|
القاهرة 24 فبراير 2026 الساعة 12:35 م

كتبت: ريم عباس - السودان
تمرّ ذكرى رحيل الأديب السوداني الكبير الطيب صالح "عبقري الرواية العربية" 18 فبراير 2026، الذكرى السابعة عشرة كوقفة تأمل في تجربة أدبية عربية فريدة، استطاعت أن تنقل صوت الإنسان السوداني إلى العالم، وأن تفتح باباً واسعاً أمام الرواية العربية لتعبّر عن الهوية والاغتراب والصراع الحضاري بأسلوب إنساني عميق.
وُلد الطيب صالح في شمال السودان بمدينة كرمكول عام 1929، ونشأ في بيئة ريفية تركت بصمتها الواضحة على كتاباته، إذ ظلّت القرية السودانية، بطقوسها وتقاليدها ونيلها الممتد، حاضرة في معظم أعماله، لاحقاً انتقل إلى لندن حيث عمل في الإعلام الثقافي، ومنها عمله في بي بي سي العربية، ما أتاح له الاحتكاك بثقافات متعددة انعكست بوضوح في أدبه.
وقد خلّد اسمه عالمياً عبر روايته الأشهر "موسم الهجرة إلى الشمال" التي عُدّت واحدة من أهم الروايات العربية في القرن العشرين، إذ تناولت إشكالية العلاقة بين الشرق والغرب من خلال تجربة إنسانية معقّدة، بعيدا عن الأحكام السطحية، فبدت الرواية حوارا حضاريا مفتوحاً أكثر من كونها سردا تقليديا.
كما قدّم أعمالاً أخرى لا تقل أهمية، منها رواية "عرس الزين" التي احتفت بالحياة الريفية السودانية بروح إنسانية ساخرة وحنونة في آن، كاشفة قدرة الكاتب على التقاط التفاصيل الصغيرة وتحويلها إلى رموز إنسانية واسعة الدلالة، وكذلك "دومة ود حامد" و"مريود" و "بندر شاة" و"منسي انسان نادر على طريقته"
تميّز أسلوب الطيب صالح بلغة شاعرية شفافة، تجمع بين البساطة والعمق، وبين السرد الواقعي وعمق النفس، وكان حريصاً على إبراز الإنسان في جوهره، ككائن يحمل أسئلة الوجود والهوية والانتماء.
وفي ذكرى رحيله عام 18 فبراير 2026، لا يُستعاد الطيب صالح مجرد اسم في سجل الأدب، إنما يُستعاد صوت سردي استطاع أن يجعل من الرواية العربية جسراً للتفاهم الإنساني، وأن يرسّخ حضور الأدب السوداني في الوعي الثقافي العالمي، لقد رحل الجسد، لكن أعماله ما زالت حيّة، تقرأها الأجيال مثل شهادة أدبية على زمن كامل، وأسئلة ما تزال تتجدّد.
رحم الله الطيب صالح، بقي أدبه ذاكرة حيّة ونبع إلهام لكل من يؤمن بأن الكلمة قادرة على عبور العوالم وصناعة المعنى الحقيقي.
اقتباسات متنوعة من اعماله:
"نحن بمقاييس العالم الصناعي الأوروبي، فلاحون فقراء، ولكنني حين أعانق جدي أحس بالغنى، كأنني نغمة من دقات قلب الكون نفسه".
"سأحيا لأن ثمة أناس قليلين أحب أن أبقى معهم أطول وقت ممكن، ولأن عليّ واجبات يجب أن أؤديها".
"عاجلاً أم آجلاً، سيغادرون بلادنا، كما غادر كثيرون عبر التاريخ بلدانًا عديدة. ستكون السكك الحديدية والسفن والمستشفيات والمصانع والمدارس ملكًا لنا، وسنتحدث لغتهم دون شعور بالذنب أو الامتنان. سنعود كما كنا أناسًا عاديين وإن كنا أكاذيب، فستكون أكاذيب من صنع أيدينا".
" نُعلّم الناس لنفتح عقولهم ونُحرّر طاقاتهم الكامنة. لكننا لا نستطيع التنبؤ بنتيجة الحرية، نُحرّر عقولهم من الخرافات، نعطي الناس مفاتيح المستقبل ليتصرفوا فيه كما يشاؤون".
|