحث في اللسانيات - خاصة في خطابنا الثقافي والأكاديمي العام- ظلت محكومة بأنساق حتمية تتشكل من مجموعة من التمثلات الميتافيزيقية والمطلقة للغة والوجود والعالم، وهو ما جعل طبيعة البحث في هذه اللسانيات لم يتجاوز مفهوم الأنطولوجيا الشكلية Formal Ontology على مستوى البناء التركيبي والنحوي للغة الذي يكون فيه العالم مجرد انعكاس حتمي وميكانيكي له بالضرورة. لكن غرامشي انعرج باللسانيات واللغة لينتقل بهما إلى ما يعرف بالأنطولوجيا المادية Material Ontology التي تبحث في جينالوجيا تبعية الأنطولوجيا لسيطرة وسلطة مفاهيم أحادية للوجود والثقافة.
-
غرامشي: نحو نظرية أدبية للسيطرة والهيمنة الايديولوجية
إن إشكالية مفهوم هيمنة الأنطولوجيا/ وأنطولوجيا الهيمنة يمثل، في واقع الأمر، عتبة أساسية لفهم وتأويل مختلف مفاهيم غرامشي، بمعنى أن هذا المفهوم لا ينفصل عن بقية مفاهيم النظام الفلسفي حول السياسة والنظرية الاجتماعية والنظرية اللسانية، إضافة إلى نظرية النص والعمل الأدبي وطرائق نقده وتفكيكه. لهذا، فإن التركيز على مفهوم الأنطولوجيا بوصفها هيولى تتشكل من خلالها الهيمنة ويصاغ معها أيضا نظام ووظيفة الهيمنة في مختلف الخطابات الإنسانية، خاصة وإنها تمثل المدخل الطبيعي والحتمي لنظرية السيطرة والقوة والعنف، أو قل إن شئت لنظرية: جماعات إنسانية ذات وجود لن يكتمل أبدا إلا من خلال جماعات وجودها مكتمل ولن ينقص أبدا، أي: بعض الشيء من [X] لا يوجد دون لأن يكون بعض الشيء من [y] موجود بالأصل.
فخطاب الهيمنة المتشكل في المثال أعلاه، يستند إلى علاقة "غائية بالضرورة" ذلك لأن X يحمل أساسه الانطولوجي فقط من خلال y.
لماذا هناك جماعات تظهر في هذا الوجود وهي تحمل معها أسس وجودها الكامل؟ ولماذا هناك بالمقابل جماعات أخرى تفتقر إلى هذه الأسس فتعيش في نقص وتبعية دائما للجماعات الأولى؟ وهل أصبحت هذه التبعية غائية فعلا؟ هل أصبحت جزءا لا يتجزأ من الوجود؟ هل أصبحت تشكل بنية النظرية السياسية والنظرية الاجتماعية اليوم؟ هل أصبحت محور واهتمام الدراسات اللسانية والمنهجية والأبستمولوجيا؟ إذا كان كذلك، لماذا توجد مناهج لسانية امبريقية /عقلانية /وضعية لا تولِ أدنى اهتمام إلى إعادة اللحمة بين النقد الأنطولوجي والنقد اللساني؟
ولماذا تسيطر لسانيات ميتافزيقية دائما في خطابنا الأكاديمي والثقافي؟ وكيف انفصلت اللسانيات وفلسفات اللغة عن البحث في نظرية السياسة والنظرية الاجتماعية والثقافية؟ ومن هو المسؤول؟ وهل تسيطر طبقة y المكتملة الوجود على تشريع الخطاب اللساني واللغوي والفلسفي؟ وهل اشتغل خطابنا الفلسفي على ما أهمله الخطاب اللساني والبلاغي والحجاجي؟
إذن، مع غرامشي، لم يعد في الإمكان أن نردد مقولة هايدجر: لماذا ثمة وجود وليس ثمة عدم، لتتحول إلى: لماذا ثمة طبقات لا يكتمل وجودها إلا بطبقات اكتمل وجودها من الاصل؟؟
من هنا، يتضح لنا أن إشكالية الهيمنة التي نبحث فيها في أدبيات التفكير الفلسفي/ السياسي عند غرامشي، تمثل في واقع الامر مشروع الوجود من حيث صلته بتوزيع مواضع القوة/ السلطة/ السيطرة/ الهيمنة، من قبل بعض الجماعات التي تتمتع بصلاحية ذاتية، تمكنها من إدامة وحفظ نوعها الثقافي والسياسي والأكاديمي والاجتماعي. وذلك لأن هذه الطبقات تحمل بين طياتها التاريخية مسوغ أو مبرر كلي Total Justification لوجود النظام، السائد والمسيطر بالضرورة.
