|
القاهرة 24 فبراير 2026 الساعة 12:38 م

بقلم: حسن غريب أحمد
حين نفتح رواية ما، فإننا لا ندخل إلى حكاية فحسب، بل نعبر إلى فضاء تتقاطع فيه المصائر، وتتعرّى فيه النفوس، وتتكشّف الطبقات الخفيّة للمجتمع. غير أن بعض الروايات لا تكتفي بسرد الجريمة، بل تجعل من النص ذاته مسرحاً لها؛ فتغدو الصفحات مساحة للتحقيق، واللغة أداةً للتشريح، والسرد قاعةَ محاكمةٍ تتواجه فيها البراءة والاتهام.
ليست الجريمة في الأدب مجرد حدث دموي أو لغز بوليسي، بل هي لحظة انكسار في النظام الأخلاقي للعالم الروائي. منذ أن كتب دوستويفسكي رائعته الجريمة والعقاب، لم تعد الجريمة واقعة خارجية فحسب، بل صارت سؤالاً فلسفياً عن العدالة والذنب والضمير. راسكولنيكوف لم يقتل مرابية عجوزاً فقط، بل قتل فكرة الطمأنينة في داخله، وأطلق محاكمة لا تنتهي بينه وبين ذاته. هنا تتحول الرواية إلى مسرح داخلي، حيث تتصارع الأفكار كما تتصارع الشخصيات.
وفي سياق مختلف، قدّمت أجاثا كريستي نموذجاً آخر، حيث يصبح البناء السردي أشبه بخشبة مسرح مغلقة، كما في جريمة في قطار الشرق السريع. المكان محدود، الشخصيات محصورة، والحدث يتكثف حتى يكاد القارئ يسمع وقع الخطوات في الممرات الضيقة. لكن خلف هذا البناء المحكم، كانت الكاتبة تطرح سؤالاً أخلاقياً: هل العدالة القانونية هي العدالة الوحيدة الممكنة؟
في الأدب العربي أيضاً، اتخذت الجريمة أبعاداً رمزية واجتماعية. في رواية اللص والكلاب لـ نجيب محفوظ، لا تبدو الجريمة فعلاً فردياً معزولاً، بل نتيجة شبكة من الخيبات والخيانة والاغتراب. سعيد مهران ليس مجرد لصّ، بل إنسان اصطدم بجدار مجتمع لفظه. الرواية هنا مسرح تتقاطع فيه السياسة بالوجود، والانتقام بالبحث عن معنى. الجريمة تتحول إلى احتجاج، والرصاصة إلى صرخة مكتومة.
-
ما الذي يحدث إذن حين تصبح الرواية مسرحاً للجريمة؟
أولاً، يتبدل دور القارئ. لم يعد متلقياً سلبياً، بل شريكاً في التحقيق. يتتبع الإشارات، يقرأ ما بين السطور، يشك في الروايات المتعددة للحدث. أحياناً، تضعه الرواية في موقع القاضي، وأحياناً أخرى في موقع المتهم، حين يكتشف أن دوافع الجريمة كامنة في هشاشة إنسانية قد يتقاسمها مع الشخصيات.
ثانياً، تتعرّى اللغة من حيادها. السرد لا ينقل الحدث فحسب، بل يصنع إيقاعاً مشحوناً بالتوتر. الجملة القصيرة قد تكون طلقة، والوصف المطوّل قد يكون ستاراً يخفي الحقيقة. الزمن الروائي يتشظّى؛ فالجريمة لا تُروى بترتيبها الطبيعي، بل تُستعاد عبر الذاكرة أو الاعتراف أو التحقيق، وكأن النص نفسه يعيد تمثيلها على خشبة متعددة المستويات.
ثالثاً، تنكشف البنية الاجتماعية. فالجريمة في الرواية ليست دائماً فعلاً جنائياً صريحاً؛ قد تكون ظلماً طبقياً، أو قمعاً سياسياً، أو خيانةً عاطفية. الرواية، حين تتخذ من الجريمة محوراً، تسائل المنظومة التي أنتجتها. من القاتل الحقيقي؟ اليد التي ضغطت على الزناد، أم الظروف التي دفعتها إليه؟
ثمة بعد آخر أكثر عمقاً: أحياناً تكون الكتابة نفسها فعلاً يشبه الجريمة. الكاتب يقتحم عوالم شخصياته، يعرّي أسرارها، ويضعها تحت مجهر القارئ. إنه “يرتكب” كشفاً لما هو مستور، ويعيد ترتيب الوقائع بما يخدم رؤيته. هكذا تصبح الرواية مسرحاً مزدوجاً: جريمة داخل الحكاية، وجريمة رمزية في فعل السرد ذاته.
ومع تطور تقنيات الكتابة الحديثة، لم تعد الجريمة مرتبطة بحبكة تقليدية أو قاتل معلوم. في بعض الروايات المعاصرة، تكون الجريمة هي ضياع المعنى، أو اغتيال الحقيقة في عالم مملوء بالأقنعة. النص يتحول إلى متاهة، واليقين إلى احتمال. وهنا تبلغ الرواية ذروة توترها: حين تجعل القارئ يشك في كل شيء، حتى في الراوي نفسه.
إن الرواية، حين تصبح مسرحاً للجريمة، لا تبحث فقط عن كشف الفاعل، بل عن كشف الإنسان. إنها تستنطق العتمة في داخلنا، وتدفعنا إلى مواجهة أسئلتنا الأخلاقية المؤجلة. قد نغلق الكتاب بعد أن نعرف من القاتل، لكن السؤال الأهم يبقى معلقاً: ماذا في داخلنا كان قادراً على ارتكاب الجريمة ذاتها لو تبدلت الظروف؟
في النهاية، ليست الجريمة في الرواية غاية، بل وسيلة لاختبار هشاشتنا، وتعميق وعينا، وتذكيرنا بأن الخير والشر ليسا حدوداً ثابتة، بل مساحات رمادية تتسع كلما اقتربنا من الحقيقة. والرواية، في أبهى تجلياتها، هي ذلك المسرح الذي يُضاء للحظة، فنرى فيه العالم عارياً… ثم ينطفئ الضوء، ويبقى الأثر في القلب.
|