ولهذا، فإن جدلية الوجود والمعرفة في ظل سيطرة واستمرار هذا الشكل الواحدي من نمط إنتاج الهيمنة تحول بدوره إلى نموذج من ميتافيزيقيا الحضور للسيطرة على الحياة الاجتماعية، والمشكلة الأساسية الناجمة عن استمرارية هذا الحضور، هو قابليته على التشكل دائما في تركيبة متجانسة فارغة homogeneous empty تشكل تاريخ أنطولوجيا الثقافة/وثقافة الأنطولوجيا التي هي في نهاية المطاف سلسلة من الدلالات المتعالية والمطلقة، لكنها رغم ذلك، تمتاز بالزمانية التاريخية historical Temporalization التي يمكن أن نعدها شكلا من أشكال Totality الذي يشير إلى حالة او وضع الوجود بوصفه يعبر عن المطلق أو الكلي. في الواقع، إن هذا المفهوم إشكالي قبل كل شيء، فهو يتداخل مع مفهوم الأنطولوجيا والابستمولوجيا ومجمل أشكال إنتاج الفعل Act عند الإنسان، لهذا ينبغي أن نتوقف عنده، لأن هذا سوف يساعدنا على تأويل جينالوجيا الفعل والإدراك الإنساني، او بمعنى آخر، تأويل العلاقة بين كل من السلطة؛ البنية؛ الفعل.
-
فلسفة الهيمنة: من دهاليز السياسة إلى سياسة البحث والكتابة
من هنا، فإن عملية البحث في مفهوم" الهيمنة" سوف تأخذ أبعادا ومديات ربما لم نألفها من قبل في مختلف أبحاث ودراسات الفكر الفلسفي خاصة والفكر السياسي عامة. وذلك، قد يعود هذا في أحد اهم أسبابه إلى استمرار ظاهرة الفصل بين الفلسفي/ السياسي/ اللساني، وقد استفحلت هذه الظاهرة في خطابنا الأكاديمي، حتى أصبحت تمثل الصحيح المعتمد في ممارسات الأخطاء الشائعة في البحث في النظرية السياسية؛ والنظرية الفلسفية؛ والنظرية اللسانية. ربما هذا ما جعلنا نقدم لمفهوم الهيمنة تقديما فلسفيا / أنطولوجيا، لنتجنب الوقوع في أيديولوجيا الأخطاء الشائعة التي تحولت إلى تقنيات ومناهج ونظريات معتمدة في الكتابة والتأريخ لنظريات غرامشي السياسية والفلسفية والاستطيقية. أضف إلى أن الدافع الأساسي الذي جعلنا ننفصل عن تلك الأخطاء الشائعة المتداولة في أوساطنا الثقافية والفلسفية والأكاديمية، هو محاولة إعادة اللحمة بين مفهوم الهيمنة؛ ومفهوم الأنطولوجيا وابستمولوجيا المناهج والعلوم الإنسانية، وذلك لأن الهيمنة، لم تعد محددة فقط في النظرية السياسية ونظريات المجتمع المدني فحسب، بل إنها أصبحت تشكل مفهوم الوجود والواقع وأنماط تشكيله بطرق بيداغوجية مسيسة منذ البدء. ومن ثمة، فإن البحث في مفهوم الهيمنة يمثل إعادة مراجعة مفهوم الواقعية الثقافية، بل ومساءلة مفهوم الواقعية وعلاقته بالسياسة من جهة وبالفلسفة واللسانيات من جهة أخرى. وهذا بالضبط هو ما جعلنا نؤكد على أهمية المداخل الانطولوجية واللسانية والفلسفية لفهم راهنيه مفهوم الهيمنة من حيث صلتها بالوقائع الثقافية والممارسات الخطابية وتشكيل بنية الفعل، والبحث فيما إذا كان هناك ثمة فعل حقيقي ينتجه الإنسان في ظل سيادة "علمنة زمانية" لأيديولوجيا التقاليد وإنتاج السلطة والسيطرة في مختلف البنيات التي تشغلها الذات، بدأ من بنيات التفكير وانتهاء بتكنولوجيا إنتاج اللغة وصناعة الأحكام القيمية المكررة/ الزائفة. إذن، يبقى السؤال مفتوحا، عن العلاقة بين الهيمنة وعملية إضفاء الطابع الشمولي الكلي للظاهرة الثقافية والتاريخية Totalization؟
-
مشروع الهيمنة والتأسيس اليوتوبي للكلي الايديولوجي
إن المفهوم الأخير في أعلاه، يمثل" الواقعية الحتمية " التي تشكل جميع الأشياء للإنسان، الأشياء المادية في العالم الخارجي؛ النظام المعرفي وتشكيل البنية الإدراكية للوجود؛ تشكل الأحاسيس والمشاعر؛ تشكيل العلاقات الاجتماعية. على ما يبدو أن هذا المفهوم سوف يشكل المدخل الأساسي للتقارب بين مختلف العلوم والمناهج، وبالطبع الأمر هنا لا يتوقف عند المناهج النظرية للفكر الفلسفي واللساني فحسب، بل هناك أيضا المناهج الأدبية ونظريات السرد ...إلخ. وبهذا فإن عملية إضفاء الطابع الشمولي هو مفهوم يشتغل بين مفهوم التاريخي historical وبين مفهوم الخيالي fictional وما بين التاريخي والخيالي تتشكل مفاهيم "الواقعية الحتمية" التي هي في نهاية المطاف سلسلة من العمليات البنيوية التي تقوم بنقل المعنى والسلطة أو الأمر. إذن هي عمليه تحكمها علاقة حتمية تتشكل بين الغائية وشرط الوجود المنغلق والمنتهي Act/Closure، وبالتالي، فإن هذا المفهوم يتحول إلى نمط من أنماط "التمثل الكلياني" الذي يعمل على "إنتاج الذات" من خلال سلسلة من المعاني الثابتة والقارة، وهو ما يبقي وجود الذات محددا ضمن حتميات هذا "التمثل الإمبريقي" للوقائع والأشياء، الذي لا يعكس وجود الذات في العالم، بقدر ما يحولها إلى مجرد تشفير أيديولوجي Ideological Encoding. وهذه هي نقطة البداية في إعادة قراءة مشروع الهيمنة في فكر غرامشي السياسي، عندما تصبح الهيمنة جزءا لا يتجزأ من سلطة المناهج العلمية والابستمولوجية، ويتشكل جسد المعرفة لها من خلال "أيديولوجيا الممارسة العلمية -البرجوازية عند غرامشي-". وعليه، فإن عمليات تشكيل الذات في الهيمنة تتحدد بواسطة نسق من خطابات الواقع وأنماطه السردية التي تمثل مقدمة أولية لكل عنف مستبطن في بنية الثقافة المقبلة.
من هنا، فإن مشروع الهيمنة لا يمكن له أن ينفصل عن مفهوم الأنطولوجيا ومفهوم Totalization، خاصة وأن هذا الأخير يكشف عملية جمع وضم الفعل ضمن ما هو كلي/كلياني، وهذا يعني، أن فكرة الكلي/ الشامل تبقى دائما هي السابقة والمسيطرة على فكرة الجزء/الفرد في العالم، وهذا ينطبق أيضا على مفهوم الأنطولوجيا فهي الأخرى لم تأت من اللامكان، فقد نشأت من تجارب السيطرة Domination السابقة على الآخرين ضمن عمليات الاضطهاد الثقافي الممنهج والمسستم، فالأنطولوجيا هنا، تعبر عن الوجود السائد والنظام المركزي له، إنها أيديولوجيا الأيديولوجيات وأساس الأيديولوجيات المركزية الضيقة.
إذن، في ظل سيطرة هذا المشهد الكلياني / الأيديولوجي، أي معنى للفلسفة سيكون في الحاضر والمستقبل؟ هل نبقى نردد بطريقة دوغمائية وأرثوذكسية أنها تعني حب الحكمة؟ وهل وجدت الحكمة في تاريخ الفكر الإغريقي بشكل منفصل عن السيطرة والهيمنة؟ أعتقد أننا مع غرامشي سنتجاوز مفهوم الفلسفة النظري/ الوضعي / الامبريقي/ العقلاني / المجرد/ الميتافزيقي/ المثالي، ليس هناك ثمة فلسفة هناك فلسفة السيطرة تشتغل ضمن فضاء الهيمنة الأيديولوجية Ideological Hegemony التي تعمل دائما في خدمة الطبقات المسيطرة، والتي لطالما روجت لفلسفة أنطولوجية أحادية والتي تؤكد على ن الوجود، ميتافيزيقي؛ سياسي؛ لامتناهي؛ مركزي، "يمثل الواحد والشيء نفسه". ومفاهيم القوة، السيطرة، والمركز، كلها مفاهيم تعبر عن اشكال كولونيالية تتجاوز على الثقافة وآفاق الوجود نفسه، بل إن مشروع الخلق في الفكر الإغريقي ماهو إلا ميتافيزيقا نظرية تعمل على تشكيل مسوغات ومبررات أنطولوجية لخدمة الفكر السياسي الكولونيالي.
-
جدلية الأنطولوجيا والمثقف التقليدي السلطوي
إذا كانت الأنطولوجيا تمثل الأيديولوجيا الأساساتية fundamental ideology للوجود من جهة ولمشروع الهيمنة من جهة أخرى، فقد عمل هذا الأساس كذلك على تشكيل وصياغة الهيمنة كونها تمثل سيطرة بيداغوجية pedagogical domination وصياغة الفلسفة باعتبارها تمثل " فلسفة كولونيالية colonial philosophy في كل من التشكيلات أعلاه، ويعرف نمط المفكرين والمثقفين المنبعث منهما بنمط "مثقفين المسافة/المثقفين التقليدين عند غرامشي" وهم المثقفون الذين ينطلقون من منظور معرفي ينطلق من المركز إلى الهامش، وهم الذين يعرفون ويحددون أنفسهم في بنية "الحضور الميتافيزيقي " ولهم القدرة على مأسسة وتشكيل المخيلة الجماعية، بل يمكن أن نعتبرهم الرابط بين التاريخي/ والخيالي في صيرورة المجتمعات الإنسانية، فمن خلالهم يتشكل السيمانتيك التاريخي historical Semantic.
ربما يمكننا أن نعتبر هذا المفهوم بمثابة المدخل الإشكالي والأساسي لمعرفة طبيعة المعرفة التاريخية ونظرية المعرفة التقليدية وسوسيولوجيا المعرفة. وطالما نحن نبحث في ميكانيزمات الهيمنة في مختلف الأشكال الثقافية والتاريخية، التي اصطلحنا عليها بـ "السيطرة البيداغوجية"، فمن الضروري إذن، معرفة المنطق الذي يعيد العلاقة بين "نمط إنتاج الهيمنة ونمط إنتاج الوجود الكلياني التقليدي". وهذا المنطق يعرف بالمنطق الزماني Temporal Logic فمن خلال هذا المنطق يمكننا فهم العمليات التاريخية للهيمنة ولخطابها وأنماطها اللسانية والدلالية المتحولة إلى"كيانات مطلقة" في الممارسات الثقافية اليومية. وبطبيعة الحال، إن هذه الكيانات جزء من مظاهر سيطرة الحضور الميتافيزيقي الذي يعيد القديم الجديد نفسه، فهنا تتشكل وظيفة المنطق الزماني، في كونه يعيد عمل البنيات الثقافية ويحافظ على ديمومتها واستمرارية سيطرتها الموزعة بطريقة متقنة بين مختلف المواضع الثقافية. وهذا ما يطرح لمعنى جديد لمفهوم "التقليد" في الممارسة الثقافية الذي يمثل في نهاية المطاف بنية تعمل لوحدها لغرض استمرار إضفاء الطابع الزماني Structure of Temporalization. بمعنى آخر، إن الثقافة هنا تتشكل ضمن العلاقات الزمانية بواسطة التشكيلات الاجتماعية التي تعيد بنية الزمانية بتكرار مختلف ومغاير، لكن للشيء نفسه، أو للمطلق نفسه Self-absolutizing.
قد تعيدنا هذه المقاربات إلى إعادة تأويل مفهوم "التاريخانية المطلقة" والكتلة التاريخية" حيث إن عمل هذه المفاهيم يتحدد ضمن الحقل الثقافي والدلالي للبنية الفوقية. وبالتالي، فإن غرامشي هنا لا يؤسس لأي ابستيم ثقافي /مجرد ومطلق، بل على العكس من ذلك، فإن جل مشروعه الثقافي يكاد يتركز في البحث على أركيولوجيا البنية الفوقية، وهذا يعني، انه يبحث في منطق زمانية البنيات وتحولها من خلال صلتها وعلاقتها بالهيمنة والسيطرة في اللغة والخطاب والممارسات الثقافية المختلفة، إلى جانب تفكيك أنطولوجيا النظام الثقافي للهيمنة.
-
من السيطرة الأونطو-بنيوية إلى البراكسيس الإمبريالي
يتضح لنا مما سبق، أن العلاقة بين منطق الزمانية وتشكيل خطابات الهيمنة، تتضمن على تداخل بنيوي وتاريخي كبير. فالهيمنة لا يمكن لها أن تعيد تشكيل البنيات الثقافية نفسها، والتي بدورها تعيد تشكل وتثبيت النظام السياسي، دون أن تستند في عملها على هذا المنطق، فهو يعد بمثابة التشريع الفلسفي لولادة مشروع الأنطولوجيا التي تظل نفسها، فهي يوتوبيا لتخييل استمرارية النفسه، باتجاه أفق اليوتوبيا الواقعية. وهذا ما ينطبق أيضا على عمل الهيمنة التي تسعى دائما إلى تكرار الواحد الأنطولوجي نفسه؛ وجود واحد؛ دولة واحدة؛ ممارسات سياسية واحدة؛ جماعات مسيطرة واحدة؛ نخب ثقافية وأكاديمية واحدة...إلخ. ولهذا، نجد كيف أن جوهر العلاقات السياسية - العملية يتجلى بشكل واضح مع البنية المؤسساتية الكلية Totality باعتبارها- أي الكلية- تمثل تشكيلا تاريخيًّا اجتماعيًّا. وهذا يعني، أن النظام السياسي لا يعمل بطريقة مجردة أو متعالية، بل على العكس من ذلك تماما، هو بنية كاملة ضمن أجزاء تستمد فاعليتها من خلال استقرارها في بنية الفعل الإنساني. أي، أن العلاقات السياسية تستند في وجودها على العلاقات الاجتماعية التي تتمأسس بواسطة الطبقات المهيمنة، بالطبع نحن هنا، لا نفصل بين وظيفة السياسة وتكنولوجيا تشكيل الطبقات المسيطرة، خاصة إذا عرفنا أن السياسة التي نعنيها هنا تمثل" بنية وظيفية كلية" أي ذات نزعة وظيفية محضة functionalism ونزعة بنيوية محضة structuralism. وبالتالي، فنحن لا نتكلم عن مفهوم السياسة على الطريقة الأفلاطونية والأرسطوطاليسية أو قل إن شئت على طريقة الفكر الإغريقي الشمولي/ الميتافيزيقي، نحن نبحث في مفهوم الكلية السياسية political totality عند غرامشي، حيث إن مصطلح totalityلا يشير بالضرورة إلى معان تجريدية عن الوجود والأنطولوجيا، بقدر ما يمثل وضع الوجود؛ حالة الوجود كما هو الان state of being يتشكل من خلال بنية ووظيفة السياسة التي تدار بواسطة الهيمنة الثقافية وثقافية الهيمنة.
وإذا ما عقدنا مقارنة بسيطة بين طبيعة التفكير الفلسفي الأفلاطو-أرسطي مع مشروع الفكر السياسي عند غرامشي، نجد أن الاختلاف الخطير والكبير يكمن في مفهوم البراكسيس praxis. فالفكر الإغريقي شيد لمملكة البراكسيس الامبريالي praxis of imperialism التي تحافظ على واقعيته العميقة. ربما لهذا السبب كان الفلاسفة أكثر تعاطفًا وإنسانية مع مفهوم سيطرة الشمولية dominating totality بدأ من مفهوم الوجود وانتهاء بالسياسة والاستطيقا. بمعنى آخر، أنهم استعانوا بهذا البراكسيس من أجل شرعنة وتبرير الوضع القائم لبنياتنا الاجتماعية. في حين أن مفهوم البراكسيس عند غرامشي، يعمل على العكس من ذلك تماما، فهو مرادف لمفهوم "الغراماتولوجيا "عند ديريدا الذي يعيد تفكيك ثنائيات الوجود ونقد ديناميكية الفكر السلطوي المحافظ والمهمين بالضرورة.
لهذا، ظل الفكر السياسي الأفلاطو-أرسطي يعيد انتاج "سلسلة مراتب السيطرة" نفسها من خلال مفهوم المثال الميتافيزيقي المطلق، وهذا ما كرس لسطلة السياسة الوطنية أو القومية والواقعية الثقافية. في المقابل، نجد أن غرامشي سعى إلى تقويض هذه المفاهيم التي عدها جزءًا لا يتجزأ من أيديولوجيا الأنطولوجيا البرجوازية المسيطرة.
من هنا، رفض فكر غرامشي السياسي مفهوم أفلاطون "الفيلسوف – الملك"، ذلك لأن مفهوم يكرس ويعيد لشكل أنطولوجي أحادي، يُفهم على أساس إمكانيته لتأويل الوجود بوصفه معرفة الأفكار المتعالية/المطلقة. بعبارة أخرى، إن جدلية الفيلسوف – الملك تقوم على المبدأ القائل إن الفيلسوف يمهد دائما لظهور وتكاثر انطولوجيات تراتبية وهرمية تخدم سياسة الملك / السلطة/ الأيديولوجيا. ولهذا، نجد كيف أن تعريف الفلسفة بوصفها "حب الحكمة" ليس له علاقة بالحكمة الفلسفية ومباحثها، بل إن له علاقة مباشرة بحكمة الملك السياسية التي من خلالها يتم إعادة تأويل مفاهيم ومناهج الفلسفة حسبما تقتضيه حاجة الملك وتطلعاته اللامتناهية نحو السيطرة والهيمنة. وعليه، فإن معنى حب الحكمة، يتضمن بالضرورة انعكاسا حتميًا وميكانيكيًا لسياسة الملك المنعكسة في واقعيتنا ووجودنا في العالم، ومنها يتحدد عمل الفلسفة ووظيفتها من خلال ما يوجد بصورة طبيعة / ميتافيزيقيا الحضور. وعليه، فإن مسلسل الانفصال بين الفلسفة والفلسفة النقدية critical philosophyسيظل قائما ومستمرا، وسيبقى التفكير منحصرا فقط ضمن أفق الواقعية المركزية / التمركز الواقعي الذي من شأنه أن يجعل من مفهوم الوجود أساس، لنظام totality كلي ينتج ويعيد إنتاج الثقافة ودلالاتها ومتخيلها السردي/ الرمزي والعلاماتي بطريقة مركزية بالضرورة.
من هنا، يتضح لنا الاختلاف الأساسي بين مفهوم البراكسيس عند غرامشي، والبراكسيس في الفكر الإغريقي عامة والفكر الأفلاطو-أرسطي خاصة أن البراكسيس عند غرامشي لا ينفصل عن عملية نقد وتقويض مختلف أشكال السيطرة والهيمنة الكامنة في بينات الوعي والعلاقات الاجتماعية التي اعتبرها انعكاسًا حتميًا ووضعيًا لوظائف النظام السياسي، أو بمعنى آخر، لأيديولوجيا الأيديولوجيات ونظام الأنظمة لسيطرة السياسة المركزية. فلا عجب أن يعتبر غرامشي تاريخ الفلسفة الكلاسيكي والقديم ليس إلا مجرد سعي مستمر لتحقيق أعلى مراحل الاكتمال النظري والتطابق الميتافيزيقي، مثل هذا التطابق هو الذي سوف يشكل ما يعرف بفلسفة السيطرة philosophy of domination وسيطرة الفلسفة التي تعمل بشكل أكاديمي دؤوب في مركز الهيمنة الايديولوجية ideological hegemonyللطبقات المسيطرة. فالبراكسيس عند غرامشي يقوض ما يعرف بالنظام الاستطيقي aesthetic regime للفلسفة وإنتاجها للخطاب الثقافي الذي هو في الواقع كان يمثل أيديولوجيا استطيقية aesthetic ideology تجلت في الفكر الإغريقي من خلال الممارسة الاستطيقية المتعالية. لأن مفهوم الاستطيقا عند غرامشي ظل يعمل بطريقة محايثة مع مفهوم النزعة الذاتوية السياسية political subjectivation الذي عمل غرامشي على قلبه، فلم يتعامل معه بوصفه يحمل وظائفه من قبل، ولا باعتباره مظهرًا للممارسة السياسية تعيد إنتاج العلاقات الاجتماعية بوصفها كلًّا مطلقا وشاملا. إن الاستطيقا عند غرامشي يمكننا أن نعرفها بوصفها منهج بحث في نقد وتقويض المعرفة المسيطرة dominant knowledge وبنية أنطولوجيا الوجود الاجتماعي social being.
من هنا، يتبين أن منطق البراكسيس عند غرامشي يعمل، بالأساس، على تفكيك براكسيس السيطرة praxis of domination المتضمن في عمل أيديولوجيا الذاتوية السياسية، حيث يتحول هذا البراكسيس إلى Ontic أي الوجود بوصفه حضور -البحث في الصلة بين الكيان والواقع-. وفي ظل سيطرة هذا الشكل من أشكال البراكسيس، فإن مفهوم الذات Subject عند غرامشي، لم يعد يعبر عن ممارسة ابستمولوجية /ديكارتية /كانطية مجردة، بل إن الذات بالنسبة له غير منفصلة عن تشكيلات السلطة والقوة والسيطرة والهيمنة، بعدما فقدت حضورها، لأنها أصبحت مجموعة من العمليات التي يتم إنتاجها في ظل سيطرة براكسيس قمعي oppressive praxis وهو ما يقابله عند الفيلسوف ميشيل فوكوGovernmental Subjectivation .
بعد كل هذه المقدمات والمقاربات الفلسفية والنقدية حول موضوع الهيمنة عند غرامشي، نتساءل حول تأويل عبارة غرامشي التالية "القديم يحتضر والجديد لا يولد" ترى كيف يمكن فهم هذه العبارة؟ كيف يمكن قراءتها؟ وكيف يمكن تأويلها؟ وهل تم إعادة تأويلها من قبل الباحثين والمختصين في أدبيات التفكير الغرامشوي؟
قد تكون هذه العبارة، هي خير ما يلخص لنا كل ما طرحناه في هذه المقدمة الأولية / النظرية في مشروع "البحث المفتوح في فلسفة الهيمنة عند غرامشي" في هذه العبارة حيث نجد كيف أن غرامشي ركز على سلطة التكرار المختلف للواحد النفسه، المتمثل بسلطة وتقاليد القديم، الذي على الرغم من أنه يحتضر، أو قد مات وفارق الحياة، إلا أنه ما زال يعيد نفسه في مختلف بنيات الثقافة وممارساتنا اللغوية وتكنولوجيا إنتاج المعنى في السياق والنص والخطاب. وعليه، فإن معنى عبارة "الجديد لا يولد" هو، في واقع الأمر، يشير ويحيل إلى مفهوم "بلاغة الهيمنة" التي تعمل بطريقة مستمرة ومتجددة عبر المثقفين والأكاديميين والباحثين والمختصين، أنهم أصبحوا أداة الوصل والربط بين بنية القديم المحتضر وكيفية تحويله إلى فعل قسري/رضائي/طوعي يكمن في الفاعلية الإنسانية اليومية. وبالتالي، فإن عبارة غرامشي، لا يمكن فصلها وبترها عن سياقها الأصلي، وأعني به هنا، عن ظاهرة صعود المثقفين والمفكرين والأكاديميين المتزامن مع صعود الأيديولوجيا النازية في إيطاليا، وقد انعكس ذلك سلبا، على أدلجة مختلف الممارسات العلمية وتشكيل الخطاب الثقافي الذي ترك بظلاله على ذهنية الناس العادين والعوام، بل وكان عاملا مساعدا، على استمرارية قبول الناس بطواعية لأفكار هذه الأيديولوجيا الشمولية. فمن أين يأتي الجديد إذن في ظل سيادة وسيطرة حراس السلطة؟
للبحث تتمة...
|